الرئيسية / مقالات / آزاد إسكندر يُمتحف آثار الحرب في خطفات (هايكو
محمد العباس

آزاد إسكندر يُمتحف آثار الحرب في خطفات (هايكو

*محمد العباس

يصعب تصور الحرب والهايكو على أريكة واحدة، كما تقول إنعام كجة جي، في مقدمتها التي تشبهها بالانحناءة اليابانية، إعجاباً بالكتاب الشعري (هايكو الحرب – آثار الرصاص من أنحاء العالم).
فالحرب هي المعادل للدمار والخراب النفسي والمادي، أما الهايكو برأيها فهو (شعر يتخلى عن الثرثرات ويضبط نوازع البشر على إيقاع الفصول). وشاعر الهايكو (يحرص على الإشارة إلى الموسم لكي يحدد الفصل الذي يحتضن الومضة، فهو أخضر مثل الربيع، أو أبيض مثل سهوب الثلج)، إنه شعر طمأنينة وهدوء، معني برصد رقرقة نهر، أو قفزة سنجاب، إلا أن آزاد سكندر أجلسهما معاً – أي الحرب والهايكو – بخطأ مقصود في العنوان لتفجير المفارقة، أو بانحراف متعمد، كما يفترض الشعر، حسب غاستون باشلار، وذلك في كتابه الشعري الصادر حديثاً عن دار فضاءات، حيث جمع وترجم مجموعة من النصوص المنشحنة بالحسّ الإنساني المضادة للحرب من جميع أنحاء العالم.
الكتاب الذي يُمتحف فيه آزاد إسكندر الأوجاع البشرية في خطفات هايكو هو بمثابة (ثأر شخصي صغير من الحروب ومقترفيها)، فقد غيرت الحرب حياته مرتين، ونفته مرتين، كما جاء في مقدمته (مرةً إلى بلادي الأم، ومرة منها، مرةً طفلاً، ومرةً شاباًّ)، حيث جمع القصائد خلال عامين، مؤكداً على أن يُبقي (على أرقها وأقربها إلى روح الهايكو، وأكثرها تعبيراً عن فجائع الحروب، بعض شعراء هذه القصائد محترفون، وبعضهم الآخر هواة، منهم الجندي والمحارب القديم، ومنهم الضحية والقتيل حيًّا)، كما حاول أن يجمع أضمومته الشعرية من أقطار الأرض، خصوصاً تلك التي نالت النصيب الأكبر من ويلاتها، ثم من البلاد الناطقة بالإنكليزية، وهو اضطرار حتمته الترجمة، على اعتبار أن الهايكو لم يعد منتجاً شعرياً يابانياً فقط بل صار أداة تعبير عالمية.
النصوص بقدر ما تزدحم بمفردات الحرب والطائرات والألغام والأسلاك الشائكة والدبابات والمخيمات والتوابيت، تسترخي على ظلال الكلمات المطعونة بآثار الحرب كالأطفال والأشجار والأمطار والأمهات والدمى والطيور، وكأنها ترصد الآثار المدمرة للحروب على كافة أوجه الحياة، حيث يكتفي نص «زاوي» بترديد كلمة الحُبّ لصد وحشية الحرب بشكل مرآوي «الحب والحرب، الحب والحرب، الحب والحرب، الحب والحرب، الحب والحرب، الحب و»، بمعنى أن مختاراته الشعرية لا تراهن على أثر وحشية الموت والدم والمدافع والقنابل، بل على آثار ما بعد الحرب، أي جماليات الخراب والرعب، ففي كل نص تتعادل أدوات القتل مع الرغبة العنيدة للحياة، كما يتضح هذا التوازن المرعب في نص ج. كات الذي يقول «صفارةُ إنذار/ الناس يهربون إلى الملاجئ/ الطيور إلى السماء».
إنها نصوص منذورة للاحتفاء بحياة ممكنة في ظل الآلة الفتاكة، حيث يحدّق الشعراء في لقطات تفصيلية ملهمة، تؤكد على رهافة هذا النوع من الشعر، كما في نص صربا ميتروفيتش المؤكد بدوره على خرس الآلة وحيوية المخلوقات (تائهةٌ/ نحلة صغيرة تحط على/ فوهة مدفع)، المعنى ذاته يتكرر عند باتريسيا دونيكان في نص «بين انفجار وانفجار/ في كابول/ أصوات الصراصير)، وأيضاً عند رودي روبيك في نص «غريدٌ/ يصنع عشًا دافئاً/ في الخوذة القديمة»، وكذلك عند علم الدين قادريتش في نص «هجومٌ بري/ الزهرة البرية/ في مكانها»، وعند زينوفي فايمان في نص «إلى الأمام، إلى الأمام، لا تتوقفوا/ دبابتي تكسر ثانية/ جذع شجرة مكسور»، وأيضاً عند إيلجيا براتيتش «بقرةٌ وحيدة/ تحاول أن تدخل/ الحظيرة المهدمة»، وعند روبرت ويلسون في نص «الذبابة/ على سلاح الجندي/ محتارة». وإذا كان للمحاربين أدواتهم وطقوسهم في القتل فإن للأطفال طريقتهم في التعبير عن رفض الحرب، فهم أبطال هذه النصوص، كما يتضح ذلك المنحى في متوالية من النصوص عند ناعومي مثلا في نص «باحثاً عن/ قصائد مناهضة للحرب/ أعثر على طفلين يلعبان»، وعند ندى سابادي في نص «طفلٌ لاجئ/ يعلم الطيران لطير صغير/ سقط من عشه»، أو عندما يكتب دوميترو د. إيفريم نص (حقلٌ مليءٌ بالألغام/ طفل يركض/ خلف فراشاته) وتصف كارول ريسفيلد في نصّها «أخبار الحرب/ آخذ أطفالي إلى المدرسة/ بسيارتي الهمر»، وعندما يتفجع داينيوس ديرجيلا بقوله «يقول: كفك/ وابتسامته تملأ وجهه/ طفلٌ بلا ذراعين»، أو يتوجس سفيتومير دوربابيك في نصّه «ملجأ معتم/ أدوس على/ دمية لطفل»، حيث يلاحظ دائماً اقتران الأطفال بألعابهم ودُماهم، كما يمفصل ذلك فلاديمير ديفيد في نصّه «بُركةُ دماءٍ شحيحة/ قتيلتان في القصف: الطفلة الصغيرة ودميتها الضخمة».
هذه الانتقاءات تعني أن آزاد اسكندر يمتلك مجسّه الخاص في التقاط ما لا تقوله نشرات الأخبار عن الحرب، إذ تتأكد قدرته على أداء الغوصات الحسّية الواعية في ثنايا النصوص التي تعيد ترتيب المواضعات الجمالية، حيث الطفولة هي العنوان الأبرز لمقتلة الحرب، وهذه هي مهمة نصوص الهايكو هنا، أي تبديد الظلال الكثيفة التي تغطي مأساة الأطفال المطعونين بالحرب، كما يتأكد ذلك المنحى بنوبة أخرى من النصوص الجارحة، عند ألان سمرز مثلاً في نص «رجال على عكازات/ يبنون ميتماً جديداً/ لأطفال بندوب»، وكذلك تشين – أوي ليو في نص «قطرات ندى ربيعية/ تعلقت بورقة عشب – أطفال العراق»، وأيضاً عند أندريا كيتشون في نص «ألعاب نارية/ الطفل اللاجئ/ يسد أذنيه»، وعند نيكولاس فيرجيليو في نص «في أيل الغابات/ شمعة وحيدة تضيء/ وجهَ الطفل المرعوب»، أو سيرجي تومي في نص «طائرة ورقية/ فوق مخيم لاجئين/ وأطفال متربين».
ليس الأطفال فقط هم من يحضرون في هذه النصوص لترقيقها وتفضيح ويلات الحرب بل تُستدعى الورود والحمام والطيور والسماء وشواهد القبور، كما تُستحضر مخلفات الحرب بسخرية مرّة، كما يبدو ذلك عند أناتولي كدرايافيتسكي في نص «متحفٌ حربي/ قناعان كيماويان/ يحدقان ببعضهما، أو تأمل لحظة ما بعد الحرب عند سيلفيا فورجيس حيث شاهدة القبر الناطقة بخرسها «شاهد قبر لجندي/ بين تاريخٍ وآخر/ يا له من خط قصير»، وكذلك عند مفترق الحواس المرتبكة بفعل الدمار عند أسماء. أ في نص «حصيلة الحرب/ لا يقوى على التمتع بالأخضر/ عيناه اعتادتا على الأحمر».
في النصوص تتعدّد الأصوات وتتنوع زوايا الرؤية، فمرة يتحدث الجندي عند نيدليجكو بوبان في نص «آخذ قنبلة يدوية/ أعيدها إلى الصندوق/ آخذها ثانية)، وتارة توصي الأم عند إيرنيست بيري في نص «ذاهب إلى الحرب/ وصية أمي/ كن طيباً». وغالباً يتكلم الشاعر، كما يحدث عند باتريك فيتو في نص «أيها المحارب القديم/ هل أنت سكران بالنبيذ الرديء/ أم بالذكريات؟»، وغيرها من الإدانات اللفظية الصريحة، أو تلك المضمرة كإشارات توبيخية للمحاربين، المثقلة بحمولات الإدانة للحرب، فهي نصوص مضادة لروايات المنتصرين ولما تضج به نشرات الأخبار من زيف، كما يعبر عن ذلك فضول شاعر الهايكو هوشيناكا فوميو في نص «شجرة الربيع/ أتسلقها حتى/ أرى الحرب».
وعلى الرغم من كون النصوص منتخبة لشعراء من كل أنحاء العالم، إلا أنها توحي بأن إحساساً شعرياً واحداً هو الذي أنتجها، هو الشعور الإنساني، من خلال مشتركات حسّية وتعبيرية على كل المستويات، فالنصوص من اليابان وكندا وكرواتيا وتسمانيا وفرنسا وسلوفينيا وصربيا والولايات المتحدة والجبل الأسود ورومانيا وإيطاليا وبلغاريا وليتوانيا وسويسرا ونيوزيلندا وإنكلترا ومنغوليا وروسيا وتايوان وفلسطين والهند وألمانيا والبوسنة والأرجنتين وإيران والفلبين والسويد وأستراليا وبلجيكا وأيرلندا وهولندا، وهي نصوص تدلّل على الجهد الكبير الذي بذله آزاد إسكندر بوعيه وإحساسه، كما تشير إلى أنها منتخبات شعرية تريد القول بأن الشعر لا يصدر إلا عن إنسان، وإن الشعر لا يكون شعراً إلا عندما يتحالف مع الإنسان.
___
*القدس العربي

شاهد أيضاً

خيري-منصور-1

الإقامة في اللغة عن المنافي الأليفة

*خيري منصور حين كتب إدوارد سعيد مذكراته وتأملاته في المنفى لم يجد أفضل من جوزيف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *