الرئيسية / إضاءات / لغويون: العربية هجرها أبناؤها

لغويون: العربية هجرها أبناؤها

*داليا عاصم

في دورته المنعقدة عام 2012، قرر المجلس التنفيذي لـ«اليونيسكو» اعتبار الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول)، يومًا عالميًا للغة العربية. وتم اختيار هذا اليوم بالتحديد، لأنه اليوم الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1973 بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المعتمدة في المنظمة العالمية. ما أحوال العربية في يومها العالمي؟ ما المشكلات التي تواجهها في عالمنا المعاصر؟ هل استوعبت العربية العلوم الحديثة.. بمعنى أن أصبح المصطلح العلمي الحديث جزءًا من اللغة العربية؟ أم ما زال غريبًا عليها؟ ما دور المجامِع العربية في الحفاظ على سلامة العربية؟ لماذا لا نملك الآن قاموسًا حديثًا أشبه بقاموس «لاروس» الفرنسي أو «أكسفورد» البريطاني؟

لماذا هجر لغة الضاد بعض أهلها إلى لغات أخرى، خاصة الإنجليزية؟ أين يكمن الخلل، إذا اتفقنا أن هناك خللاً ما، فيها، أم في المؤسسات التعليمية وطرق تدريسها، والمجامِع اللغوية، والإعلام المكتوب والمرئي؟ لغويون وكتاب ومثقفون يحاولون في هذا التحقيق الإجابة على هذه التساؤلات الكثيرة، ويطرحون تصوراتهم حول الحلول الممكنة:

يحتفي مجمع اللغة العربية بمصر غدا الاثنين 19 ديسمبر (كانون الأول) بيوم اللغة العربية، الذي صادف أمس، يكون المحور الرئيسي للمناقشات فيها إصدار قانون جديد لحماية اللغة العربية في مصر.

وأنشئ مجمع اللغة العربية بالقاهرة في 13 ديسمبر 1932، في عهد الملك فؤاد، وبدأ العمل فيه سنة 1934، ونص مرسوم إنشائه الصادر عام 1932 على أن يتكون المجمع من 20 عضوًا من العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية، نصفهم من المصريين، ونصفهم الآخر من العرب والمستشرقين؛ وهو ما يعني أن المجمع عالمي التكوين، لا يتقيد بجنسية معينة، وأن معيار الاختيار هو القدرة والكفاءة. ويضم المجمع عشرةً من المصريين، وعشرةً من العرب والمستعربين، وضمنهم علماء روس وأرمن من المتبحرين في اللغة العربية ولهم إسهامات مشهودة في نشرها. ومن أشهر الذين تولوا المجمع: أحمد لطفي السيد، وطه حسين، وشوقي ضيف.

وحول أهمية الاحتفاء بيوم اللغة العربية، والمشكلات التي تعاني منها، يرى الدكتور أحمد فؤاد باشا، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وصاحب «نظرية العلم الإسلامية»: أن المشكلة ليست في اللغة ولكن في أهلها، كما هو الوضع مع الدين الإسلامي فالمشكلة ليست فيه بل في المسلمين. هذه اللغة الكريمة الشريفة، لغة القرآن، قامت بها الحضارة العربية وازدهرت بها العلوم والفنون ثم تدهورت مع تدهور تلك الحضارة، وأرى أن الاحتفال بها في يوم واحد فقط إنما هو تفريط في قدرها».

العربية، كما يضيف باشا، «هي أقدر اللغات على استيعاب كل جديد. ونستطيع أن نبعث حضارتنا من جديد بلغتنا الأم وليس بأي لغة أخرى. وهو يعزي أسباب تراجع اللغة العربية في مصر إلى تعددية نظام التعليم ما بين مدارس حكومية أو خاصة أو دولية يتم فيها التحدث باللغة الأجنبية؛ مما ينقص من قدر اللغة لديهم، معتبرًا ذلك طعنًا في الهوية الأساسية لهؤلاء الطلاب، فـ«الأمم لا ترقى بلغات غيرها، بل بلغتها الأم».

ويلقي هنا باللوم على المؤسسات التعليمية الأجنبية في مصر إهمالها تعليم اللغة العربية، على الرغم من أن لائحة الجامعات تنص على أن العربية هي اللغة الأساسية. ومن العوامل الأخرى، استنادًا إليه، إهمال الإعلام للغة العربية السليمة، وتجنب المسؤولين الرسميين للدولة الحديث باللغة العربية في المحافل الدولية.

وعن الحلول من وجهة نظره، يقول باشا: «نحتاج لقرار سيادي من الدولة يحث أهل العلم على التمسك باللغة العربية داخل الجامعات والمعاهد والمدارس، ولا بد من (تعريب العلوم)، وهي خطوة تأخرت كثيرا رغم أننا انتهينا من إعداد الكتب والمراجع التي تواكب أحدث السلاسل العلمية العالمية لكن مع الأسف لا أحد يهتم. فقضية عدم تعريب العلوم من وجهة نظر د. باشا لها أثر كبير على اللغة العربية وتراجعها.

كذلك يتفق د. محمد شفيع الدين، عضو مجمع اللغة العربية، ومقرر لجنة التعليم، مع د. أحمد فؤاد باشا في أن اللغة العربية لا تحتاج ليوم للاحتفاء بها «لأنها أصيلة بذاتها وحية بذاتها، وإن تنكر لها أهلها».

وعن أهم المخاطر التي تهدد اللغة العربية في رأيه، قال: «اللغة بحاجة أولا لأصحابها، فهي تعاني من الضعف الشديد في سائر الدول العربية، فقد هجرها أبناؤها وأصبح جل اهتمامهم باللغات الأخرى، وإن كانت اللغة العربية أقوى مما يتخيل الكثيرون فهي لغة استطاعت تطوير نفسها طوال أكثر من 14 قرنًا من الزمان ولم تندثر وهي في ذلك تنفرد عما دونها من سائر اللغات».

وحول تأثر بعض الأجيال بثقافة المستعمر الإنجليزي أو الفرنسي على مدار القرنين الماضيين وتأثير ذلك على اللغة العربية، ذكر أن «الاستعمار الثقافي وسهولة الانقياد وراء الغرب أدى لتنكر الأجيال الجديدة للغة وإهمال علومها»، مشيرًا أيضًا إلى عدم فاعلية دور جامعة الدول العربية في إعلاء شأنها على المستوى السياسي الدولي.

وعن الوسائل التي تستعيد بها اللغة العربية مكانتها، يقول شفيع الدين: «لكي تستعيد العربية عرشها الذي فقدته لا بد من الاهتمام أولا بالتعليم وتكريس الإعلام المزيد من الاهتمام باللغة وكذلك كل الشركات والمؤسسات في معاملاتها»، مستنكرًا نشر الصحف الرسمية إعلانات باللغة الإنجليزية والفرنسية ووضع أسماء المحال التجارية بالإنجليزية، معتبرًا أن في ذلك استهانة بالعربية، «على الرغم من أننا لا ننشد اللغة المعقدة والألفاظ الصعبة بل ننشد العربية البسيطة الصحيحة». ولا يرى شفيع الدين أن «ثنائية اللغة» في الحالة المصرية مثلا كالحديث بالعامية المصرية له أثر كبير في تدهور اللغة، مبينًا: «جميع اللغات بها إشكالية ثنائية اللغة، فدائما ما توجد لغة رسمية (المخاطبات والأدب) ولغة غير رسمية (لغة الحياة اليومية)، فاللغة غير الرسمية هي لغة عارضة تخضع للتغيير ما بين الأجيال وينصرفون عنها ويجددون فيها وفقًا لمتغيرات العصر، أما اللغة العربية الفصحى فهي راسخة ولها الخلود والبقاء. وحول عدم وجود معاجم مثل «أكسفورد» الإنجليزي و«لاروس» الفرنسي، قال: «أصدر المجمع المعجم الوسيط منذ نحو ما يزيد عن 30 عاما، وحاليا سوف تصدر الطبعة الثالثة منه منقحة ومزيدة، وهو قاموس يلقى إقبالا شديدا، فهو يلبي حاجة المثقفين والأدباء والعلماء، وهو يحوي جميع مفردات اللغة القديمة والحديثة وخرج في 50 مجلدا».

ويقول د. أحمد أبو حوسة، المعيد بمجمع اللغة العربية وعضو لجنة الإعلام به: «يصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة عددا من القواميس العربية التي عكف عليها نخبة من العلماء والمتخصصين في علوم اللغة العربية، ومنها: (الوجيز)، و(الوسيط)، و(الكبير)، و(معجم ألفاظ القرآن الكريم)، ومعجم للموسيقى، وآخر للأدب في جزأين، ومعاجم في القانون وعلوم الحاسبات، والرياضيات، والقاموس العامي الفصيح في المعجم الوسيط، ومعجم الجيم لأبي عمرو الشيباني (4 أجزاء) وغيرها الكثير وهي متاحة لمن يشاء وهي موجودة إما بمقر المجمع بالزمالك أو في مقر الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة».

ويلفت إلى أن المجمع يعقد مؤتمرا سنويا كبيرا يستمر على مدار 15 يومًا يناقش فيه أوراقًا بحثية رصينة يدرسها على مدار العام، ويخلص بعد مناقشتها خلال أيام المؤتمر إلى قرارات مجمعية يصدرها، وهي تخص كل القضايا اللغوية الملحة وتوزع على كل الهيئات والجهات في مصر وخارجها».

____

الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (8)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *