الرئيسية / خبر رئيسي / الناظــــور

الناظــــور

خاص- ثقافات

* حفيظة قاره بيبان/بنت البحر

     مشيت مع الريح. اخترت الطريق الأطول لأعود من هناك وقد تركتك. خلّفت المحطة الوحيدة على الطريق الجبلي المنحدر واستسلمت للريح الخريفية الضاربة أشجار جبل الناظور الشاخص للبحر، تأخذني، تدور بي.

         يلوذ نظري المتعب بالسماء التي فقدت شمسها وأنا أنعطف مع الطريق. يلوح من جديد البناء الممتد بأسواره الترابية العالية في قمّة الجبل. هناك، حيث لقيتك.

         أُشِيح بنظري سريعا، أطرد صورك الأخيرة المتطايرة حوالي. أجرّ خطاي نحو سفح الجبل والشاطئ المهجور، هناك، أين لاعب موج البحر الضاحك كم مرّة جسدك المنتشي السابح معي في الماء المتلألئ الكريستالي تحت سماء بيضاء. يعود السؤال: أذاك أنت؟ ذاك الصبيّ النضر الوديع، من تركت هناك داخل البناء الكئيب؟!

         يقبل من أقصى الطريق طفل بميدعة المدرسة ومحفظة الكتب والكراريس. يقترب بخطى حازمة ماضيا نحو مدرسته البعيدة. يدنو مني مستأنسا بي تنير وجهه ابتسامة واسعة.

– صباح الخير سيّدي!

         ويركض مواصلا طريقه، ليخلو الدرب من جديد. ولكن طيفك الماضي يخطر مكان الطفل الذي بزغ من المنعطف.. يعود ببراءة الصبا.

         أراك تقبل نحوي.. تسير إلى جانبي، بميدعة السنة الأولى بالمدرسة، اخترتها لك ذات سفرة عمل خارج البلاد بلون سماء صيف، مفتوحة على اليسار بأزرار ملونة، مطرّز صدرها بصورة طفل على ظهره محفظة جميلة حمراء يسير إلى المدرسة. خبّأتها أمّك ﻻحقا في خزانة الذكريات لإبنك القادم.

         تسير إلى جانبي، وديعا هادئا كعادتك. يدك الطرية الصغيرة في يدي ونحن في الطريق العامرة إلى المدرسة أو السوق. تتوقّف عندك العيون معجبة. تتأمّل الوجه الصبوح.

– تبارك الّله! ما أجمله!

– اللّهم صلّ على النبيّ!

تهمس بعض المارات. أمسك جيدا بيدك في يدي. تمتدّ يد شاب مار، يبتسم للوجه الأميري المشرق وللعينين المدورتين البراقتين بليل حالم. يربّت على الخدّ المورّد والشعر الأسود الناعم المسترسل على بياض الجبين. “ربي يصون!”يقول معجبا قبل أن يواصل الطريق. أسمّي بإسم اللّه. أقرأ في سرّي “قل أعوذ بربّ الفلق”، أحميك من العيون.

*      *      *

         تتعثّر قدمي في حصى الطريق. أكاد أسقط على كسر ما قدر الطبيب على جبره. أنتبه إلى الخلاء الموحش حوالي وضباب بدأ يتقدم وينتشر، ثقيلا في الأفق الجبلي.

         يعود الصبيّ الجميل الحالم يتبعني صامتا نائيا عن لعب الصغار، منطويا على حزن مجهول. أتنازل معه عن صلابة الرجولة وأسأل رفيقا به:

– ما بك حبيبي؟

ﻻ يجيب.

– من أغضبك؟

         تكتم سرّك. تكابر عن الشكوى كعادتك وتنزوي بوحدتك وغربتك في ركن من البيت الكبير. أفهم أخيرا أن ابن عمّك المدلّل انفرد بلعبته وابتعد عنك شامخا ساخرا كعادتك.

مغتاظا منه ومنك، أخرج وأشتري لك لعبة شبيهة.

         كيف طارت بك السنون سريعا؟ لتترك الطفولة، تتجاوز قامة أبيك وتطلّ عليّ من عليائك، فتى فارع القامة، مضيء المُـحـيّا، يسكن الحلم الشارد دوما ليل عينيه الواسعتين، منطو على صمت فطري إلاّ حين تُلينُ الصمت حاجة.

         كيف غدا الطفل الوديع معشوق الصبايا، تطارده العيون في كل طريق ومجلس وتسعى إليه كل فتنة يغريها شبابه، ويلقى فيه حتى حاكم البلاد صيده الثمين، ليعلن “سنة الشباب” و “فرحة الشباب”؟!

         ما عاد بيتنا يرضيك مأوى والجامعة تفتح أبوابها لك عامك الجامعي الأول. والإذاعات والشاشات تغرّد وتشدو بـ “سنة الشباب” و “فرحة الشباب” ومحافل الحكام المتوالدة توزع لك في السرّ والعلن كل إغراء وفتنة تبعد عن طريق القصور الباذخة العامرة وتريح السلطان من تمرّد عنفوانك.

         ما عاد مصروفك الشهري يكفي. صرت تعلن إفلاسك من نهاية الأسبوع الأول متعلّلا بكثرة المصاريف في المسكن الطلابي.. ارتفاع فاتورة الكهرباء.. انكسار حوض الحمّام.. الزيادة في الكراء..

         يوم زرتك ذات حيرة، رابني في بياض عينيك دخان واحمرار وقد اختفى الصفاء الجميل في ناظريك. حام خوف وأنا أشتمّ ما لم اعتد من روائح، وألمح ما تكدّس في المنفظة من بقايا السجائر وما اختفى تحت السرير من قوارير.

         نهضتَ سريعا وأنت تقرأ ما ارتسم على وجهي من سؤال ومخاوف. انحنيت تسبق السؤال تقبّل جبيني مطمئنا، مخففا من خشيتي عليك!

–  أبي! ابنك رجل! ﻻ تخشى عليّ!… قريبا أزفّ لك خبر النجاح.

 قلت راسما على وجهك ابتسامة… ولكن أين اختفت ابتسامتك الآن ولم تتجاوز ربيعك العشرين؟!

         تصفعني الريح ساخرة، ناثرة أوراق خريف أتى قبل الأوان.

موحشة هذه الطريق وأنا أسير تحت أغصان الأشجار الهرمة المتشابكة على حافة غابة الناظور. يسألني موج البحر الهادر عن طفل الشاطئ الضاحك الذي غاب عنه من سنين… أهو أنت؟ من تركتُ هناك في قمة الناظور؟

ألْتَمُّ على كسر الجسد والروح وأعود أنزل إلى المدينة بوجعي الفادح وبخطوي المثقل بدونك.

*      *      *

         بدونك منذ أكثر من ثلاثة شهور، منذ التقينا ذاك المساء على غير موعد. فاجأتك تفتّش في غرفتي في الدولاب. مستاء نهرتك. ولكنك التفت إليّ، في عينيك حلكة ودخان، واريت يدك خلف ظهرك. من انعكاس المرآة المقابلة، شعّ بريق الذهب في قبضتك. شاهدت قلادة أمّك الراحلة تتدلّى بين أصابعك، وقد أخفيتها خلف ظهرك. صرخت بك سائلا، غير مصدق ما أرى، لكنك لذت بالباب فارا بصمتك. في هروبك سقط تحت قدميك صندوق ذكريات أمّك خاويا.. ركضت خلفك.. تشبثت بك.. التفتّ إليّ.. ﻻ! لم تكن أنت من حدّق بي وجمرتان حارقتان في عينيه، وقد تصلبت كل الملامح.. لم تكن أنت من دفعني بقبضتين قويتين ليفرّ خارج الدار.. تهاويت على حافة السرير.. انكسرت نظارتي الطبية وطقطق عظمي وأنا أسقط على ذراعي الذي التوى وانكسر.

*      *      *

         – أبتاه! هي سنة الشباب وفرحة الشباب!

قلت يوما وأنت في أوجّ عنفوانك، تطلب ثمن التذكرة الباهض لحفل الفنان الأمريكي الذي خصّ به الرئيس شباب البلاد! مع ذلك، ما بخلت بها عليك.

كانت كل أمواج البثّ تدعو إلى “فرحة الشباب”، وصيّة الرئيس للبلاد.

*      *      *

         مع الليل المدلهم أمس، رنّ الهاتف بالخبر الأخير.

– لم يتحمل.. يا رجل!.. أخيرا.. قطع وريده!…

انغرس السكين في قلبي قاطعا نَفَسي وصوتي… هبّت من كل زوايا الليل هواتف الأيام الماضية:

– قبض عليه متلبّسا!

– لم يكن في وعيه!.. لقد أثبت التحليل إدمانه.

– هو يطلب مقابلتك يا رجل! يلحّ ابنك على لقائك!

– هو يهدد باﻻنتحار إن لم تزره!..

ولكن كسر ذراعي المعلق إلى كتفي ما كان قادرا على اللقاء… لم يتحمّل!.. أخيرا.. قطع وريده! شدّت أصابعي المرتجفة الهاتف إلى مسمع رأسي المتشظي. أعاد الصوت الأجشّ:

– لقد قطع وريده.. أنقذناه في اللحظة الأخيرة.

         في ليلي المتقطّع الناظر فجرا أراك فيه، عاد الصبي الجميل الوديع. اقترب يمسك بسترتي، يلوذ بي دامع العينين. أخذ بيدي كما كان يفعل في طريقنا العامر إلى المدرسة، لأسير معه، ﻻ في طريق الصبا، أبا يختال بأجمل الأولاد.. ولكن، لأسير  إليه، كهلا وحيدا مهمل اللحية، مثقل الظهر، يصعد الجبل حتى البناء الكئيب. يتجاوز البوابة الثقيلة العالية السوداء للبناء العتيق.

         هناك، في الرواق المعتم الكئيب، شاهدتك بعيدا، ذاويا، نحيلا في بدلة خضراء قديمة حائلة. ولأول مرة، التقى كسرانا، الشاش الأبيض يجمعهما، يرفع إلى كتفي ذراعي المكسور ويلفّ وريدك الدامي المقطوع.

وبيننا، بين دمعتينا الحارقتين، وقف الحاجز الحديدي المشبّك عاليا، وحارس سجن الناظور يعلن بصوته الصارخ القاطع، تحت صورة الرئيس المبتسم :

“الزيارة انتهت”.

___
*أديبة تونسية.

شاهد أيضاً

مريم !

خاص- ثقافات *محمد الزهراوي واصِلي جَمالَكِ الطّاغي يابَهِيّة. جِئْتُكِ.. ولا أطْماعَ لـي. مُتَبَعْثِراً.. تَجْتاحُني بسمتك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *