الرئيسية / خبر رئيسي / رؤية الكاتب للعالم

رؤية الكاتب للعالم

خاص- ثقافات

*محمد الفخراني

برأيي أن علاقة الكاتب بالعالم هي ما يُحدِّد كل شيء في النهاية، والبداية أيضًا، فلو أن كاتبًا موهوبًا استطاع أن يخلق لنفسه علاقة مميزة مع العالم فإنه سيبدع أجمل كتابة ممكنة، “علاقة الكاتب بالعالم”، تلك العلاقة التي يعمل عليها الكاتب طوال الوقت، وفيها وبها يتفهَّمُ العالمَ ويصاحبه، قد يثور عليه ويغضب منه، من المهم أن يثور ويغضب، يضربه بالحائط ويرميه في البحر، لكنه وهو يفعل ذلك سيظلُّ مُحتفظًا بمحبته له، لن يطرده من قلبه أبدًا، هو يجعل من مفردات الكون أصدقاء وأحباء وأخوة له: المطر، البحر، الأشجار، الشوارع، الغزالات، الغابات، الصحراء، يخلق لنفسه مع كل شىء قصصًا وحكايات، واقعًا وخيالات وحوارات لا تنتهى، يحادثها ويلاعبها طوال الوقت، كى يكون قادرًا على الإحساس بها وسماعها وفهمها بسهولة، حتى لو تحدَّثَتْ كلها في وقت واحد، وكثيرًا ما تفعل ذلك.

 ومهما كان الكاتب موهوبًا، وليست له علاقة مميزة مع العالم ستظل روحه الإنسانية والإبداعية ناقصة، وبالتالى كل ما يكتبه سيفتقد لأهم وأجمل ما يحتاجه، حتى إن هذه الفكرة “العلاقة مع العالم” لا تتعلق فقط بالكتّاب، فأىّ إنسان عندما يصنع علاقته المميزة مع العالم سيكون “موهوب إنسانيًا”.

علاقة الكاتب بالعالم تحدّد شكل علاقته بمفردات الكون حوله، وطريقة تعامله معها وتعاملها معه، فكلها كائنات لها قلب وروح على طريقتها، وتستطيع أن تبادله الحب إذا أحبها بلا استثناء وبلا شرط، وضِمْن هذه العلاقة هناك طريقة استقبال الكاتب للعالم، فالكاتب سيُنتج العالم بالطريقة نفسها التى يستقبله بها.

هذه العلاقة تختار للكاتب لغته التى يكتب بها حتى وهو يُنوِّع عوالمه ولغته من عمل لآخر، ولا بد لهذا أن يحدث، ستختار له طريقة التفكير، ورؤيته للأفكار والمخلوقات من حوله، تمنحه إحساسه المختلف بكل نبضة في العالم، وفى كتابته، ستطلق في كتابته تلك الروح التى لا تتوقف عن الحياة والحب والمغامرة والابتكار والحرية.

كاتب يعمل طوال الوقت على تحسين علاقته بالعالم ومفرداته، سيعامله العالم بالمِثل ويعمل على تحسين علاقته به طوال الوقت، فيتبادلان الحب والأسرار، ويتواطأ العالم معه لأجله، كاتب يعمل طوال الوقت بكامل طاقته الإنسانية والإبداعية، فيحوّل مفردات العالم إلى كتابة، ويحوّل مفردات الكتابة إلى عالم.

يفاجئنا العالم دومًا، وتفاجئنا الكتابة، عندما تفكر بأنك ستكتب عن، أو فى، أو شىء ما، تفاجئك الكتابة باقتراح جديد تحبه، أفكر أن الكاتب أيضًا يمكنه أن  يُفاجئ الكتابة بشىء لا تتوقعه منه، فبينما تتوقعه هى في مكان ما، يُلقى هو بنفسه إلى مكان لم يخطر على بالها، ولا باله، مكان أبعد من المجهول، أبعد من المتوقع.

أفكر أن هناك دومًا فرصة للعثور على طريق جديدة، فكرة جديدة، وأسلوب جديد للكتابة، لست مع ما يقال من أن كل الأفكار قد كُتِبَتْ، وكل الطرق تم اكتشافها، والمشى فيها، هذا الكلام لا يرقى ليكون فكرة، هى مجرد مقولة ضمن مقولات أخرى قديمة يتم تداولها أو تناقلها، رغم أنها رديئة، ومُحْبِطة، أقول بالعكس، هناك جديد دومًا، وإلا فأين المتعة في الكتابة؟ ولماذا نكتب؟ ولماذا العالم مستمر بالأساس حتى الآن؟ انظر كم هى جملة مُعتمة وغير ذكية: “لا جديد تحت الشمس”، يا للملل، والركود، جملة ليس بها أيَّة علامة على الذكاء أو الحياة، لو أن الأمر كذلك فلماذا تظهر الشمس بالأساس، ولماذا لا يموت العالم؟ يتم تداول تلك الجملة رغم أن عكسها حاضر بقوة، بمجرد النظر يمكنك أن ترى وتعرف أن جديدًا يحدث كل يوم، كل لحظة وفى كل مكان، فكيف نقول أن لا جديد في شىء يبحث دومًا عن الجديد، الاكتشاف، والابتكار، أقصد هنا: الكتابة.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *