الرئيسية / خبر رئيسي / “الفلسفة والتاريخ” أو …دفاعا عن التاريخانية
images

“الفلسفة والتاريخ” أو …دفاعا عن التاريخانية

خاص- ثقافات

*محمد نعيم

لا شك أن كتاب الأستاذ عبد الله العروي “الفلسفة والتاريخ” الصادر حديثا عن “المركز الثقافي للكتاب” هو بمثابة إضافة نوعية للمكتبة المغربية نظرا لما يتضمنه من تنوع في الأفكار وعمق في التحليل، إضافة إلى تسليط الضوء على كثير من القضايا التي كان قد تناولها في مؤلفاته السابقة، والتي طالما اشتكى بعض القراء من غموضها و عسر فهمها؛ كما أنه استحضر فيه مجموعة من الأسئلة المتعلقة بمشروعه الفكري مبينا أن كل ما كتبه منذ “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” إلى اليوم يشكل وحدة متجانسة.

في الواقع إن أول ما يدرك قارئ كتاب “الفلسفة والتاريخ” هو أن القضايا المطروقة فيه تتمحور في مجموعها حول مفهوم مركزي وهو التاريخانية، أو لنقل إن الكتاب أساسا قد جاء  ليوضح مبررات اعتقاد العروي بأن التاريخانية هي قدر وليست اختيارا.

انطلاقا من الصفحات الأولى يشير العروي إلى أن الهدف الذي يسعى إليه من خلال كتابه هو توضيح أن الظروف العامة والخاصة التي عاش فيها كانت ستقوده حتما إلى نفس الخلاصات والنتائج التي توصل إليها، حتى وإن كان قد درس الفلسفة عوض دراسته للتاريخ والعلوم السياسية. فالمكان والزمان اللذان جعلا منه تاريخانيا هما نفسهما اللذان جعلا من سارتر وجوديا ومن لوي ألتوسير ماركسيا. وهذه قناعة قوية لدى العروي بأن كل شيء محكوم بالشروط التاريخية التي أنتجته ولا أحد يستطيع الانفلات من سلطة التاريخ. لهذا فهو  يستغرب من كون الكثير من الفلاسفة الذين نظروا إلى التاريخانية نظرة ازدراء، أبدوا مع ذلك حاجتهم إلى عرض الأسباب التي دفعتهم إلى الانخراط في المسار الفكري الذي انخرطوا فيه؛ مثل جون بول سارتر الذي عرض الوضع العائلي الذي عاش فيه ليوضح أنه كان مقدر له أن يعتنق المنهج الفينومولوجي. كما أن جون توسين في كتابه “القدر الفلسفي” قد عاد إلى أصله الكورسيكي ووحشية محيطه وتعطشه للأخلاق ليبرر خضوعه الإرادي لزعماء الحزب الشيوعي الفرنسي. أما لوي ألتوسير فقد وصف بتفصيل اضطراب حياته العائلية وتأثير ذلك في مساره الفكري، بل حتى أشرس الفلاسفة انتقادا للتاريخانية وهو كارل بوبر صاحب كتاب “بؤس التاريخانية” الذي كان يرى، شانه شأن برتراند  راسل، أن الحقيقة الفلسفية لا علاقة لها بالظروف التي نشأت فيها، قد بلور خطابه المعادي للتاريخانية متأثرا بواقعة تاريخية وهي فشل الثورة الاشتراكية في “فيينا” عقب الحرب العالمية الأولى.

صحيح أن العروي استحضر في الصفحة 78 من الكتاب التمييز الذي  أقامه كورسي بين التاريخية و التاريخانية معتبرا أن الأولى هي مفهوم المؤرخ المتخصص بينما الثانية هي مفهوم المنظر السياسي، وهكذا لاحظ أن ميكافيلي عند كتابته للتاريخ الفلورونسي كان تاريخيا لكنه كان تاريخانيا عندما ألف كتاب الأمير. ويبدو أن العروي نفسه كان تاريخيا حينما كتب “تاريخ المغرب” وتاريخيانيا فيما سوى ذلك. لذلك فالتاريخانية، بالنسبة إلى العروي، كانت قدرا، فهي ليست، في نظره، فلسفة عامة وإنما هي مفروضة علينا بحكم تأخرنا التاريخي، أي بحكم موقعنا في التاريخ  بالنسبة إلى مجتمعات أخرى نسميها متقدمة.

إن المؤثرات التي تعرض لها العروي في مسار حياته أولا  داخل المغرب، وانطلاقا من ظروف الأسرة ومرورا بالجو الدراسي العام سواء في مراكش أو في الرباط، وخارج المغرب وتحديدا الجو الثقافي في باريس آنذاك كلها دفعته دفعا إلى أن ينخرط في المسار الفكري الذي انخرط فيه. فعبد الله العروي القادم إلى فرنسا من المغرب المحتل ما كان له أن يتجاهل وضع بلاده ويتصرف كأنه بلد غير محتل، بمعنى أن ما كان لاختياراته أن تكون إلا محكومة بهذه الوضعية، وبما أنه كان مرغما على الاهتمام بالحاضر والمستقبل فما كان له أن يشيح بوجهه عن الماركسية، كما أنه أدرك أن برنامج الدراسة في معهد الدراسات السياسية كان هو التأقلم مع بنية الدولة الحديثة (القانون الدستوري والإداري، تاريخ البرلمان، سوسيولوجيا الأحزاب السياسية) مكوناته (التاريخ الاقتصادي والاجتماعي) إيديولوجيته (تاريخ الأفكار السياسية والاجتماعية) نشاطه (التحليل الاقتصادي أو السياسية النقدية). وفي تلك الدروس كانت تتم الإحالة على كتاب كبار أمثال كينز وماكس فيبر، وهؤلاء المفكرون الكبار في مجموعهم كانوا يريدون أن يتمموا ماركس أكثر مما كانوا يسعون إلى نقضه. لقد كان العروي مقتنعا أن الماركسية تمثل خلاصة الفكر الحديث، لذلك قال بماركسية موضوعية تهتم بماركس كاتب الإيديولوجيا الألمانية وليس ماركس كاتب رأس المال، ماركس الذي أكد أن ألمانيا متأخرة بمرحلة، بدرجة، بثورة بالمقارنة مع فرنسا وانجلترا، لذلك حث وبقوة الأمة الألمانية على فهم أسباب تأخرها، من أجل وضع برنامج لتدارك ذلك التأخر، برنامج يكون واقعيا وقابلا للتحقق. من هنا ندرك طبيعة العلاقة التي جمعت العروي بالفلسفة.

العروي والفلسفة
ليس يخفى أن الرجل قد عرف تكوينا أكاديميا في مجالي التاريخ و العلوم السياسة، إلا أن المتابع لما يكتبه يدرك جيدا معرفته العميقة بالفلسفة، وقد ظهر ذلك في  أكثر من كتاب، وهو نفسه ذكّر بهذه المسألة في أكثر من مناسبة؛ فقد كتب فصلا متعلقا بهيجل في كتاب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” وفصلا عن نظرية لوي ألتوسير في “مفهوم الإيديولوجيا” وفصلا في كتاب ” مفهوم الدولة” متعلق بعرض ونقد كارل ماركس للدولة.

ويصح القول أن علاقة العروي المؤرخ والمنظر بالفلسفة علاقة ضرورية، فهو يرى أن المفكر إذا بدأ بالنظر إلى بعض المشكلات بنظرة فلسفية، فإنه ينتهي بطرح مشكلات تاريخية، وإذا بدأ بالنظر إليها بنظرة تاريخية فإنه ينتهي بوضع مشكلات فلسفية، لهذا فقد صرح بأنه يزاوج بين الفلسفة والتاريخ كما أن غيره زاوج بين الفلسفة والتحليل النفسي  وبين العلم والميتافيزيقا و بين الفلسفة والتيولوجيا.

وتجدر الإشارة إلى أن الفلسفة التي يميل إليها العروي فلسفة عملية ووظيفية فهو لا يحبذ مسايرة التقليد الفلسفي الغربي وحذوه حذو النعل بالنعل، لأنه يعي جيدا الوضعية التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، لذلك فهو يفضل استثمار التراث الفلسفي من أجل النهوض بهذه المجتمعات وليس الاهتمام به لذاته. على هذا الأساس أولى اهتماما خاصا بالفلسفة الماركسية التي ركزت على وجوب معرفة المجتمع لفهم الإنسان وتغييره من أجل تحريره. فعندما يتحدث  العروي عن التفلسف فإنه يذكّر القارئ بأن الفلسفة لا تعني نفس الشيء في كل البلدان، فإذا كانت في فرنسا متعارضة مع الدين وهو ما ليس موجود في ألمانيا، حيث من النادر أن لا يكون للفيلسوف تكوين تيولوجي رصين، ونادرا ما لا يكون للفيلسوف في انجلترا معرفة رياضية جيدة، وللفيلسوف النمساوي أو الأمريكي تكوين علمي رصين خصوصا في الفيزياء، لهذا استحضر النظام الجامعي الأمريكي، الذي يبدو أنه معجب به نظرا لنجاعته وإجرائيته، حيث لا يتم تعليم التفكير في العموميات بل يتم تعليم المثابرة على حل مشاكل محددة، فليس مقبولا، تحت ذريعة أن الإنسان فيلسوف، أن يقول أي شيء ويخوض في أي شيء باختلاق لغة خاصة بكل موضوع. فالهدف من البحث في جميع الحالات هو دراسة موثقة وليست خواطر منمقة.

إن من أهم الأطروحات التي يدافع عنها العروي: هي أن كل مثقف عربي، إذا وعى الوضعية التي يعيش فيها يكون إيديولوجيا، وبما أنه كذلك فإنه يقع حتما تحت سلطة التاريخ الكوني، فيكون فكره بالضرورة فكرا جدليا وهذا الجدل هو الذي يكشف له بأن أفقه هو التاريخانية كاستعادة واعية لبعض الأحداث التاريخية المعروفة والتي سبق وتم تحليلها والحكم عليها. وهذه التاريخانية ذات النزوع التطبيقي تميل  بمن يعتنقها إلى أخلاق نفعية وفلسفة وضعية، وهذه تؤدي على كل حال إلى التوجس من كل مشروع يسعى إلى تعزيز الميتافيزيقا أو تجديد الانطولوجيا.

 

شاهد أيضاً

355

الرواية.. تنحت وترى وتسمع

*محمد الأسعد في مقالة للكاتبة والقاصة الأمريكية «فلنري أوكنر» (1925-1964)، ضمن مجموعة مقالات تحمل عنوان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *