الرئيسية / خبر رئيسي / عرض أزياء

عرض أزياء

خاص- ثقافات

*محمود شقير

       لم نفطن إلى أن مثل هذه الفرصة النادرة قد تقع، وإلا لما ابتعدنا عن المكان الذي سيقمن فيه بعرض للأزياء، فقد كنا نعرف أنهن جئن خصيصاً لكي يتحفننا بأجمل الفساتين التي تصممها تلك البلاد البعيدة، وكنا نعرف من النظرة المتفرسة الأولى أن هذا الحشد من النساء فارعات الطول، ممشوقات الأجساد لا يمكن أن يحترف سوى هذا النمط من الإغراء.

       كنا قد هيأنا أنفسنا لرؤيتهن مراراً، وهن يدخلن علينا قاعة العرض كل فينة وأخرى بزي فاضح جديد، فنحن – والحق يقال – نحب الأزياء الفاضحة على أجساد النساء، وكنا كذلك قد وطّدنا العزم على دعوتهن كلهن، الثلاث عشرة امرأة، إلى حفل عشاء نقيمه لهن في الجناح المخصص لنا في الفندق الكبير الذي ابتنيناه بكدنا وجهدنا، فجعلناه مفخرة لنا وللبلد في عالم السياحة المتطورة، وجعلنا فيه من أجل راحة الزبائن، كل ما استحدثه الغرب من تقنيات يصعب الآن الحديث عنها ونحن نشعر بالخيبة المريرة، لأن تلك الفرصة النادرة قد وقعت ونحن مشغولون – إثر مكالمة هاتفية طارئة – بمتابعة صفقة تجارية كبيرة في إحدى العواصم النائية، فلما انتهينا من ترتيب كل ما يتعلق بالصفقة من اجراءات، قررنا النزول من جناحنا المريح في الفندق، ونحن نرمق ملابسنا الأنيقة بإعجاب، ونشعر في دواخلنا أننا ذخر لهذه الأمة، ونستغرب في الوقت نفسه كيف لم يقم أحد حتى الآن بالدعوة إلى إطلاق أسمائنا  – ونحن أحياء- على أجمل شوارع المدينة، أو اتخاذ قرار مسبق بإقامة التماثيل لنا بعد أن يتوفانا الله!

       حينما نزلنا إلى صالة الفندق، واتجهنا إلى القاعة الكبرى التي منحناها اسماً تراثياً لائقاً، كانت الفرصة النادرة قد وقعت قبل لحظات، وفاتنا التمتع بها مثل الآخرين الذين كانوا يجلسون دون انتباه في الردهة المخصصة لاحتساء قهوة المساء، التي تقع لصق القاعة الكبرى ذات النوافذ الداخلية المصممة على النسق العربي الأصيل بزخارفه ونمنماته. لم نفطن ونحن نشرف بأنفسنا على تنظيم القاعة لغايات عرض الأزياء، أن ثمة نافذة بدون ستائر – فهذا هو الأصل في مثل هذا النمط من القاعات – تقع بين الردهة وبين المساحة الخلفية التي جعلنا بينها وبين القاعة الكبرى فاصلاً سميكاً من مخمل أخضر، لكي تختفي النساء خلفه كل فينة وأخرى لتبديل الأزياء، والدخول بعد ذلك إلى القاعة للتخطر أمام الزبائن المتدلهين شوقاً وحرقة، ولقد كبرت غصتنا حينما علمنا بتلك الفرصة النادرة لأننا – والحق يقال – نحب استراق النظر بالمجان إلى النساء وهن يخلعن ملابسهن دون تكلف أو افتعال.

       حدث الأمر على النحو التالي كما قيل لنا فيما بعد: إذ حينما كان رواد الردهة منهمكين في احتساء القهوة التركية، رفع أحدهم رأسه صدفة وحدق عبر النافذة نحو الجهة المحاذية للردهة من القاعة الكبرى، ليرى حشداً من النساء يتعرين بكل سلاسة ويسر، فندّت عنه آهة مكتومة انتبه إليها الآخرون، فنهضوا فوراً وتجمعوا على النافذة دون أن تفطن إليهم النساء، إلا بعد جولتين أو ثلاث من جولات الخلع والارتداء، فلما أبصرنهم شكون الأمر إلى مدير القاعة الكبرى، فأصدر أمراً فورياً بتغطية فضاء النافذة بكتلة سوداء من القماش، كي لا تتحرج النساء العارضات.

       يجري كل هذا ونحن بعيدون تماماً، وثمة من يتهمنا بعد ذلك كله بأننا سادرون في غيّنا، متخمون حتى الثمالة، ولا نقدم أية تضحيات!
_______

*روائي وقاص فلسطيني.
من مجموعته “صمت النوافذ”/قصص قصيرة جداً/ منشورات الأهالي/ دمشق/ 1991

شاهد أيضاً

في مديح الضجيج

*محمد إسماعيل زاهر ارتبط الضجيج دائماً بالإزعاج وبالأصوات الزاعقة، ومدافع الحرب وهدير آلات المدن الصناعية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *