الرئيسية / خبر رئيسي / تجربتي مع التجريد

تجربتي مع التجريد

خاص-ثقافات

*محمد كريش

“خد من زمانك ما شئت، ومن ماضيهم ما شئت، فلن تجد سوى نفْسِ الإنسان. هو هو. فما تغير ثمة   شيء،  سوى وحده الوعاء”

قبل حدث اللوحة؛ كان البياض. والبياض صمت وبوح في آن. سديم للبدء والنهاية…  والبياض مجمع الكلم؛ فما بعده ما يقال. وهكذا  هو حال صِنوه السواد كذلك. ومفتاحهما حتما البصيرة/العقل، لا العين… والبياض سليلٌ من السواد. كما السواد من البياض. وبالسواد  صار النور نورا. والبياض من السواد كالشجرة من البذرة/النواة. أو كالضوء من الطاقة. والضوء – بعد نفاده – يتحول راجعا إلى أصله “ظلمة الكون”. وفي نفس الآن؛ الضوء استجلاء للسواد، لما فيه، أو لبعض مما فيه… وفي البدء كان العماء،  سواد ظلمة مع نواة، شكلت نطفة الانفجار وانقذاف النور. ثم انبلج العقل.

         وبهذا يكون الأصل البصري للوحة البياض، وهي ممتلئة به  وباستفاضة. والبياض فراغ توهمي. فبفرط أفياض النورانية الغزيرة فيه، والوهج الكثيف، تحول إلى حجاب/ستار أبيض. “فكما ضوء الشمس في العين يعميها وينتزع منها خاصية الرؤية”؛ هكذا هو البياض… والبياض  كالسواد، هما كذلك “غشاء بصري” مطبق، تتحجب خلفهما الحقيقة والجواهر وماهيات الوجود، والعدم والكون والذات… فالظلام مثلا، يتستر على كون/وجود  الأشياء  ويخفيها عن الرؤية،  فوجودها  فيه  لا يُدرك سوى عبر لمسها فقط. أو بروائحها وبأصواتها… والفن توسل العقل والوجدان لاستجلاء هذه الحقيقة وسبر أغوارها بمعول العقل والفكر والتدبر، عبر الشكل واللون والتقنيات في فعل الإبداع/ التشكيل. فاللوحة/ المبدعة هي مسرح  التجربة والمغامرة الجمالية الكبرى  للفن  في خرق هذا البياض/السواد الأصلي المعتم، توقا لفتق المبهم فيه و هتك أستار المتخفي والمتواري والجواني، والمتستر  المنفلت…إلخ. وبالتالي ما يلف اللوحة بصريا وتتسربل به من أشكال وألوان وحركات وخامات، ليس إلا  ذاك الطموح الجامح، والتشوف الغريزي الأبدي للإنسان لاستكشاف واستشراف حقيقة  ذاك المجهول، المجهول فيه. ذاك الذي يولد معه،  يؤرق حياته تنغيصا،   ثم أخيرا؛ يحمله  معه هذا “الإنسان العقل” إلى الأبد… إلى المجهول المطلق. -مجهول   الذات “ذاته هو” ومجهول المآل-…

“الفن إكسير الحياة”

         الفنانون من جهة، “لاهوتيو الأهواء”، “كهنوتيون”  “دجالون”. اشتغالهم في “السحر والغواية والتفتين”. في “سحر الوهم والتوهيم”. يصنعون ويصيغون  وهم الأشياء ووهم الحقيقة. يخرجون اللامرئي إلى حيز المشاهدة، أو بالأحرى إلى حيز “وهم المشاهدة/الرؤية”. “تواجديو” الطقوس والأحوال. منهم الليليون لا يتلألئون سوى في  العتمة والظلمة. متنسكون في خلواتهم  عند محراب ذواتهم، يساءلون ويتساءلون  ويستفسرون. متميزون عبقريون إشراقيون ألمعيون. هم كالآلهة الميتولوجيين: “أبولو، أفروديت  وإيروس،”. خلاقون مستحدثون بطبعهم.  وحدهم الفنانون – ومعهم الفيلسوف بالتجوز ومع الفارق- لهم الإمكان وقوة  خرق الواقع واستشفافه  وولوج المستعصيات، وغواية الوجدان. هم حلقة وصل بين “الغائب والحاضر” وبين “المجهول والمعلوم” و”اللامرئي والمرئي”… يشكلون “لغة مستقلة متنفذة” تشتغل بالتشفير والترميز والإحالة والتمثيل…  تُفكُّ بها الألغاز وطلاسيم الأشياء والواقع. ويُستفرغ عبرها  مطويات وخفايا الأسرار والكنهات. الفنانون  تراجمة وخدام للحقيقة وللجمال واللذة والمتعة… هم المقتفون أثرهما والباحثون عنهما. لا فتور عن/في  ذلك أبدا. لذلك تكرسوا… فلذلك هم “لاهوتيو وكهنوتيو السجية “. يبدعون الجميل والفاتن، ويشعلون شمعة الأمل والحلم، والخيال والارتحال. يفتلون أواصر الإنسان بذاكرته الأزلية وكينونته. إنهم  هائمون في الذات (ذاتهم)،  يفكرون ويستفسرون  ويجترئون  ولا يتورعون. ذاك ديدنهم… فللحقيقة  جذب مع  فتنة… ومنع  وتحير وحيرة. وغيبة بلا رجعة… “الفنانون دوما يمدون الحياة  بالماء؛ لتعيش”. لذا قال نيتشه: “إننا لا نستطيع أن ننقذ أنفسنا من الفناء إلا عن طريق الفن”.

“الواقع حجاب دون الحقيقة والفن فَتْقُه وهَتْكُه”

         الفن ترجمة. والترجمة تحول ذات إلى أخرى. أي استبدال ذات بأخرى غير “الأصلية”…  لذا ليس هناك في الفن  محاكاة بمعنى “الاستنساخ التمثيلي” الصرف، حيث  ذلك غير ممكن البتة، إذ الفن شأنه “الخلق الفني” لا المحاكاة، فليس له ذلك حتى لو أراد. لأن إبداعه متخلل ممزوج بكثير من الإرادة والإضافة والتصويب والاستكمال… فضلا عن العشق والفتنة، والتسامي (ترنسندنتالية) والاستدراج، والأمل والحلم. كما  فيه حيز هائل وغائر  من المكبوت والألم، والقلق الوجودي..إلخ…  فما تراه العين تابع مفتول بما نظنه ونتوهمه أنه هو كذلك. فإن “الأصل” واحد متوحد، له “الواحدية”، له وحده، لا مشاركة لغيره فيها. فالفن هو انبعاث الأشياء من “اللاموجود” إلى “الموجود” أي ا”للاكون”  إلى “الكون”. والفن توهيم وإيهام واستيهام، وقد أشار إلى هذا المعنى -وببلاغة نادرة- الفنان بول كلي في قوله: ” الفن لا ينتج المرئي ( أي”المنظور/الواقع” بمعنى “النسخ والمحاكاة”)، وإنما يحول “اللامرئي” إلى “مرئي”. (أي يخرجه من الخفاء إلى عين المشاهدة والمعاينة)”. فقيمة الفن وقوته ليست في محاكاة الواقع الملحوظ،- حتى لو تمظهر بمظهر “المحاكاة” وهو أمر توهمي- وإنما في استخراجه واستدعاء  ما خلفه، وخلف أحداثه وما يختزنه من أسرار. كما أورد ذلك المفكر والفيلسوف بيركسون ضمن مؤلفه “الضحك” بقوله: “… إلى ماذا يهدف  إليه  الفن سوى أن يظهر لنا -في الطبيعة وفي نفسنا، خارجا عنا وفينا- الأشياء التي تضرب/تصدم  ضمنيا حواسنا ووعينا…”. وكل ذلك مصوغ بشكل بديع ممتنع ومثير حد المستحيل، يُفتتن بجماله وعبقريته “الفكر/العقل والوجدان” ويَشُد إليه رائيه شدا…

              

         وفق المعجم اللغوي إن التجريد “جَرَّد” معناه: تقشير، وتعرية، وتحييد، وإماطة، وإزالة…

– والتشخيص “شَخَّصَ” من معناه: عيَّن وميَّز… حدَّد وتعرَّف على الشيء… ومَثّل المجرّدَ -الشّيءَ الجامد/الفكرةَ –  في صورة حِسِّيَّة ملحوظة…

– والكون، من معناه:  الوجودُ المطلق، ما يحدُث دَفْعة.  وهو كذلك “الفلك/ العالم”: أي جملة الموجودات مع الزمن..

         التجريد كنه ذهني فكري خالص… وهو سابق لــ”اللاتجريد” أي سابق لــ”لمُعرف والمعروف والمُعيَّن…إلخ”.  والحال نفسه بالنسبة لــ”اللاكون”  إذ هو سابق للكون.

         وهكذا في البدء، كانت الأشياء لذاتها دونما أسماء وتسميات… إلى أن ظهر اللسان الإنساني/العقل ليُصَيِّر الكون  ويحوله برمته أسماء،  وتعيينات، وإحالات، ورموزا    وإشارات، إلى غير ذلك… فأسبغ عليها وجودا ثان/إضافيا أنطولوجيا، فضلا عن وجودها المادي العياني. أي وجود أسماء لا وجود أشياء. ويمكن  التلميح في سياق  فكرتنا هذه  إلى ثنائية ” ذات اسم /ذات مسمى” على أساس أن هناك وجودين الأول لذات  “الاسم” وآخر  لذات “المسمى” وهو الشيء بعينه المادي… وبالتالي هذا “الكون الانطولوجي” الإضافي قائم بــ”ذات الإسمية”. كما أنه  واحد “فَرِدٌ.فريد” لا نظير له وهو كثرة في نفس الآن، إذ هو  واحد/فريد من حيث  ” الشيئية والكنهية”، وكثرة من حيث التعيين “التسمية التعيينية والعينية”. فباعتبارنا لــ”الكون/l’être” كذات  لذاتها، “بمعنى الذات الشيئية والكنهية  أي الجنس والنوع”، فبالفرد نحكم عليه.  أما إذ ما اعتبرناه على أساس  ما يعطينا بتعدده  وتضاعفه  كـــ”واحد” أي  ” كفرد وكوحدة جنسية “،  وجعلنا لكل فرد مُحصَّل- ناتج عن هذا التعدد-  اسما معينا يخصه هو وحده  لا لغيره  من نظرائه ومماثليه، فحكمنا  ههنا سيكون حكم كثرة. والأمر هذا  كمثل من له خمسة نسخ من كراسي ملونة بخمسة ألوان مختلفة فإن قال عنهم باسم “الذات الشيئية والكنهية ” بمعنى ذات النوع/الشيء أي “الكرسي” وهو الاسم الشيئي “الإنّي”، فهنا قد حكم بالواحد/الفرد/الفردية فأما إن قال عنهم بالتسميات/الأسماء التعيينية /” العينية”  وحدد كل كرسي بلونه الخاص أي  الكرسي الأحمر والكرسي الأخضر…إلخ. فيكون قد حكم هنا بالكثرة وذلك بتعداده خمسة كراسي… لا أشياء.

لذا يمكن القول أن التجريد قد سبق التعيين، وبه يكون سابقا  للتشخيص والتحديد/المشخص والمحدد… (سبقت الإشارة إلى ذلك في متن السواد والبياض).

         والتجريد كذلك هو  كون بدئي، وجوهره  قوة، له سلطة وسطوة  “فعلية وفاعلية” التحييد و”التجريد” المسلطتان على “اللامجرد”. أي سلْخ المعين من تعيينه،  وبالتالي  تحييد وعيه بذاته، أي تلك المترتبة عن “الوجود والكون المضافين إليه بقوة التعيين -كما أسلفا ذكره-“. ليتحول إلى “مجرد”. لا ارتباط/مرجعية  له البتة. حر طليق… واللامجرد/المعين هويته وتدُه، وهو مرتبط  بإسميته  التعيينية ربطا وثيقا  أبديا لا فكاك منها، هي محبسه ومُسَجِّنَته. وهو عرضة لأنياب “اللاحرية/الأسر”، كما أن فيه حيزا وقدرا من العوز والعجز عن الخلق المطلق، الحي واللامتناهي… فيغدو  كونا عالقا/ أسيرا بين دفتي الوجود واللاوجود. واللاوجود  غير العدم طبعا. و”اللامجرد/المعين” يحمل ذاته وذات غيره أي ذات “اسميته الشيئية” وذات “اسميته التعيينيه” مثال: كرسي/”كرسي أخضر”، شجرة/”شجرة تفاح”. فضلا عما يجترانه من حيثيات وتوابع. و”اللامجرد/المعين” يناظر في وضعه هذا، المشخص في “الفن/التشكيل”، ذاك الذي تشكل “تشخيصيته” حاجبا  وحاجزا  صادا بينه وبين “التعبيرية المطلقة الممتدة و الخصيبة “المتخاصبة” –  خلاف تلك التي يكتنزها المجرد “وحده”  ويتمتع بها-. فــ”تشخيصيته” هذه تجثم  واقفة  أمامه   تتصدر واجهته  حين حدث التلقي والانجلاء، والبوح والافصاح، أي بَوْحُه هذا؛  تحدُّة  وتبثره وتبعثره أشباح  وصور  التشخيصية والتمثيلية  والمحاكاة. (أي ما يشخصه وما يمثله وما يحاكيه). والمشخِّص والمشخَّص هما  تحت حكم سلطة مدلول التشخيص -ما يشخصانه-. مشدودان إليها عالقان لا يبرحانها كلية مهما فعلا رغم  استجدائهما  بسلطة  ومعول التأويل ومناوراته.

وعليه، تكون  سلطة  التجريد قوة نافذة  متنفذة  في مسرح الوجود منفتحة عليه. كونها في ذلك، أن التجريد موجود في الوجود  كذات من جهة، ومن جهة أخرى  يقوم مقام المرآة تنطبع عليها الحقيقة  وجواهر الأشياء، والماهيات والأسرار والممكنات… وكلها يستدعيها “فعل/فاعل” التجريد وهو “العقل/الفكر”، “الفن/التشكيل”…

         التجريد أوثق وأجدى من التعيين لأن المعين محصور بتعيينه، وتعيينه حاجب له والمجرد حر طليق، يمتلك الزمان والمكان معاً، اخترقا واستكناها،  ذاته لذاته. لذا يكون التجريد/المجرد أقرب وأوفر حظا من الحقيقة  منه من التعيين/المعين… والتجريد – كما أسلفنا الذكر- له الإرادة /وقوة  النفوذ  والاختراق والفتق إزاء الكون “l’être /الذات”. وإزاء الفكري، والممكن، والروحي والوجداني…إلخ.

كما أسلفنا القول، إن التجريد انسلاخ “الذات” عن الذات أي عن كل “الذوات الغيرية”، كما له وهج  وبعد روحي صوفي بامتياز. فبفضل لما لهذا الأخير من سطوة وقوة الخرق والنفاد للجوهر والاستغراق الروحاني، فقد شكل نواة الانبعاث والاشراق الإبداعي، وشكل الأس الأساس للفن الإسلامي بكل صنوفه. حيث  اللب الروحاني والمقدس يشكلان غائيته ومنشط فلسفته.

         وهكذا -ومن جهة أخرى-  يكون  التجريد كذلك تثبيتا للذات الفردانية/ الواحدية -ذاته هو  الكنهية-. ومحوا لذات الآخر أي المعين/المشخص بالتسمية. ولا غرو ولا استغراب أن يكون التجريد/التجرد شرطا مبدئيا  للسلوك التصوفي، ولا سبيل للراغب السالك/المريد في ذلك دونه. وبه تُفْتتح الطريق وتهون  وتتلاشى عقبات المسالك  صوب ملكوت  التسامي والتعالي والإشراق الوجداني ومحو “الإنّية والأنائية”/الهوية. والتجريد يشكل العتبة الأولى في محراب التشوف والتشوق العرفاني الروحي… وهو بَيْنِيُ الوضع  بمقام برزخ رابط/ فاصل بين الجوهر/الحقيقة وذات الكائن العارفة/الإنسان/العقل…

 قال ابن عربي: “التجريد إماطة السّوى والكون عن الغائب والسر”. وقيل كذلك: ” التجريد نفي الأغيار”. أي نفي كل ما سواه. بما في ذلك أنت.

“التأويل  إطلاق الحرية وجِدة ومباغتة، كما  هو في الآن، شجرة المتناقضات  والخطايا”

          مناط المعنى والفهم هو الشك والسؤال. (اليقين يبدأ بالشك، وبينهما المعرفة) – وقد أورد الفلاسفة والمفكرون بخصوصهما ما لا يحد من الكلام- وهما مطية المعرفة.  بهما الإنسان إنسانا، وبهما  تكتمل أفضليته وعليته، وفرادته من حيث مخلوقيته. و الشك والسؤال معدن/مصدر طاقة الفكر وجوهر اشتعاله واشتغاله وانطلاقه. لبه؛ ينطلق منهما ويعود. وبهما يقوم ” كأداة” فاعلة منفعلة متفاعلة. “أداة” للإبداع والخلق، وإبقاء البقاء…  والسؤال مدار فعل الإبداع  لدى الفنان  ومحور رحاه. وكشاف توجهه ومناره. ومعول فعله…

         التجريد عبر “الفن/التشكيل” مسبار للترجمة  الخالصة عن الوجود وأسراره وجواهره. كما هو الأس لتلك الترجمة، والباعث لقوتها ومفعوليتها الفنية والمعرفية… والتأويل ترجمان للترجمة -من قبل ومن بَعْد- تابع لها كالظل لصاحبه/باعثه. كما أن الترجمة “كناتج” في التشكيل، مادية بصرية الوجود. أما التأويل ذهني  الكنه والفعل. يشتغل على ذاك الناتج البَعْدي،  وقبله في استقراء “المُؤَول” (أصل انطلاق الترجمة أي “الواقع أو الحدث…إلخ.”).الترجمة والتأويل -القبْلي والبَعْدي- وجهان لعملة واحدة. لا تُستكمل إطلاقية المعنى والدلالة سوى بهما معا… وكلاهما يشتغلان كــ”لغة”. كما أن التأويل باب ليس له مصراع ، مشرع  مترع،  مفتوح على مطلق التحدث والتقول والكلام… و”القول الفصل” لا يقبله بل يرفضه ويطرحه، حيث التأويل لا ثبات ولا اسقرار له، هو متغير متحرك على الدوام، هلامي الهوية، يتغير بتغير وضعه زمكانيا ”  وحضاريا، وسوسيوثقافيا، وسيكولوجيا، وفنيا، إلى غير ذلك “. كما هو  صاحب عصره يتلون بلونه. فتأويل يومنا هذا؛ قد لا يصلح  لغدنا، بل حتى ينقضه ويصده ويهاجمه. هكذا يشتغل التأويل مند أزليته. ولهذا؛ التأويل كالنور الوهاج، يتدفق ويخترق كل الثقوب. أو كمفتاح  مناسب  لكل الأقفال…كل الأقفال.

         من معاني التجريد في الفن   أيضا،  أنه هو الحيز المقفل الموصد، و هو المحظور عن كل تحديد، إذ لا  هوية عيانية مانعة  له، أي ليس له عين قبلي أصلي يستند إليه. وهو بطبيعته هارب، حيث  أنه هو لذاته مطلقا وليس له  سليلية مرجعية تصويرية. كما أنه  انسلخ من المحاكاة  ومن كل إحالات وارتباطات صورية طبيعية عينية تشده. أو رمزية عرفية  تواضعية تقيده. وبالتالي هو انسلاخ الكل عن الكل… غير أن التجريد  في التشكيل – مع ذلك-  يبقى صوري الكون والحدث،  من حيث أنه   رؤيوي بصري، عيني مُعْطى  للمشاهدة، أو بالأدق: ” مُعْطى للتفكر والتدبر  دفعة واحدة”. (فالفكر/العقل هو  الصائغ المشكل الأصلي لما نراه ولما يريدنا  أن نراه، وهو المُتَعرِّف وليس العين، بل هي التي تتبعه لا العكس)…

         يعتبر التجريد ضمن عملية الإبداع التشكيلي جوهر المحو  والبدء (وذلك ضمن الجدلية الأبدية الثنائية: “وجود/عدم”، “نفي/إثبات”، “محو/بدء”، ظاهر/باطن”). و التجريد هو كذلك  مِعول التنقيب يبحث في المعنى والمبهم، وبه يتم الاستكشاف  والاستجلاء  في خبايا وخفايا “الماوراء”. أي مَنْفَد  يُتَوَسَلُ به وعبره  استشراف تلك الحقيقة المفقودة والمتخفية، القابعة  في المجهول والمتسترة  خلف  سر “الذات الإنسانية”  الأزلية المتعرِّفة، والطالبة والمريدة  للمعرفة. من حيث أن الذات هي صورة انطباع الأصل/معدن الوجود: أي محل التجلي (تجلي هذا الأصل). تواقة ومتطلعة أزليا  إليه-  كما  تبلور ذلك ضمن الثنائية  الفلسفية  الأفلاطونية  في تناظر ميتافيزيقي  بين  ” الإنسان/العقل والمثال/ الإله”.

         والتجريد كذلك  استشفافي  بامتياز، فعلٌ “خارق  مخترق” يشتغل على خلق المنعجم  ووضع المغلق، وصياغة الاستفزاز والمفتز والجريء، من خلال تفكيك وخلخلة الاعتقاد  والموروث، والوثوقيات والمسلمات والإيمان والوهم… أي  يستحدث ويصنع  الخام  البدئي   للفكر والإسقاطات والتأويلات الخصبة والمتجددة، تلك المتحركة والممتدة واللامتناهية  زمانا ومكانا. والتجريد -والفن التشكيلي عموما- توأم اللغة/اللسان يناظرها  من حيث التعبيرية والتواصلية  والتشفير والترميز وهو امتداد للذات – وبخاصة الذات العارفة الخلاقة-…

         منذ أوائل السبعينات وأنا اشتغل على التجريد -ومازلت- غير أنها تجربة لم أخرج  بها إلى الجمهور إلا في أواخر السبعينات إلى غاية النصف الأول من الثمانينات. كانت تجربة حاضرة موازية  للتشخيصية. غير  أنه  في السنوات الأخيرة بدا لي أنها اكتملت ونضجت كفاية، واستوفت شروطها الفنية  مما يستوجب عرضها من جديد في معرض استرجاعي. وهكذا التجريد كما أشرت قد  رافقني موازيا  كرفقتي  للتشخيص. وبالتالي هو كذلك مجالي بامتياز…

         التجريد لدي يشكل مُحصلة ما يناهز الأربعين سنة من التجريب التشكيلي الميداني.  وقد تفتق تطوريا من التشخيصية الخالصة، (على غرار ما قاله  بابلو بيكاسو: “أتقن القواعد كمحترف، لأتمكن من كسرها كفنان”) حيث الشخوص والمعالم التصويرية  والفضاءات اللونية تحولت تدريجيا عبر الامتداد والانكسار والاختزال الشكلي وتواشجه   إلى  بنيات تشكيلية  مجردة من كل تمثيلية أو محاكاة  للواقع، بل لا تومئ حتى بذلك. وبالتالي أضحت اللوحة عبارة عن كيان تركيبي لوني كثيف، انصهر فيه الشكل باللون ليختفي متواريا في هيئة لطخات ولمسات حركية  متناثرة. أحيانا انفعالية وانسيابية، وأخرى متأنية  ومركزة. هكذا انقلب/تحول المتن التشكيلي من  البصري التصويري الواقعي إلى البصري الدلالي المطلق والحر. بمعنى: ينطلق  مباشرة -ودونما إحالات تمثيلية- من الشكل إلى الاستقراء والتخمين والتأويل. (هنا وجبت  سياقيا الإشارة إلى أن كل متن تشكيلي أيا كان نوعه/اتجاهه فهو يستدعي بالضرورة تحليلا واستقراء وتأويلا. بل هكذا هي  طبيعته  ولهذا الغرض أُوجد).

         في أعمالي -إضافة إلى عنصري الشكل واللون، و كل ما  ينتج عنهما ضمن فعل الإبداع من خلال  الحياكة التقنية، والحبك  التشكيلي والتطريز والتسبيك الفني الجمالي…إلخ-  هناك عنصر ثالث -أوظفه- متمثل في المادة “الخام-الخامات” حيث تشكل أرضية “جيولوجية” أساسية مخصوصة، “صخرية الملمس” وناتئة السطح  مما يجعلها  قابلة ومؤهلة مكانيا/ماديا  لإبراز  النسج  والتصفيف التشكيلي والفني العام، الذي أستهدفه جماليا وتشكيليا. كما أن ذلك يمنحني سهولة وسلاسة  في استخراج آثار ومخلفات لونية  وصباغية،  تتفتق عن  الصدفة الحركية  لليد والأداة واندفاعاتهما المزاجية والعفوية على صدر القماشة “la toile”…

         تقوم بنائية اللوحة على استدعاء رزمة من الدعامات، منها ما هو مادي وصباغي صرف، وأخرى مرتبطة حتما بالخبرة التقنية والعلمية الفنية -ما يناهز 46 سنة من التجريب الميداني- والكل يسير/يتبلور ضمن نسق “فكري/عملياتي” خاص، يستجيب لرؤيتي التشكيلية، وعبره يكتمل إنضاج اللوحة بما أرتضيه كوضع معرفي وجمالي وفني ودلالي…إلخ. دعامة اللون واختياراته – على أساس أن هناك ألوانا معينة محدودة تشكل “أس” التفريع  والاشتقاق والممازجة اللونية- وهناك التشكيل المقامي اللوني من حيث الاتزان  والتناسق والتناغم، أو على عكس ذلك حسب المرغوب/الهدف والغاية. الألوان “الأس” تتأرجح بتأرجح المستهدف الفني وطبيعته، وهي في عمومها: الأزرق، الأصفر الغامق والمتوهج، الأحمر القرمزي، البني، الأخضر القاتم، ثم الأبيض والأسود اللذان يشكلان جوهر اللعبة الجمالية اللونية لدي…

         غالبا ما أبتدئ العمل بتقعيد الخلفية عبر مائية ملونة خفيفة وغامقة، يليها وضع وتحديد التخطيط الأولي للبوتقة البؤرية  للهيكلة الإجمالية/العامة للوحة والتي ستنطلق منها الرؤية التشكيلية ثم تعود إليها  لتستقر فيها نهائيا. بما يعني ذلك أن العناصر التركيبة  للصورة التشكيلية  جميعها تتمركز وتتلاشى فيها. وهي بمقام عين مركزية الشبكة الخطوطية الإيقاعية،  وبمثابة  قلب فسيفساء اللوحة الإجمالي. إنها بؤرة الإسقاط الرؤيوي. وبعد ذلك تأتي  تعاقبيا  مراحل  بلورة المصوغة الفنية  لتتطور وتكتمل تدريجيا – شكلا ومضمونا- حيث تُسْتَدْعى ضمنها كل التقنيات و”المناورات” الصباغية  المكتسبة على مستوى اللون والشكل. وذلك من خلال  تظليلها وفتحها، وإقتامها وتنويرها، وتنويع مقاماتها ونسبها وتدرجاتها…إلخ. في هذه المحطة كذلك أوظف بشكل كبير  شفافية  اللون  المترتبة  عن مستويات ودرجات   لزوجة المادة الصباغية وسيولتها وكثافتها إلى غير ذلك… هذه العمليات الفنية المتنامية على  القماشة لا تنطلق من منطق الارتجالية  و لا الاعتباطية  أبدا، وإنما  تسير وفق  تخمين وهندسة  مشروع مسبق، غالبا ما أحدد معالمه في شكل خطاطة/رسم إيجازي ومختزل على ورقة مستقلة؛ تصاحبها دائما بعض الإشارات اللونية  لتثبيت الفكرة وللتوجيه والتذكر…

         فبناء على هذا الأساس تأخذ اللوحة طريقها للوجود والتمظهر من حيث التبلور التقني التطوري. وليس خافيا -على المهتم بالمجال الفني فضلا عن الممارس- أن المهارات والتكتيكات التقنية وحدها لا تصنع أبدا فنا حيا يتنفس ويستفز ويسائل ويشد إليه جبرا. فالتقنيات المهاراتية بمفردها لا  تصنع  سوى عمل جميل دمه بارد جدا، ذي طابع مسالم يستقبل المتلقي برخاوة  لا يستثير فيه غير اللذة والمتعة الهرمونية، دون خلخلته واستثارة ردة  فعله. إنه متن جميل يستجدي بالعين لا بالفكر. لا يتجاوز الغواية واللإمتاع البصري – وما بذلك من ريب ولا عيب فيه، غير محدودية الفاعلية والاستفزازية- لكن مع ذلك، إن توفر العمل الفني/التشكيلي على عنصري جمال الصفة والمظهر، والوجاهة  وقوة التعبيرية، والمضمونية الدلالية والرمزية… إلخ؛ تكون اللوحة  آنذاك،  قد استوفت شروط  مشروعيتها وإجرائيتها  كاملة: “التقنية، والجمالية، والوجدانية، والدلالية، والثقافية، والمعرفية، والاجتماعية… إلى غير ذلك” مما يِؤهلها  حتما للفاعلية والتفاعلية الخلاقتين، والتأثير والتواصل الحي الثنائي واللامتناهي -زمكانيا وتاريخيا- بغية التجديد والتجدد عبر الخلق. وكل ذلك من خلال قوتها  الاستثارية  والاستفزازية  والاستنهاضية، شكلا ومضمونا… وبذلك تحمل نورا إلى الآخر كما قال فولتير: “كل فن يحمل نورا إلى الآخر”

         جوهر الفكرة الناظمة لعملية الإبداع التجريدي لدي ترتبط ارتباطا وثيقا بالفكرة المحورية التي قام عليها عملي في الطراز التشخيصي، وعملت عليها مند انطلاق تجربتي الفنية. حيث كانت تتمحور  أساسا حول الذات والذاكرة، والاغتراب والاستلاب الثقافي و  البعد الكينوني، وما يترتب عن ذلك من قلق وجودي وحيرة وانشطار…إلخ. وبالتالي هي القضية  الأبدية الكبرى: قضية العدم/الوجود /الكون(l’être).

         اختيار نوعية الأشكال والألوان وكيفية توزيعها وتركيباتها ضمن فضاء اللوحة يمليه ويحصره الغائية والقصدية الدلالية والمضمونية للعمل. والمتمثل في جوهر الطرح الأساس التي أشرنا إليها آنفا  -سؤال الذات  والأثر، والوجود والعدم، والذاكرة والهوية…إلخ- فاندفاعات وتواثب اللطخات الخامية الكثيفة، وتبعثرات الأثر اللوني الصباغي على صدر اللوحة، وتداخلات  و”ارتطامات” هذه المواد والعناصر المتنوعة على السند الداكن عموما،  إضافة إلى توظيف مكثف لأسلوب التمايز والتفاوت اللوني وتضاده الإيقاعي أحيانا. فضلا عن تركيم وتزخيم اللطخات الصباغية والخامات في مواضع معينة من جسد اللوحة؛ كل ذلك يسم اللوحة  تارة بمسحة انشطارية،  وأخرى بسمة الانفعالية الشكلية وبالانسيابية الجامحة  والحادة. وقد  تشكل  كذلك وضعا هادئا سكونيا يشي بالخفوت والكمون… أما النسق والطابع الإجمالي للوحة يحتفظ أبدا بانسجام لوني سياقي، أي أن هناك أس لوني ثابت  يربط ويغزل مجموع الألوان كافة في “هرمونية”  متناغمة  شاملة ومهيمنة،  تتوزع  وتتنوع على امتداد واسع ضمن الطيف اللوني -قرص الألوان- مما يجعل من المصوغة الفنية وحدة متماسكة، غير أنه كذلك، -وفي الأعم-  تتدخل وتتسرب طي المنجز  لطختان أو ثلاث،  تكن نشازا خارجة  عن التناغم  اللوني العام، ومنها بالأخص: الأحمر المتوهج  والأصفر الفاقع  فتغدو ثقوبا نابضة، مشعة تفيض نورية  متلألئة  ساطعة،  مما يبعث نوعا من الحيوية  والإشراق الوضيء، والوهج الساطع، فيزيد ذلك من دينامية المصفوفة التشكيلية ويكثف  عمقها  ويضاعف قوة الاستثارة والفاعلية، والاستدعاء والاستنفار الفكري والمعرفي والجمالي والوجداني…إلخ.

         كما أسلفنا الذكر، هذه الشبكية المتنامية والتي تتخللها الخطوط والأشكال والألوان  في احتدام  “فاعلي/تفاعلي”، “تأثيري/ تأثري” ناجم عن  التفاوتات والتباعدات والتصادمات  كما التجانس والتقارب والتوازي على مستوى الأحجام   والأحياز الفضائية واللونية، والمستويات والمواد والأثر الصباغي… إلخ. كل ذلك تتولد عنه  قوة بصرية تعبيرية  ضاربة: “دينامية  جامحة إيقاعية  وكرافيكية “، تبتصم  بها البنية الهيكلية للفضاء التشكيلي العام، فتجعل منها -في النهاية- مشهدية ملحمية  تشي  بقلق وتوثر رؤيآوي ووجداني…  ومُشَكِّلة مسرحا لتبعثر ذاكرة فاقدة وعيها، منشطرة  متفككة مستفْرَغة. ومسرح  تَكَسُّرِ ذات تائهة لا وجهة لها. هائمة تتوسل مستقرها هنا وهناك.  مترحِّلة في كل مكان وزمان. لا حاضرة ولا غائبة. لا هي هي، ولا هي تلك. أضاعت  هويتها  فطوح  بها  بحثُها عنها خارجها، فتوهمت هويتها في كل ذات. بل في اللاشيء، في اللاكون…

         هكذا يكون الوضع التشكيلي “التفجري البصري” للوحة بمقام فتق  تواصلي/ترابطي  ينفذ  بالمتلقي المستقرئ إلى تخوم كون (être)  متوثر ومأزوم، تحتدم فيه صراعات ومتناقضات الذات في بعدها الوجودي والكينوني والثقافي والحضاري. كون عالق بين الأنا والآخر، وبين الوجود واللاوجود،  والنفي والإثبات… “أليس عين رائية متيقظة وبصيرة  متوقدة  تتبينان مباشرة ولا تغفلان  أبدا  الفعلية  التصادمية  يبن الأبيض وعكسه الأسود؟”. ضدين معدنين للتنافر وللانفجار والتفتت والانشطار. هكذا  يشتغلان كذلك الأحمر وضده الأخضر، والأصفر والبنفسجي. كلها أقطاب التضارب والتضاد والاشتعال. لا يتساكنان  حينا  سوى للتفجر وللفعل والفعل المضاد…”للتدامر”. ألوان في تركيبتها تلك، تختزل ما لا يباح  به. المستور والمدسوس في خفايا الذات. خلف الحروف والحركات والإيماءات المستترة. بين الضلوع وفي الجواهر… خلف الصمت.

كلية اللوحة هي  مسحة من تجانس وترافض لوني وشكلي. وفي نفس الآن، بها كذلك مسحة من الإيقاعية والتناغمية الهرمومنية. لكن هذين المعسكرين لا يبرحان  يشتغلان بتواز وتوازن وتعاضض عبر ثنائية تفاعلية “توافق/تضاد” لغاية تعبيرية تتوخى استجلاء أحياز النفس والذات  المنكسرة. ذات الفرد وذات الجمع… إن اللوحة -أو هكذا يجب أن تكون- ذات متمردة  تمتهن  التمرد والصد والتصدي. أسلوبها وأدواتها منفلتة مكانيا وزمنيا. عناصرها متناثرة متواثبة “متواجدة” على سطحها  الترابي الخشن الناتئ، غير مستقرة، لا ثبوت لها. مشتعلة ومستعرة بمكوناتها في شطح وسكر لا يفتر… فكذلك هي ذات المفتون. ذات من لا وتد له،  ولا جوهر. المتحير في ما افتقده، لا  هو يجده ولا هو ينساه. عالق في بوتقة من بركان. أو ركن في جحيم…

         هذا الحدث ” التوتري التفجري” الباصم للوحتي هو بمثابة امتداد لــ”الإنساني المطلق” عبر الجسد، ثم اليد، ثم الأداة. يشكل انطباعا للكينونة الوجدانية والمعرفية. وفي نفس الآن هو تثبيت وتوثيق (حدثيا)  للزمكانية التاريخية والثقافية والحضارية والسيكولوجية “للفنان ولبيئته”…إلخ، عبر الأثر الفني الصباغي “الشكل، اللون، المادة، ،الحركة…”. فتتحول المنجزة ذاتا معرفية. آنية الحضور، “ولا زمانية/ولا مكانية” بل ستمتد أبديا امتداد التاريخ، ثاوية طيها شحنتها الرمزية وحمولاتها الدلالية للاستقراء والإمتاع… وبالتالي تتحول إلى ذاكرة ومرجع للهوية. وعليه، فالمصوغة التشكيلية زئبقية الحصر والتعريف، ذهنية ووجدانية المعدن. تتمظهر وتتمسرح  كل مرة في صفة/ذات مختلفة عن سابقاتها. شأنها في ذلك كالمجاز والسجية. فهي ظاهرة دوما متحولة وممتدة، “لانهائية” تتلون عبر المكان والزمن/التاريخ. هكذا هي طبيعتها وتميزها. فكل تاريخ/ثقافة تقارب الفن والإبداع متكئة  زمكانيا على هويتها الحضارية بكل ما تتويه طيها، وبما هي علية ككيان فكري  وثقافي، وكوعي وجودي. إذن؛ فالعمل الفني لا يموت أبدا، كالوجود. سر ذلك كونه مخطوط بقلم الديمومة والصيرورة الأبديتين،  واللانهائية والخلود، ومكتوب  بأحرف البقاء ومداد الذات  والوجداني والمعرفي، والماهيات…إلخ. ومختوم بمفاتيح وأصناف التأويل المطلق المُشْرع…

وفي الأخير؛ أعتبر تجربتي التجريدية امتدادا طبيعيا وحتميا للتشخيصية. فكلتيهما تتهممان وتعكفان على مقاربة شأن الإنسان في بعده الوجودي وما يرتبط بذلك من هوسه وتعقبه الأزلي لــ”الحقيقة والذات”، “العدم /الوجود”، “الحياة /الموت”، “من أين وإلى أين؟”. وأسئلة أخرى مرتبطة بــ”الإنسان والإنساني” كجسد وكينونة وكذاكرة وكهوية…إلخ. كل هذه القضايا  أشتغل على بلورتها  و”تحويرها” متنا  فنيا تشكيليا من خلال “الثالوث الفني”:  “الشكل /اللون /المادة”. كما  أن هناك امتدادا طبيعيا للذات المبدعة – أي الفنان- المنطبعة في العمل كانطباع الصورة على المرآة. فهناك بلا شك؛ حيز خفي متستر ومنفلت عن وعي  وإرادة الفنان، حيز  ممتلئ حتى الفيض، غائر في  جوف وعمق هويته  “السيكولوجية” و”السوسيوثقافية”، يتسرب ذاتيا  فيندس عميقا باللوحة” العمل الفني”، متلونا هاربا  في كمون وخفوت، لا يستسلم أبدا  للتجلي والانجلاء  سوى  لعين متمرسة، متخصصة  وعارفة، مقترنة بحدس متيقظ  وبصيرة حية نافذة. لا تنفك الذات -الذات الفردية- أبدا من أن تتلطخ  وتتبصم  بمحيطها وبيئتها -الذات الجمعية- مهما فعلت… فالعمل التشكيلي إذن هو  بحر هائل من  الأسرار والخفايا، يختزن عوالم من المعارف، والنفائس والبدائع من الأفكار والفهوم، فهو كالمجهول المقفل المكتنز في جوفه اللآلئ والدرر المعرفية والعرفانية.( وفي نفس السياق  فقد قال العارف جلال الدين الرومي: ” فإن تطلب اللؤلؤ، عليك بالغوص في عمق البحر فما على الشاطئ غير الزبد”)…  وبالتالي يُعتبر ” النص التشكيلي”  كذاك الراوي الأبدي الحكيم. المُلْهَم المتفرس، يحكي للناظر المستقرئ  قصة ذالك الإنسان مع الإنسان نفسه، مع كونه، ومع خوفه الأزلي… يروي مأساة  غربة الإنسان في الإنسان، ومحنة  الإحساس الغائر فيه بعبثية الوجود ووهمه الجامح الكبير. يعيش قلق المآل، ويترنح تحت وطأة جهله الأزلي المستعصي، وهو  يتقلب في قعر جحيمه… هكذا هو “الإنسان العقل”. الإنسان  المتشظي  المنشطر، ما عرف حقيقته قط… تائه مكلوم حزين، مستجديا  بالوهم على الوهم. شأنه  شأن جثة  عمياء  متحيرة، هائمة على وجهها  في الوجود… فلا يفتر هذا العقل  يفكر تشوفا  لفك  لغزه الممتنع  كي يرتاح. لغز الوجود المفقود… فمن أين له  أن يرتاح، فذاك قدره. ولأجله هنا وجد…

ومهما يكن، وكما أسلفت، في النهاية، يبقى الحدث الإبداعي مزاولة أبدية لاكتناه واستفسار (الكون الإنساني- être) في بعديه الوجودي والروحي السيكولوجي، ومساءلة الحيثيات التي يستتبعها هذا الكون من عوامل وروافد تفاعلية على المستوى المعرفي والفلسفي والفني الجمالي، والسوسيوثقافي والأنثروبولوجي. ونظم اقتصادية وسياسية وإثنية حضارية…إلخ. غير أن الكل يتغذى من بوتقة الشك والتشكك. أي معدن ذلك، “سؤال الوجود” الأبدي: “من أين وإلى أين ولم؟”. حمم متلاطمة متموجة يتناسل فيها الشك و يتوالد الريب، ومعهما  قلق  الكون والوجود.
____________________

(الفنان التشكيلي محمد كريش يتحدث عن تجربته التجريدية بمناسبة معرضه الاسترجاعي- المغرب)

 – ديسمبر 2016 –

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *