الرئيسية / خبر رئيسي / “مومو” إنده والدُّمَى البشريَّة المُعبَّأة

“مومو” إنده والدُّمَى البشريَّة المُعبَّأة

*لانا المجالي

(1)

كانَ الوَقْتُ يَحتَلّ طاولة عيد الميلاد المُزدانة بالشّموع؛ طازجاً. ساخناً. شهيّاً، أمّا في أيّامِنا هَذه، فإنّه يتنقَّل خفيةً داخل حقيبة سفرٍ صغيرة بين المَطارات؛ حقيبة ضيِّقة لا تَسَع أكثر من حاسوبٍ محمول، وهاتفٍ جَوَّال.

الوقت الذي حوَّله بنجامين فرانكلين إلى ذَهَب، كما عرَّفَ الإنسانَ مِن قبل بأنَّهُ حَيوان صانع للأدوات.

الوقت الذي ينفَد دون أن نعيشه؛ لأنَّنا لا نراه كما يجب أن نراه.

(2)
استطاع كاتب الأطفال الألماني ميخائيل إنده (1929-1995) في روايته “مومو” (19733) أن يحفر عميقاً في مفهوم الزّمن وجوهره الوقت، مجسِّداً حياتنا المعاصرة الباردة، ولهاثنا وراء القيم الماديّة للأشياء على حساب إنسانيّتنا، وخوفنا المرضيّ من الموت، ما يمنعنا من الاستمتاع بالحياة: “لو أنَّ النَّاس عرفوا ما هو الموت، لما خافوا منه، ولو توقّفوا يوماً عن الخوف منه، فلن يستطيع أحد أن يسرق منهم حياتهم”.

“مومو” طفلة صغيرة ذات شعرٍ أشعَث، تظهر فجأة في مملكة الخيال التي يشيِّدها المؤلف في اللامكان واللازمان، ولأنّ بعض الأمور تحتاج إلى وقت، والوقت هو الشيء الوحيد الذي تمتلكه “مومو”، فقد زارها الكبار لحل مشكلاتهم، والأطفال لابتكار ألعاب جديدة.

المكانة التي حصدتها الطفلة العجيبة كانت بسبب موهبتها في الاستماع؛ تجلس هناك بعينيها الكبيرتين، وتستمع بكل وجدانها دون أن تقول شيئاً، فيتوصَّل أناس أغبياء إلى أفكار ذكيّة، وتنشأ مشاعر في قلوب آخرين، لم يعرفوا أنها كانت موجودة.

في ذلك الوقت، تنشأ شركة يديرها “الرّجال الرّماديّون” هدفها الحقيقيّ سرقة الزّمَن، أمّا هدفها المعلن فهو تأمين شيخوخة النَّاس عن طريق إقناعهم بتوفير الوقت وادِّخاره في “بنك الوقت” مقابل هدايا ماليّة؛ والوقت يعني الحياة، والحياة مقرّها القلب، لهذا كان وجود البشر يزداد فقراً وبرودةً وتعجّلاً، كلما ادّخروا وقتاً أكثر.

وحدهم الأطفال يدركون المأساة؛ لأنّ الكبار لا يملكون وقتاً لرعايتهم والاهتمام بهم، ويطلقون حملات إعلانيّة لتحذير أهاليهم، لكن أصحاب الشركة يحاولون إلهاءهم بالألعاب الحديثة التي تفتقر لوسائل تنمية الخيال، ثم يتخلّصون منهم بإيداعهم في “مستودعات الأطفال” التعليميّة.

يقرِّر المدبِّر السرِّيّ للزمن، الأستاذ “أوروا”، أن يتدخّل، فيرسل السلحفاة “كاسيوبايا” لإحضار “مومو” إلى المكان الذي يأتي منه الزمن “حارة لم تكن أبداً”، فتكتشف خلال رحلتها، أنّه كلما زاد بطء السلحفاة في المشي، زادت سرعة تقدّمها، كما تتعلّم هناك، أسرار الزمن وتشاهد أزهاره المبهجة فائقة الجمال، وتستمع إلى موسيقاه التي تتعلّق بها وتجعل منها أنشودتها الخاصة تنصت إليها في قلبها كلما شعرت بالوحدة، ثمَّ تضطلع بمهمة إنقاذ البشريّة بتكليفٍ من مدبِّر الزَّمَن؛ وتقاتل وحدها ضدّ الرِّجال الرماديِّين، وليس معها سوى وردة في يدها وسلحفاة تحت إبطها.

تنتصر “مومو” في النهاية، وتتمكّن من إعادة الوقت المسروق إلى أصحابه، فتستوي الحياة من جديد، بالتّواصل الإنسانيّ وتبادل الحكايات والاهتمام بالآخرين، ويصبح العالم قابلا للشِّفاء.

( 3)

فيلم الخيال العلمي In Time”(20111) “، يرتكِز على فكرة ميخائيل إنده السّابقة نفسها لكن بأسلوبٍ مختلف.

تدور أحداث الفيلم الذي يقوم ببطولته: جستين تيمبرلك، وأماندا سيفريد، وسيليان مورفي، وأوليفيا وايلد، في المستقبل، حيث تبدأ الشَّيخوخة بسبب خلل جيني معيّن أصاب البشريّة، في عمر الخامسة والعشرين، لذا يتوجَّب على كل فرد أن يوفّر الوقت لنفسه من أجل حياة أطوَل.

في هذا العالَم الخياليّ الذي بناهُ المؤلف والمخرج أندرو نيكول، يحتلّ “وقت الحياة” مكانة المال، فيجري تبادله وبيعه بين البشر، حيث يستطيع كل شخص أن يعرف رصيده من الحياة بواسطة ساعة متّصلة على نحوٍ ما بذراعه، كما يقسّم المجتمع إلى طبقاتٍ؛ فهناك الفقراء الذين يعيشون في أحياءٍ يحصلون فيها على “وقت حياة” كلّ يوم بيومه، أو حتى على بضع ساعات لسدّ احتياجاتهم، بينما يعيش الأغنياء في أحياءٍ مُرَفَّهة، يبلغ متوسط وقت الحياة فيها عدّة قرون تكاد تضمن لهم الخلود.

( 4)

آخر الأشياء بداية الأشياء؛ آخر العمر. آخر العام. آخر الحبّ. آخر الألم. آخر الحرب…الخ، وفي كل الأحوال، علينا أن نعرف: ” أنّه من الممكن أن تبدو ساعة واحدة لشخص كما لو كانت الأزَل، ولكنَّها أحياناً يمكن أن تمرّ، وكأنّها لحظة واحدة”؛ بحسب ميخائيل إنده في (مومو).

سرّ الوقت، عرفته الشَّاعرة الإيرانيّة فروغ فرخزاد في “الدّمية المُعبَّأة”. اخترتُ بعض أبياتها، لنعرفه نحن أيضاً، بعد أن نهجر وتيرة حياتنا الآليّة:

كالصّفر في الطّرح والجمع والضَّرب
بوسع المرء بلوغ نتيجة ثابتة
يمكنه لفرط شقائه أن يحسب بؤبؤ عينيك زرّاً أجرد في حذاء بالٍ،
كالماء في حفرته، يتعرَّض الإنسان للجفاف
بوسع المرء أن يُخفي جمال لحظةٍ ما، خجلاً بها
كمثل صورة فوريَّة سوداء مُضحِكَة في قعر صِندوق
في بروازٍ خالٍ منسيّ ليوم
يمكن للمرء أن يُعلِّق صورة رجل محكوم مهزوم أو مصلوب
بوسعه أن يستر شقوق الجدار بصورةٍ صغيرة
وتطعيمها برسومٍ تفوقها تفاهةً
كمثل الدُّمى المعبَّأة
يمكن للمرء أن ينظر إلى عالمه الخاص بعينين من زجاج
يمكنه أن ينام لسنواتٍ في صندوق مبطَّن بصوفٍ أو بشعرٍ وقد غمَر جسده التِّبن
في مقابل كل مصافحة ضاغطة تافهة
يمكن رفع العقيرة بالقول:
“آه ما أسعدني بلقياك!.”
_________
*العدد 52 من مجلة الإمارات الثقافيّة

شاهد أيضاً

فنانو مصر والعالم يجسدون بالضوء روحانيات شهر رمضان

*ناهد خزام القاهرة – لم يكن المعرض الجماعي المقام حاليا بـ”قصر الفنون” في القاهرة، والذي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *