الرئيسية / خبر رئيسي / محمد عابد الجابري… من الميتافيزيقيا إلى التمذهب العقلي

محمد عابد الجابري… من الميتافيزيقيا إلى التمذهب العقلي

*إلهام الطالبي

لا نغالي في القول إذا وصفنا المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري بأنه عقل فلسفي فذ، لأنه بمؤلفاته وبقراءاته للتراث وتعمقه في الفلسفة الحديثة أضاف كثيراً إلى الفكر العربي، فهو لم يدعْ مفهوماً علميا أو فلسفياً أو لاهوتياً وإلا فتح حوله باب النقاش، لذلك يبلغ التحمس بمن يكون غريمه لاحقاً نقصدُ جورج طرابيشي أن صرح عقب قراءته (لتكوين العقل العربي) بأن من يقرأُ هذا الكتاب لا يكون الشخص نفسه قبل قراءته له، من المعلوم أن (تكوين العقل العربي) هو الجزء الأول من مشروع الجابري الذي نبش من خلال التراث، هنا نتوقف عند كتابه المعنون بـ«حفريات الذاكرة» يعودُ بنا الجابري في هذا المؤلف إلى نشأته الأولى والعوامل التي ساهمت في اختمار تجربته الفكرية ورحلته الفلسفية، إذ يستعملُ لغة أدبية شيقة لتعرية مرحلة صباه ومراهقته وبداية شبابه، مانحا لمعطيات الذاكرة معنى، كما القطع الأثرية، معتبرا أن كتابه ليس بمقالات فلسفية أو علمية تستوجب الاستدلال البرهاني، كما أورد في تقديمه أنه يعرض ذكرياته الشخصية في نص بياني يتغذى من مخزون ثقافي معين، ويوظف الصورة والإشارة والتلميح والرمز إلى جانب ما قد يكون هناك من تدفق العفوية والإبداع الفلسفي. يلاحظُ المتلقي بأنَّ المؤلف يتجنب استخدام ضمير المتكلم الذي يهيمن على أسلوب السيرة الذاتية، فبدلاً من ذلك يفضل سرد سيرته عبر صيغة الشخص الثالث «صاحبنا».
ومن المشاهد التي انتقاها الجابري لعرضها في سيرته الذاتية علاقة مجتمع فجيج بعالم الجن، معتبرا أن» الجن لا يرون في النهار ولكنهم يعمرون المكان ليلاً، فيقومون بالأعمال نفسها التي يقوم بها أهل المنزل من البشر، يسمعهم أهل الدار يتحركون، يمشون ويدقون في جناح الظلام … إنه يتذكر كيف كان يستيقظ ليلاً على دقات ترسل صوتاً أشبه بصوت الدق على المهراس أو على مسمار في الجدار، فينتابه الخوف ويلتصق بجسم من كان ينام بجانبه أمه أو جدته أو جده. ولكنه سرعان ما كان يعود إليه هدؤه واطمئنانه عندما يقول له الذي بجانبه «نم ولا تخف، إنهم فقط الذين لا يسمّون»، إنهم المسلمون (الجن) يقومون بأشغالهم .
ويحكي مؤلف «نحن والتراث» أن حياته زمن الطفولة كانت مجالا يتقاسمه البشر والجن، وكان تربط بينهم علاقات لامرئية في المنازل والبساتين والأسواق يعملون تماما كما يفعل البشر، وصفاء الأجواء الروحانية في قريته الصغيرة فجيج شرق المغرب على الحدود مع الجزائر. ويعرض نشأته بين أخواله الذين كانوا يرغبون في تسميته عبد الجبار تيمنا بجدهم سيدي عبد الجبار الفجيجي، الذي كان عالما مشهورا ولديه عدة مصنفات، حدثه جاك بيرك المستشرق الفرنسي المشهور في لقاء جمعه معه خلال ندوة في واشنطن انه يتوفر في خزانته على عدة مخطوطات لسيدي عبد الجبار، قال إنها مهمة جدا وإنه ينوي تحقيقها عندما يسمح له الوقت بذلك ومات جاك بيرك قبل أن يفعل. ويعتبر الجابري أن الحاج محمد فرج أحد رجالات الكفاح الوطني المغربي وإمام الجامع في القرية، يرجع له الفضل في غرس شجرة العلم في القرية بسبب انشائه لمدرسة النهضة المحمدية وكافح من أجلها، واستطاع أن يؤثر في الناس فتخلوا عن معتقداتهم بالخرافات والجن، ودعا إلى تحرر الدين والشعائر الدينية من البدع والطقوس التي ليست من جوهره ولا من سننه، لافتا إلى أن مدرسته كانت تشمل أقساماً مشتركة للبنين والبنات وبدون حجاب، أي قائمة على الاختلاط بين الجنسين، ما جعله من الشخصيات المؤثرة في مسار الجابري.
لم يخلُ الكتاب من اجترار الجابري للقلق النفسي والفكري الذي كان يخيم على مراهقته خلال بلوغه الثامنة عشرة بعدما توقفت الدراسة في مدرسة المحمدية، بعد اعتقال السلطات الفرنسية للأساتذة ونفي محمد الخامس، حيث لم يجد أمامه من خيار سوى الانضمام إلى عمه الخياط، يصف هذه الأيام بأنها كانت صعبة ليس لأن المهنة متعبة، بل لأنه كان ينفر من العمل اليدوي، وجد نفسه في مفترق الطرق يعاني من أزمة حادة هل يترك الدراسة ويتفرغ لتجارة والمال أم يترك ميدان التجارة.
كان يعيش في قلق ويقضي ساعات طوالا ليلا في أرق بيد أنه سرعان ما تغلب على هذا القلق عقب قراءته لكتاب «دع القلق وابدأ الحياة» لمؤلفه الأمريكي ديل كارنيغي ويقول الجابري إنه «يدين لهذا الكتاب، ليس فقط في التخلص من تلك الأزمة، بل لربما أيضاً في معالجة قلق الاختيار كلما اعترض حياته ما يستوجب اتخاذ قرار حاسم».
اتسمت حياة الجابري بالكفاح والاعتماد على النفس التي خاضها، وعمله في جريدة «العلم» مترجما، بطلب من المهدي بن بركة أحد زعماء حزب الاستقلال، الذي أشاد بترجمته الموفقة في الامتحان، ومن بعد انتقل لإكمال دراسته في دمشق وخاض تجارب في رحلته البحرية إليها. ويختم الجابري حفرياته عند عودته من دمشق ليجد كلية الآداب في الرباط تستعد لفتح أبوابها، حيث يلتحق بها ويختار الفلسفة تخصصاً.
لم ينزع الجابري عن نفسه عباءة الفلسفة في تحليل أول تجربة حب له، موظفا نظرية ديكارت في تفسير عملية الابصار، ويطبقها على تجربة الحب هذه التي مر بها في بدايات مراهقته. وعلى الرغم مما يبدو عليه هذا الأسلوب العلمي من جمود وبرود عواطف، كما يستحضر الجابري إعجابه بممرضة سورية كانت في العيادة التي يتلقى فيها العلاج في دمشق، خلال انتقاله لسوريا لمواصلة تعليمه، يقول «كانت شبيهة بفتاة وجدة قواما ولون واستحياء»، اتصاله البصري معها لم يستمر طويلا لقد انتهت فترة علاجه، وكشفت له عن حواجز بين المرأة والرجل لم يعهدها في المغرب وهي الدين، صرحت له بصوت أجش «محمد أدرك أن قصدك شريف… لكن مافيش فايدة ثم أضافت «محمد أنا من عائلة مسيحية».
إن مشاعره تجاه أمه لم تنم ولم تتطور لترقى إلى درجة الحميمية والتعالق المعهودين في علاقة الطفل بأمه، لذلك فقد مر حادث وفاتها دون أن يرافقه في وجدانه أي انفعالات خاصة. وتتجلى قمة هذه اللامبالاة بعد وفاتها مباشرة، حيث حضر الجابري تشييع جنازتها وعاد من المقبرة بعد دفنها متوجها إلى المدرسة لمتابعة دروسه.
وفي مقابل ذلك فإن أم الجابري بتلقائيتها وبراءتها وحنوها لم تنس ابنها، وفي لحظة دنو أجلها تقوم بالتفاتة لا يمكن أن تصدر إلا عن أم تتمتع بمشاعر الأمومة كاملة. فقد أوصت له بكل ما تملك من متاع؛ وهو حزام من صوف وخلخال من فضة وجفنية من نحاس وآلة نسج من حديد، ليخلص الجابري وهو يتجاوز الستين من عمره أن أمه كانت تفكر فيه وكانت منشغلة بمستقبله بكل صمتها وتحملها وأنفتها.

_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *