الرئيسية / إضاءات / فصول من كتاب “الثقافة” للكاتب والمنظّر الأدبي البريطاني تيري إيغلتون(4)

فصول من كتاب “الثقافة” للكاتب والمنظّر الأدبي البريطاني تيري إيغلتون(4)

*ترجمة وتقديم :  لطفيّة الدليمي

 

   ظلّت مفردة ( الثقافة ) واحدة من أكثر المفردات إشكالية على صعيد المفهوم والتطبيقات ، كما ظلّت الدراسات الثقافية – التي تعدُّ حقلاً معرفياً تتداخل فيه الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا وتأريخ الأفكار واللغويات والفلكلور والسياسات الحكومية المؤسساتية – ميدان تجاذب لم يخفت صدى المعارك الفكرية المحتدمة فيه وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وحيث باتت الثقافة وسيلة من وسائل القوة الناعمة في الحرب الباردة ثمّ إنقلبت سلاحاً من أسلحة العولمة التي تسعى لتوسيع نطاق الرأسماليات الرمزية المدعمة بمصنّعات مادية تُعلي شأن الإقتصاديات المتفوقة وترسّخ سطوتها على الساحة العالمية .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام أخرى ستُنشرُ تباعاً ) ترجمة لفصول منتخبة من كتاب ( الثقافة Culture ) المنشور عن جامعة ييل الامريكية العريقة عام 2016 للكاتب البريطانيّ الذائع الصيت ( تيري إيغلتون Terry Eagleton ) ، وهو ناقد ومنظّر أدبيّ وباحث في حقل الدراسات الثقافية وسياسات الثقافة . نشر إيغلتون العديد من الكتب وقد تُرجم بعضها إلى العربية ( ومنها مذكّراته التي نشرتها دار المدى بعنوان ” حارس البوّابة ” عام 2015 . تجب الإشارة هنا أنّ كتاب ( الثقافة ) هو كتاب مستقلّ ومتميّز عن كتابٍ آخر نشره إيغلتون من قبلُ بعنوان ( فكرة الثقافة ) وهو مترجم إلى العربية .

                                                         المترجمة

                      الثقافة والحضارة – تتمّة

 

   هي الحضارة الصناعية ، إذن ، التي ساعدت على بلورة وولادة مفهوم الثقافة : لم تصبح مفردة ” الثقافة ” واسعة الإستخدام حتى القرن التاسع عشر ؛ إذ كلّما بدت التجربة اليومية فاقدة للروح ومُفْقَرة أكثر من السابق كان مثال الثقافة يلقى دفعة إرتقائية أعظم على سبيل معاكسة الإفقار الروحيّ السائد ، وكلّما توغّلت الحضارة في نزوعها المادي أكثر من ذي قبلً كانت الثقافة تُبدي نزوعا مقابلاً أكثر ترفّعاً عن الإهتمامات الدنيوية . إندفع مواطنو الطبقة الوسطى في برلين وفيينّا لتحقيق حلم المجتمع العضويّ غير الملوّث وعلى مثال المجتمع اليونانيّ القديم ، وبدت الثقافة والحضارة آنذاك ( أي خلال عصر الثورة الصناعية ، المترجمة ) على تنازعٍ وخلاف ؛ إذ كانت الثقافة أقرب ماتكون لمفهوم رومانتيكيّ في حين أنّ الحضارة غدت مفهوماً يُحكى عنه في سياق مفردات لغة عصر التنوير .

   لكن برغم كلّ ماسبق فإنّ الحضارة ليست الأطروحة المضادة الوحيدة للثقافة . ثمة إستقطاب متداخل بين مفهومَي الثقافة والبربرية barbarism : إنّ هذين المفهومين المتضادّين في واقع الحال ينتهيان  – بالنسبة لبعض المفكّرين – ليكونا الشيء ذاته في قليل أو كثير . هل يعني هذا أنّ الكثير ممّا نحتاجه لبلوغ مرحلة الوجود المتحضّر هو بربريّ بطبيعته ؟ ثمة بالتأكيد من يؤمن بهذا الأمر . إذا كانت الفنون – إلى جانب القيم والحقائق الروحية – تمثّل أرقى تمظهرات الرقيّ في العيش البشريّ فسيكون وجودنا البشريّ هذا وتبعاً لهذه الرؤية غير إنسانيّ على الإطلاق ، ومع أنّ الثقافة – بهذا السياق من المعنى – تفيد بأن تكون توبيخاً بالضدّ من مثالب الحياة اليومية فإنّها ( أي الثقافة ) بمعنى الممارسة الرمزية مندغمةٌ في كلّ تفاصيل الحياة البشرية اليومية : أنت لاتستطيع إدارة حقل لتربية الحيوان أو معسكر للجيش من غير ثقافة مرجعية ما ، وبالطبع لن تتحقّق هذه الثقافة عبر إذاعة موسيقى  ماهلر Mahler السمفونية في حظائر الحيوانات أو من خلال توزيع نسخٍ من مجلّدات ديدرو Dedirot الموسوعيّة على المراتب المختلفة لمنتسبي الجيش ؛ بل من خلال التعامل مع أنساق القيم والدلالات ذات المغزى ، وعلى هذه الشاكلة يمكن أن ترى الثقافة قطاعاً ذا خصوصية مميزة في جسم الحضارة ، من الفِرَق التي تستخدم الآلات النحاسية ورياض الأطفال حتى عروض الأزياء والأبنية البازيليكية* ، وهذه التمظهرات كلّها تؤشّر بُعداً رمزياً في المجتمع كوحدة كلية ، وتتخلّل هذه التمظهرات كلّ تفاصيل المجتمع مثل كائن علويّ كليّ القدرة والمعرفة . ليس ثمة فعالية بشرية يمكن أن توجد بصورة متمايزة عن تفاصيل محدّدة في التمظهرات والقيم ؛ وعلى الرغم من أنّ الفنّ قد يجد نفسه على شيء من الشذوذ ازاء السلوك الواجب تجاه المؤسّسات الإجتماعية فهو مؤسّسة إجتماعية قائمة بذاتها ولايستطيع مواصلة البقاء والإستمرارية إلا بمعونة مؤسّسات إجتماعية أخرى . لو أردتَ – مثلاً – خلق رواية ( ورقيّة ، المترجمة )  فإنك ستكون في حاجة ماسّة لمكائن تصنيع الورق ولمكائن الطباعة . إذن ، الحضارة هي الشرط المسبّق للثقافة : في كتابه المعنون ( في تكوين الكنيسة والدولة On the Constitution of Church and state ) يتحدّث صامويل تايلور كولريدج Samuel Taylor Coleridge عن الثقافة في سياق الرّفعة الأخلاقية وباعتبارها أمراً جوهرياً أكثر أهمية من الحضارة ؛ لكنّ الحقيقة هي أنّ الثقافة منتج تخلقه الحضارة ذاتها التي تسعى الثقافة لخلع بعض قواعد المتانة الروحية عليها .

   قد يبدو أنّ الثقافة موضوعة تختصّ بالقيم بينما الحضارة موضوعة تختصّ بالحقائق المتجسّدة على الأرض ؛ لكن برغم هذا فإنّ كلاً من المصطلحين يمكن أن يُستخدم بطريقة عُرفيّة وتوصيفيّة في الوقت ذاته . إنّ مفردة ” كليّة ” الواردة في عبارة ( طريقة كليّة للحياة ) يمكن أن تعني من الناحية التوصيفية ” جميع ” ؛ لكنّها قد تعني أيضاً ومن الناحية العُرفية ” مُوَحّد ، أو تكاملي ، أو من غير نقصان ” ، وعندما حاول أنثروبولوجيّ القرن التاسع عشر إدوارد برنيت تايلور Edward Burnett Tylor تعريف الحضارة والثقافة كليهما معاً  باعتبارهما ( المركّب المعقّد الذي يحتوي المعرفة ، والمعتقدات ، والفنّ ، والأخلاق ، والقانون ، والعادات ، وكلّ العادات والقدرات الأخرى المُتاحة التي يكتسبها الفرد كعضوٍ في المجتمع ) فهو هنا يتحدّث بطريقة توصيفيّة ( 6 ) ؛ أما عندما يصرّحُ شاعر القرن التاسع عشر هنري جيمس باي Henry James Pye في قصيدته ( إرتقاء الكياسة ) بأنّ ( الأفريقيّ الأسود لايعزّز إرتقاء أيّة ثقافة … ) فهو هنا يقصد من عبارته هذه أن تنطوي على نبرة تقييمية ؛ فهو يعني أنّ الأفارقة لديهم ثقافة في السياق الذي يفيد بكونها شكلاً من أشكال الحياة لكنّما ليس بالمعنى الذي يفيد إعتبارها نمطاً من أنماط العيش الرفيع : هم – أي الأفارقة – لهم طريقتهم في الحياة لكنّها مفتقدة إلى القيمة . عندما سُئل المهاتما غاندي عن رأيه بشأن الحضارة البريطانية أجاب بتلك الإجابة التي تشي بهزئه الأسطوري : ” أرى أنّها فكرة طيّبة ” ، وهو هنا ينعطفُ إنعطافة مريرة من الحضارة باعتبارها حقائق على الأرض إلى الحضارة باعتبارها أنساقاً قيميّة : فمن جانب لن يكون سلوكاً متحضّراً الركون إلى التعذيب ؛ ولكن من جانب آخر ثمة العديد من الحضارات التي تورّطت في إستخدام صنوف التعذيب الرهيبة ، ومن الغريب حقاً أنّ الناس المتحضَرين وحدهم هم من يجرؤ على وضع أصابع الديناميت المتفجّرة في ملاعب الأطفال ! .

   إنّ عمل تي. إس. إليوت ( الذي سنناقشُ رؤاه بشأن الثقافة في فصول أخرى من هذا الكتاب ) هو مثال طيّب لمثل هذه الإلتباسات الإشكاليّة . يستخدم إليوت مفردة ( الثقافة ) أحياناً بطريقة توصيفية تعني ( طريقة الحياة لجماعة محدّدة تعيش معاً في مكان واحد بعينه ) ( 7 ) ، وليس هذا التعريف للثقافة بالطبع أفضل التعريفات المتاحة وأكثرها فطنة ومقبولية طالما أنّ الثقافة البريطانية – على سبيل المثال – تضمّ تحت مظلّتها في عالمنا المعاصر جماعات عديدة تتّبع أنماط عيش مختلفة في المكان ذاته ( أي بريطانيا ، المترجمة ) مثلما تضمّ أيضاً أساليب الحياة لبعض البريطانيين الذين يعيشون خارج بريطانيا ؛ لكنّ صياغة إليوت لمفهوم الثقافة تتقاطع تقاطعاً صارخاً مع إستخدامه العُرفي ( المعياريّ ) للمفردة عندما يتحدّث عن الثقافة ( ذلك المعطى الذي يجعل الحياة مستحقّة للعيش ) ( 8 ) . الثقافة بحسب رؤية إليوت هي أمرٌ يختصُّ بالعادات ، والدين ، والفنّ والأفكار ، وهي الشيء ( الذي يجعل أيّ مجتمعٍ مجتمعاً بحقّ ) والذي ينبغي بكلّ تأكيد أن يشتمل على ماهو أكثر من الكنائس الصغيرة وقاعات الكونشرتو ( 9 ) ، ولكي يضاعف إليوت من حجم الحيرة التي يستشعرها القارئ في مفهومه عن الثقافة يمضي أيضاً في الكتابة عن مستقبلٍ ( يمكن القول بإحتمال أن تنعدم الثقافة فيه ) ( 10 ) ، وهذا أمرٌ ليس من السهل أبداً فهمه في سياق تناغم كامل مع الإستخدام الانثروبولوجيّ لمفردة ( الثقافة ) والذي يعنيه إليوت في كتاباته السائدة ؛ فقد يستطيع المرء تخيّل مجتمعٍ من غير فنون وأديان ، أو مجتمعٍ ليست الحياة فيه بمستحقّة للعيش ؛ لكن موضوعة أن تغدو ( طريقة الحياة ) ذاتها مفتقدة لطريقة الحياة ( أي للثقافة ) فتلك مسألة عسيرة ومتناقضة مع أصل فكرة إليوت عن الثقافة .

 * نوع معماري مميز من الأبنية ، وبخاصة الأبنية الكنسية ، تكون في العادة مستطيلة الشكل ، وتُنشأ على صحن مركزي مع ممرّات جانبية ، وثمة في العادة منصات جانبية عالية تنتهي بجزء ناتئ مزخرف نصف دائري على كلا جانبي المبنى أو في جانب واحد منه ، ويعدّ هذا الطراز المعماريّ هو طراز الكنائس الذي ساد في أوربا وأمريكا لكنّه تضاءل في القرن العشرين . ( المترجمة )

___________
*المدى

 

 

شاهد أيضاً

نفحات من كتاب “جوهر الحياة” للنيّل أبو قرون: الدين دعوة أخلاقية لإصلاح المجتمع وليس لإقامة دولة سياسية

  خاص- ثقافات محمد أمين أبو العواتك*   نواصل المسير في رحلة الاستنارة إلى جمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *