الرئيسية / خبر رئيسي / أدب ما بعد الحداثي رواية عذراء سنجار للروائي وارد بدر السالم أنموذجا ..

أدب ما بعد الحداثي رواية عذراء سنجار للروائي وارد بدر السالم أنموذجا ..

خاص-ثقافات

*خلود البدري

عندما تتساقط الأوراق ، تبدو جميع الأشجار متشابهة .
أفتتح الروائي وارد بدر السالم روايته بعدة أقوال عن سنجار وأهل سنجار ، وكان له أن يختار لكاتب أيزيدي أسمه نواف خلف السنجاري المفتاح الأول للولوج إلى عوالم روايته ” عذراء سنجار”. قبل الدخول إلى عوالم الرواية لا بد أن نعرف ما هو مفهوم الأدب ما بعد الحداثي ولماذا سميّ بهذا الاسم ومتى ظهر ؟ كل تلك الأسئلة سنجيب عنها تباعا : الأدب ما بعد الحداثي يكتب عنه الناقد ، د.جميل محمداوي ” حيث يقول في كتابه المسمى ” نظريات النقد الأدبي والبلاغة في مرحلة ما بعد الحداثة ” : الذي ينبني على التعددية ، والتناص وإعادة الاعتبار، للمؤلف، والقارىء ،والسياق الخارجي والمقصدية ، والاهتمام بالاختلاف، والتركيز على المهمش والمدنس ،مع استعراض ثنائية الذكورة والأنوثة ،والاستعانة بمنهجيات التفكيك ، والتقويض والتأويل .في قراءة الكتب المقدسة ، وتشريح النصوص والخطابات الأدبية وغير الأدبية ” ص9
وأيضا ” قد جاءت ما بعد الحداثة لتقويض الميتافيزيقا الغربية ، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت قديما وحديثا على الفكر الغربي ، كاللغة والهوية ، والأصل والصوت والعقل ، وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك ، والاختلاف والتغريب ، وتقترن ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام ،” ص17
فهل أنتهى مشروع ما بعد الحداثة ؟ ” لقد ناقش الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن مشروع الحداثة لم ينته أبدا بعد ، حيث يواصل سعيه لتحقيق أهدافه ( وبهذا يقصد هابرماس قيم تنوير العقل والعدالة الاجتماعية ” ) ص18
من كل هذا نتوصل إلى أن ما بعد الحداثة وهذا ما تعد بالنسبة للكثيرين ” عدمية على نحو خطير فهي تقوض أي معنى للنظام والسيطرة المركزية للتجربة. فلا العالم ولا الذات لهما وحدة واحدة ” وحسب دافيد كارتر فأن ما بعد الحداثة تزعزع جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية ”
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر ما يسمى بما بعد الحداثة . لم يكن ظهورها أولا في الأدب وإنما كان في التشكيل والرسم والعمارة والهندسة المدنية قبل أن يكون لها نصيب بالأدب وباقي العلوم الأخرى المختلفة .
وقد اخترنا رواية الروائي وارد بدر السالم ” عذراء سنجار ” لأننا وجدنا أنها تتحلى بكل ما ذكر من خصائص أدب ما بعد الحداثي ، طبعا هذا لا يمنع أن تكون للرواية قراءات أخرى تحت مدرسة من مدارس النقد الأدبي ، فكل قارىء له وجهات نظر تختلف عن غيره ، لكنني عند قراءتي للرواية توسمت فيها ذلك . طبعا الروائي السالم في روايته هذه قد عزف بشجنٍ وحزن المأساة السنجارية والتي ستظل شاخصة في الذاكرة الجمعية العربية والعالمية ، أنها الاستباحة الإنسانية للإنسان كقيمة عليا وكنفس حرم الله قتلها ، لكنها الأفكار التي تسلطت على العقول فجعلت من وحوش بشرية ضارية أكثر وحشية من وحوش الغاب ، يأخذنا السالم معه في رحلة عجائبية تشيب لها الرؤوس ، فيبدأ سيمفونية الحزن المتجذر على هذه الأرض بحديث للطير والحيوان ومعهم المرأة الحامل ، الغراب متحدثا والصقر طائرا ومتحدثا كذلك، والكلب يرد بالحركات والمرأة الحبلى التي تُثقل بالجنين والعمل , الأمطار التي تهطل في تلك اللحظات ، هي البداية ليس إلاّ .. أن تقرأ بمتعة لحزن قاتل فتلك مهمة عسيرة على أي كاتب لكن للسالم مقدرة خاصة على أن تجعلك تستمتع بما تقرأ ، وصراحة أقرأ الصفحة ولا أستزيد إلاّ بالعودة لها مرة أخرى ، ليأخذني الأسلوب الشاعري معه من جديد ، وكما قلت أنها متعة أن تقرأ لكاتب ولا تريد أن تفارق سطور روايته وتعود للسطر أكثر من مرة فأنت لا تريد أن تنتهي من هذه التحفة إلاّ وأنت قد تأملتها كثيرا . لفت انتباهي لغة الرواية التي سُبكت بمهارة وحرفية. يقول كاتبنا السالم : “انغلقت السماء بغيوم داكنة ونزل المطر خفيفا ومتقطعا تخالطه أغصانٌ من بروق ضوئية سريعة ، فانتشر ظل رمادي سميك على السطح جعل من المرأة الحامل أن تُسارع بتجميع الثياب القليلة المنشورة على حبل الغسيل ، ومن حولها الكلب الأبيض يدور حول أرضية السطح .
الغراب مضموم الجناحين على السياج المثلوم ينظر إلى السماء ثم إلى الكلب ، فيما ظل الصقر ينظر إلى المرأة بعينين فاحصتين متضايقا من الوقت القصير الذي سينتهي ما أن يهطل المطر بغزارة .
تساءل الغراب : _ أراك قلقا سيدي الصقر.
قبل أن يحط ،كما رآه الغراب ، خطف برشاقة على رأس الحامل وخفقت أطراف ريشه على شعرها المنسرح على كتفيها ومسّ وجهها هواءٌ بارد فتبسّمت وهي ترفع يدها بقُبلة صغيرة طارت اليه مكوّرة من أصابعها الطويلة .” ص12
عدم المنطق والتغريب والتشكيك والتأويل بالنسبة للكاتب والقارىء ، فأنا كقارىء سأقوم بتأويل ما حصل بين المرأة والغراب والكلب وسأتوصل إلى أن السالم رمز لحياة ما في تلك البقعة من الكون بالمرأة الحامل المثقلى بحملها وبعملها الشاق نوعا ما ، بحركة الكلب على أرضية السطح ، بكلام الغراب ، بحركة الصقر الرشيقة وهي تبث بروح المرأة الحامل هواء منعشا ، وبالقبلة التي تهبها إياه من أصابعها الطويلة ، ونحن هنا لا بد لنا من أن نختصر فلا نريد أن ندخل القارئ معنا في تأويل سطور الرواية ونحن في الصفحات الأولى وألاّ لأخذت منا هذه الدراسة صفحات طويلة . يقص علينا السالم قصة الحب العجائبية التي تربط بطل الرواية سربست بمحبوبته نشتُمان والذي يعود متكبدا المخاطر للبحث عنها في ليلة ماطرة ” لكنه كان على يقين أن حلا ممكنا سيعيد إليه نشتُمان ، فتخاطرت الرؤى والأحلام والكوابيس تحت راية الحب العجائبي الذي يغمر روحه ويفيض عليه كلما تمر لحظة وتمضي ساعة وينتهي يوم وينطوي أسبوع بشعور ندم لا يفارقه ويقتص منه كل تلك الأوقات التي طوت أشهرا ثقيلة بكل فصولها المتعاقبة وألوانها التي مرت عليه في تلك العزلة “.
وما دمنا بدأنا بالتأويل وشرح وتبيان خطوط الرواية الرئيسية فنحن مطالبون بمعرفة مرتكزات ما بعد الحداثة ، وهي بشكل مختصر لا بد لها من : التقويض وفض الأيديولوجيات المختلفة ، التفكيك واللاانسجام ،التشكيك ،هيمنة الصورة كما عند جيل دولوز _ الأدراك، والصورة _الانفعال ، والصورة الفعل ، الغرابة والغموض والشذوذ، الانفتاح والتناص على كتابات أخرى، تحطيم الحدود بين الأجناس الأدبية ،أعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي ، التخلص من المعايير والقواعد .وقد حفلت الرواية بكل من هذه المرتكزات التي وسمت الرواية برواية أدب ما بعد الحداثي . وهنا سأدرج بعض المقاطع من الرواية مبينة بشكل ما تلك المرتكزات ” الرجال الأربعة المتشابهون في الزي الأسود توزعوا حول السيارة وأبعدوا الصّبية بأسواط طويلة ، فيما صعد أحدهم بلحية حمراء ووجه أسود مجدور إلى الحوض ، حيث فتيات الصّفّين العاريات ، وبيده عصا طويلة وأخرى تمسك رأس ميكرفون ، بينما تقسم ظهره بندقية كلاشنكوف نصف أخمص إلى قسمين متساويين …” ص 40
عيدو المجنون وتصرفاته غير المنضبطة والذي يغير من مزاج جمهرة الناس رغم الألم المر الذي يتعرضون له بالضحك أحيانا .
” يا ابن العذاب الطويل .. يا ويلك يا ذا الأسمين والمكانين والزمنين .. ماذا فعلوا ببنات التين والزيتون ..لعن الله كل شيء هنا ..أنت ملعون يا سربست ..أنت ملعون يا آزاد . كنت ابن الدين واليوم صرت ابن الخنزير “ص 62 الرواية كانت حافلة بالوثائق والأسماء الأيزيدية وكذلك لبعض من لغتهم ، الفرمانات التي كانت تصدرها دولة الخلافة المزعومة بحق هذه الطائفة التي قدر لها أن تستباح لمرات كثيرة ، السبي وحلاقة الرؤوس وتشويه الجمال قطع الأيدي واستباحة الطفولة والأعراض ، إصدار أحكام وقوانين جائرة تعود للقرون المنصرمة والتي بليت وأكل عليها الزمن وشرب ، تخريب البنى التحتية وتدمير التراث الحضاري والعمراني للمنطقة المستباحة ، فرض الإتاوات وإجبار الفتيات على التجرد من الملابس وعرضهن في سوق النخاسة ، والكثير الكثير الذي لا يستوعب ذكره ها هنا .
على غلاف الرواية الأخير كُتب ” هذه ملحمة أيزيدية شاءت أن تقف على مرحلة مهمة وحرجة من تاريخ الأيزيديين في العراق في زمن صعب من الأزمان التي مر بها الأيزيديون على مدار تاريخهم لتسجل داعش الاحتلال رقم 75  لهذه الطائفة المسالمة وتنتهك حرماتهم في أسوء احتلال عرفه التاريخ لتبيع نسائهم في أسواق النخاسة وتقتل رجالهم وأطفالهم تحت راية مشبوهة التي يرفعها المرتزقة باسم الإسلام .”
نكتفي بهذا القدر من الكتابة عن الرواية وقد بيّنا وجهة نظرنا بأدب ما بعد الحداثي وبالنموذج الذي اخترناه رواية ” عذراء سنجار ” ونترك للقارئ التمتع بقراءة هذه الملحمة الفريدة من نوعها.

شاهد أيضاً

عِبَادِ لا عَبْيد

خاص- ثقافات *عبدالجبار الرفاعي صورة الله في علم الكلام القديم، هي صورة السيد المخيف المرعب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *