الرئيسية / خبر رئيسي / لا بدّ من قفلة مناسبة
1212

لا بدّ من قفلة مناسبة

خاص- ثقافات

 * مصطفى ملح 

    انتصر الفتى على الخصم الشّرّير. هل انتهت القصّة أخيرا؟ لا بدّ من ”قفلة مناسبة“. الفعل الثّلاثي اللاّزم قفل، بمعنى رجع. لا يتعذّر على مبتدئ مثلي أن يشتقّ منه اسما ثلاثيا لاميّ العين متّصلا بتاء التّأنيث. ”القفلة“. وهل القفلة هي رجوع بمعنى ما؟ رجوع إلى أرض الواقع بعد تيه يطول ويقصر في خيال القارئ.

    لا بأس، لنصنع القفلة المناسبة. لكن ما بال الحروف تُغيّر مواقعها؟ فتكون المحصّلة ”فلقة!“. أفّ.. أيتبعني الفقيه إلى النّصّ؟ أما كفاه الكتّاب والصّلصال واللّوح وقصار السّور؟ لا بدّ من إجراءٍ فوريّ لإرباك هذا العصيان الذي تقوم به الحروف.

    وتلعثمتُ في التّلاوة، وصاح الشّيخ: ”يا ابن الكلب!“. وأمر اثنين من الأطفال، بدينَيْن قاسيين. ولم أستطع المقاومة. أمّي، أمّي، ربّي. ما من أحد يسمع أحدا. وقُيّدتُ إلى عمود، وأدخل البدينان رجليّ عبر فجوة وربطاهما بحبل غليظ، وبسمل الشّيخ وتعوّد وقال: ”اتركوا لي الجرو القذر بن الكلب!“. ونزلت العصا، وسال عرق الشّيخ، وأحسستُ بالألم، وكبر الألم. أمّي، أبي، ربّي. وصرتُ لا أحسّ بالألم. وأُغمي عليّ. ورشّ البدينان الماء. وقامت الجثّة تاركة عرقا ودما فوق الحصير.

    أين سقطت ”القاف“ اللّعينة؟ أيمكن أن يتمّ التّكوين في ورشة الخلق باسم ثنائي؟ لنجرّب.. وليكن فائيّ العين. ”لفّة“. لَفَّ، يَلُفُّ. ها أنا أدور باحثا عن مخرج. أعرف جيّدا أنّ الفتى صرع خصمه الشّرّير، لكنّ فخّا جديدا ينصبه السّيّاق الماكر. سأجعل اللاّم والفاء تتبادلان الأدوار. طيّب. ”فلّة“. هذا أفضل. ما رأيك يا قاموس المعاني؟ سأكون القاموس المغرور وأُفتي: وردة أنثى. لكنّ ابنتي تصرّ أنّها اسم علم مؤنّث. ألا تتفرّج على الرّسوم المتحرّكة؟

    والوردة تشبه المسدّس. لها فوهة مثل فوهته. والوردة قتلت ”الخدير“. الفتاة المدلّعة بنت عامل المطحنة. لم تكن بنت مدرسة. كبر ثدياها واحمر خدّاها وسافرت خصلاتها عبر هواء القرية. قال ”الخدير“. البنت لا غيرها. قال أبوها. البنت طفلة. قالت أمّها. ”الخدير“ نصف رجل. قالت أمّ ”الخدير“. ”الخدير“ رجل. وأصرّ الفتى على تغيير مجرى الأشياء. في تلك الصّبيحة اعترض سبيلها. قدّم لها الوردة. كانت ”فلّة“. داستها كما لو كانت جحشا يدوس على عشبة. قال عيب. قالت ابتعد عن طريقي أيّها الكلب!. ”الفلّة“ صارت رميما. قلبه صار رميما. تزوّجت البنت. جُنَبّ ”الخدير“. ألقى بنفسه في البئر. مات.

    فلّة أو لفّة لا فرق، فكلتاهما سيّان. الأولى مدوّخة بعطرها والثّاني مدوّخة بذاتها. وماذا تبقّى؟ سأحذف ”اللاّم“ وليكن الله في عوني. حصلت على ”قفّة“. لا أصدّق، ما حاجة خيالي لقفّة؟ الخُضار والفواكه في الدّكاكين أو الحقول، وخيالي يحتاج ليد صديقة تفكّ أزرار الفخّ الفولاذيّة. الشّرّير في النّصّ، الذي صرعه الفتى الطّيّب، مرمي في هامش الورقة. أليس نشازا؟ بلا.. سأضعه إذن في القفّة وأرميه خارج النّصّ. أنفض يدي وأمسح الغبار وأواصل التّفكير في ”قفلة“ مناسبة.

    ”الخدير“ يرحمه الله. تمتم الرّجال واستغفروا له. وأبوه لا عمل له. الشّجار مشتعل في البيت. زوجته تعاتبه: ”احمل القفّة مثل أسيادك.. كيف نعيش؟ لا دقيق لا زيت..“. ”اخرسي أيّتها العاهرة!“. ”وتفتح فمك أيّها الخنزير!“. ”لعنة الله عليكِ أيّتها المسخ!“. ”تترك المطحنة وتجلس في البيت كامرأة عجوز.. لست رجلا، ومتى كنت رجلا؟!“ وتشتعل النّار لتأكل اليابس والأخضر. والقفّة فارغة في الكوخ. وزوجته تخرج إلى مكان غير معروف. وتشتعل النّار. والقفّة فارغة. والزّوجة تلوّن وجهها وتذهب إلى مكان غير معروف. والكهل يضربها بالرّفش وقضبان الشّواء الحديديّة والعصيّ. والمرأة تحمل رزمة من الأسمال وتبصق فوق العتبة وتذهب إلى مكان بعيد ولا تعود. والقفّة فارغة في الرّكن. والكهل يتلوّى كمحرّك مطحنة الدّوّار، يصرخ كالجمل. يخرج. تصدمه شاحنة. يموت.

    النّصّ يتثاءب. الشّخوص غاضبة. لا بدّ من الإسراع نحو برّ أمان. أجرّب المزج بين القاف واللاّم. وما ”القلّة؟“. ما حاجة نصّ إلى إناء من الخزف؟ هل أربّي الحمام؟ هل أجعله خليّة للنّحل؟

    لا أحبّ القلّة. ممدّد على الفراش. أمّي تدلك خدّي بيديها النّاعمتين. المرهم الأبيض ذو رائحة النّعناع يسري في الباطن. الورم يتغطّى بالمرهم. قالت: ”حذّرتك من الابتعاد عن قلّة النّحل؟ انظر ماذا صنعت بك هذه اللّسعات؟“.

    وأجرّب الخياراتِ جميعا. والوقت يمضي ولا بدّ من إنهاء القصّة. وأحذف ”عين“ الكلمة و”لامها“ لأحصّل عل حرف واحد ”ق“. وتذكّرت أنّها سورة قرآنيّة حافلة بالوعيد والتّهديد ومشاهد القيامة. وتذكّرت القرآن، وتذكّرت الفقيه والولدين البدينين والفلقة، فأجفلتُ وابتعدتُ، وقرّرتُ ألاّ أُبقي ”القاف“ بمفرده..

    أكاد لا أصدّق، الفتى الطّيّب تحمرّ وجنتاه، يتقدّم نحوي، يخنقني. الشّرّير يقوم من موته، الجمل، الاسميّة والفعليّة، تتحلّل، تتعفّن، الرّائحة تزكم الأنف، أخلّص جسدي من الفتى والرّائحة والجمل، وأخرج.

    في المنطقة المحايدة، هناك تحت الشّمس، حملت ”القفّة“ وصنعت ”لفّة“ سريعة وانحرفت نحو البستان وقطفت ”فلّة“ وعدت إلى الورقة لأضع ”القفلة“..

_____

كاتب من المغرب

 

شاهد أيضاً

355

الرواية.. تنحت وترى وتسمع

*محمد الأسعد في مقالة للكاتبة والقاصة الأمريكية «فلنري أوكنر» (1925-1964)، ضمن مجموعة مقالات تحمل عنوان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *