الرئيسية / إضاءات / تأملات في التكوين العام للمترجم

تأملات في التكوين العام للمترجم

خاص- ثقافات

جون داربيلني*  /ترجمة: الدكتور لحسن  الكيري**

إهداء المترجم: أهدي هذه الترجمة إلى روح شهيد المترجمين إتيان دولي[1](1546م).   

    على إثر انتهاء المؤتمر الثاني للمترجمين و التراجمة الذي انعقد في كندا في أبريل 1963، قامت جريدة المترجمين في عددها الشهري أكتوبر –  دجنبر من نفس السنة بنشر نص الملاحظات التي كنت قد تحدثت عنها في إحدى الجلسات حول تكوين المترجم. و ها قد سنحت لي الفرصة اليوم كي أتناول هذا الموضوع من جديد مُوسّعا إياه.

    سيكون شغلنا الشاغل في هذا المضمار التكوين العام للمترجم أي كل ما يتصل بالتكوين الذي يجب أن يتلقاه بعيدا عن أي تخصص يذكر. يبدو أنه ليس بالأمر الزائد، في البداية، أن نعلل هذا التمييز الذي مما لا شك فيه، هو غير واضح كفاية بالنسبة لجميع الناس.

   من المتعارف عليه، عموما، هو أن ذلك الذي يترجم النصوص التقنية يجب عليه أن يتأقلم مع معجم المواضيع التي تتم معالجتها في هذه النصوص و من ثمة مع الأشياء التي تمثلها هذه الكلمات، إلى حد ما على الأقل. إن هذا يبين على أن هذا المترجم يجب عليه أن يتخصص تخصصا دقيقا ما دام عدد المصطلحات التي يمكن أن يتمثلها الفرد الواحد محدودا؛ فبالنسبة للكثير من المترجمين تتصل مشاكل الترجمة، بصفة خاصة، بالمصطلحات التقنية و بإقحام أحد هذه المصطلحات في نص ما وهو أمر يبدو، نسبيا، سهلا حسب ما نعتقد على الأقل. إن التدقيق المصطلحي بالنسبة للمترجم يشكل مصدر انشغال مشروع لكن لا يجب أن يكون الأول و الأخير، ذلك أنه قلما نفهم بأن محيط هذه المصطلحات التقنية  الذي تُشكِّله، بطريقة ما، قناةُ النص و التي تُكوِّنُ فيها هذه المصطلحات لُحْمَة، له أهمية كبرى كذلك. إن الرسالة التي من المفروض أن يمررها الملفوظ رهينة بمدى وضوح ودقة المصطلحات و الطريقة التي صيغ بها.

     يبدو لي أن هذه الاعتبارات تبرر ضرورة أن يتمكن المترجمون، ليس فقط من المصطلحات التقنية، و لكن كذلك أن يُلمواْ بصفة جيدة بأداتهم أي باللغة التي يترجمون بها. بقَبولنا ذلك، سيكون من الضروري أن نتساءل بصدد ما يجب أن تكون عليه طبيعة التعليم الذي يتلقاه هؤلاء المترجمون كي نصل إلى هذا الهدف الثاني.

     من المهم، أولا، أن نضع في الحسبان أنه داخل بلد مزدوج اللغة مثل كندا، يلعب المترجم دورا مزدوجا. يجب عليه، و في كل مكان، أن يطلع بثقة قارئه بمحتوى نص ما مكتوب بلغة أخرى. كذلك، يجب عليه أن يحمي اللغة الأم من تسريبات اللغة الرسمية الأخرى. لم نكن لنبالغ في أهمية هذا الدور الثاني. فإن شئنا أم أبينا، فإنه داخل بلد مزدوج اللغة تكون لغة الأقلية لغة ترجمة. يمكن أن نتفادى أن يكون ذلك كثيرا و لكن لا يمكن البتة أن نقضي عليها. إن جودة اللغة التي نتكلمها و نكتب بها رهينة، إلى حد كبير، بمدى جودة الترجمة. و إذن، فلنقل إن المترجم في خدمة الناس، من جهة، و اللغة من جهة أخرى. و لكي يفي المترجم بهذه المسؤولية الثانية يجب عليه أن يعرف معرفة جيدة اللغة التي تمكن مهمته في حمايتها و خدمتها، و سنعود بعد قليل إلى هذه النقطة. غير أنه، علاوة على ذلك، و كي يترجم و يحرر أيضا بدقة، يتوجب عليه أن يحترم منطلقاً رئيسا يكمن في كون قيمة ترجمة ما غير رهينة بحرفيتها. يجب أن نفهم من هذا المصطلح تعسف الترجمة الحرفية و أن نفهم من الحرفانية  تلك النزعة إلى الحرفية. لا نتحدث عن الحرفية أو النزعة إلى الحرفية عندما تكون الترجمة الحرفية جيدة.

    يجب على المترجم أن يكون مقتنعا بحيث يستطيع بدوره إقناع مستخدمه حول هذا الخطر الذي هو الترجمة الحرفية التي تكون في غير موضعها. و بالفعل، فإن عامة الناس تذهب إلى الاعتقاد بأن الترجمة على درجة عالية من الدقة إلى الحد الذي تتماهى فيه مع لُحمة النص الأصلي. إنها لا تتأمّل، بما فيه الكفاية، هذه الملاحظة لهيلير بلوك   والتي مفادها أن المترجم يتوجب عليه أن ينعتق من  إكراهين اثنين هما ما تعلق بالطول و ما تعلق بالشكل. إن هذا يعني أنه حر في أن يبدل المبني للمجهول بالمبني للمعلوم و أن يعدل ترتيب الكلام و أن يطيل أو يقصر الجمل عندما يكون بصدد نقل المعنى الثاوي في النص الأصلي بكل دقة. إن هذه الفكرة هي التي ينبغي أن تكون مركز درس الترجمة العامة و الذي نتعلم فيه كيفية استعمال موارد لغة الوصول دونما تعسف على عبقريتها. إن دور درس من هذا النوع يكمن في تبيان – عن طريق تمارين محددة – أفضلية الترجمة الحرفية عندما تحترم، وفقط: أ / معنى الرسالة، ب / قيمتها الأسلوبية، ج / لغتها الواصفة، د / عبقرية لغة الوصول.

    إن كلمة “عبقرية” لم تعد ذات  بالٍ لدى اللسانيين اليوم، الذين يصفونها بكونها ذاتية جدا، غير أنها   تبقى مواتية كي تُحيل على مجموع السيرورات اللغوية، أي طريقة تأليف الكلام التي تحبذها اللغة من بين إجراءات أخرى. وبكلمة، نقول إن الأمر يتعلق بما يمكن أن نطلق عليه التراكيب أو التعابير الاصطلاحية، ذلك أن ما هو اصطلاحي ينأى عما هو نحوي محض.

    بالفعل، يحدث أن تحترم العديد من الترجمات النحو و ليس عبقرية لغة الوصول. إنها ترجمات صحيحة و لكن ليست اصطلاحية. يمكننا أن نقدم، بكل سهولة، أمثلة عن ذلك سواء تعلق الأمر بالكلمات أو الجمل. و ما دمنا نضع في الحسبان، هاهنا، المرور بصفة خاصة من الإنجليزية إلى الفرنسية، فإنه يمكن أن نقر مسبقا بأن الحرفية سوف تفضي إلى التعابير/ الاصطلاحات الإنجليزية، في هذا المجال .

    كما نعلم، فإن التعابير/ الاصطلاحات[2] الإنجليزية كثيرة و متنوعة. و من بين أشكالها المختلفة يوجد ما يمكن أن نطلق عليه التعبير الاصطلاحي الإنجليزي في الترجمة. فمن دون شك تكاد تكون كل التعابير  الاصطلاحية الإنجليزية مدينة لترجمات خاطئة لأنه تمت ترجمتها بصورة مباشرة و أن هذا الشكل من التعابير الاصطلاحية الإنجليزية يكشف، أكثر من غيره، عن حيرة و ارتباك المترجم الذي فرض نفسه، كي يترجم عن طريق استعمال الكلمة الأكثر قربا إلى الإنجليزية أو كذلك، تلك الكلمة التي يعطيها القاموس كترجمة مفتوحة للمصطلح الإنجليزي المعني. بدون وجود أي سعي منّا لمعالجة هذه القضية بطريقة معمقة، يحسن أن نقدم هنا بعض العينات لأن الأمر يتعلق بميول مضر يجب على المترجمين أن يتعلموا كيفية مقاومته.

يمكن أن تعني (منح امتيازا)، كما      “To grantوهكذا نتحدّث عن “الامتيازات” الفيدرالية دونما ريبة لأن “

أننا انتقلنا من استعمال الفعل إلى استعمال الاسم. أيضا، قمنا بتعميم ترجمة تُحْصَرُ قيمتُها، فقط، في بعض الحالات و قد قمنا بها على حساب (المساعدات المالية). و يمكن أن نقر بنفس الإجراء فيما يتصل بالفعل: سيطر (Maîtriser)  الذي يبدو أنه يؤدي تماما معنى: (To master). غير أن التشابه في الشكل لا ينتج بالضرورة حقيقة المعنى أو القيمة.

    صحيح أن To hit تعني Frapper، و لكن نقول صدمنا و ليس ضربنا بواسطة سيارة أخرى؛ فعندما أقرأ بأن

 “سائقا متهورا ضربنا” أرى أن هذا السائق المتهور ينزل من سيارته ليمارس العنف على سائقي السيارات الأخرى. و في علاقة، دائما، بحوادث السير تقول الصحف إن فلانا أصيب بجروح عندما كان مسافرا في سيارة السيد (س)، فهذا الفعل سافر، أتى إلينا من)   ( To rideالذي كان من الممكن معادلته ب: أخذ مكانه / تواجد. أما في بعض الأحيان، فإن الأمر يتعلق بحادثة طيران بينما يتم الحديث عن “تحطم” A crach)).

    و الحال أنه إذا كان الفعل “تحطم” يمكن أن نستعمله بصدد الطائرة فإننا لا نتحدث عن تحطم طائرة. إذ يجب علينا أن نكتفي في الفرنسية بمصطلح يكون أقل إيحائية. و عليه نقول، و بكل بساطة، حادثة طيران، وهو ما يكافئ في اللغة  الإنجليزية حادثة جوية  Air Crash أو  تحطم طائرة  .Plaine Crash

   لماذا نرى هذه العبارة Air Climatisé في حين أن Climatisé  وحدها  كافية، ما دمنا لا نستطيع تكييف محل ما إلا بتكييف الهواء الذي ينتشر فيه. يمكن أن نؤكد و بقوة أن كلمة هواء air هاهنا لا تذكر إلا بسبب التعبير الانجليزي: هواء مكيف  Air condicioned ؛ لأنه في الإنجليزية تحتاج كلمة مكيف أي: Conditioned إلى أن تعدل بواسطة Air. غير أن كلمة  éClimatis  في الفرنسية يمكن أن تستغني عن هذا التدقيق. كذلك، يعود الفضل إلى الحرفانية في عبارة   Véhicules moteurs بالنسبة ل:  Véhicules automobiles و Chambre avec bain بالنسبة ل: .Chambre avec salle de bain أحيانا، يكون ميكانيزم الترجمة الخاطئ أقل وضوحا. فإذا

رأينا الفعل  Déménagerمردوفا بالعنوان الجديد فإن ذلك يعود إلى أننا ترجمنا بطريقة آلية الفعل To move  بالفعل déménager. أيضا، نحن هنا بصدد تعميم تعسفي كما هو الشأن بالنسبة ل  .To grantصحيح أن To move لها معنى تبديل المسكن كما في عبارة We are moving next week. لكننا لا ننتقل إلى مكان آخر و إنما نبدل المسكن في نفس المكان، أما في النصوص التجارية فإن الفعل transférer هو الذي يشير بصورة أفضل إلى تغيير عنوان مؤسسة ما. و الأمر الأكثر دهاءً هو عندما نقول “ضربت العاصفة إسطبلا” Lightning Strikes  عوض: سقطت فوق …

   منذ زمن يسير تأسف فيناي بينما كان يتحدث في برنامج  La parole est d’or (الكلام من ذهب)، و هو محق في ذلك، على ألا نقبل كلمة:  Sans profession (بدون عمل) كمقابل ل: Housewife (ربة بيت) في البيانات و الإحصاءات.

    أعتقد أن ذلك يعود فقط إلى كون الناس و بعض المترجمين ينفرون من استعمال مقابل لا يتوفر على نفس الشكل مثل التعبير المراد ترجمته. إننا نصر في طلب مقابلة اسم باسم و عبارة بعبارة. إن لنا انطباعا بأن ترجمة ذات بنية مختلفة لا يمكن أن تكون دقيقة. من هنا يتم تفضيل هذه الكلمة:     Ménagère التي لها نفس الوظيفة النحوية مثل :  House wife  أي “ربة بيت” و تؤدي معنى من معانيها. لكن، و في المقابل، لا يتم استعمالها في لغة الإدارة. فهذا مثال جيد على جبروت الشكل. إن العقل البشري يفضل الانقياد مع الشكل بدلا من معرفة ما يوجد و راءه. يعني جبروت الشكل جبروت المظاهر. وهكذا، فمنذ زمن، و الفلاسفة يدينون ما تنطوي عليه المظاهر من تضليل. لقد آن الأوان لنقوم بتطبيق ذلك على الترجمة.

   إن هذا النوع من الأخطاء هو الذي ينبغي أن نجعل المترجم المبتدئ يتحاشاه، و إنه لَدَاخِلَ درس الترجمة العامة حيثُ يمكن أن نعوده بكل سهولة على اكتشاف اختلاف المعاني تحت توازي الأشكال واختلاف الأشكال التي تناسب وحدة معنوية. بطبيعة الحال، سوف نشير و نحن نعالج هذا الأمر، إلى الحالات التي تكون فيها الترجمة الحرفية مقبولة من طرف الجميع، و هو أمر ليس مستغربا كثيرا. إن الشيء الأساس هو أن نبين أنه يجب الوقوف على الفكرة قبل أن ننتهي إلى الترجمة، أي أن نجعل الكلمات، بطريقة ما، في خدمة الفكر و ليس في خدمة كلمات أخرى. ينطوي الأمر هاهنا على عمل توجيهي و جب القيام به، بالضرورة، إذا أردنا أن يستوعب المترجمون حقا مهنتهم و أن يُفهِموها للآخرين.

   من المنطقي أن نبدأ بكلمات من قبيل تلك التي قمنا بفحصها أعلاه، و لِنَمُرَّ بعد ذلك إلى جمل تكون مقابلاتها الدقيقة ذات بنية مختلفة؛ و سوف يكون بوسعنا أن نمثل للمبدإ القاضي، في غالب الأحيان، بتغيير الشكل لتفادي تغيير المعنى. و كي نتناول دراسة الجمل، سيكون من الأفضل بدون شك تقديم الترجمة و القيام بتحليل النص الإنجليزي و النص الفرنسي على حد سواء على نحو يسمح لنا بتَبيان أن الثاني له نفس معنى الأول، و هذا على الرغم من أن الكلمات لا تترجم بصورة مفردة و أنها منتظمة داخل كل نص على حدة بطريقة مختلفة. يمكن إنجاز هذا التحليل بواسطة تقنية تقطيع وترقيم العناصر التي يتم استخراجها كما قدمنا أنا و فيناي أمثلة على ذلك في كتابنا: الأسلوبية المقارنة للفرنسية والإنجليزية .

  و هكذا يمكن أن نبرهن على أن: Pour de raisons indépendantes de notre volonté تتم ترجمتها بدقة كما يلي: لأسباب خارجة عن إرادتنا – For reason beyond our control؛ و أن: Faire preuve de mauvaise volonté ( أبان عن سوء نيته)، يمكن، في بعض الحالات، أن تتناسب مع To be unco operative. إجمالا، فإنه إلى جانب التبديل النحوي الذي يُؤدي إلى تبادل أقسام الكلام من لغة إلى أخرى باسم وحدة معناها، يوجد إبدال للكلمات يجعل من Co-opération في لغة أولى يوحي ب: حسن النية La bonne volonté  في لغة ثانية. و هذا لا يمنع من أنه، في بعض الحالات،Co-opération  تقابل Coopération.

  و كي ألخص هذا القسم من حديثي، يمكن القول إن الترجمة الحرفية[3]غير المراجعة تشوه لغة الوصول. و يحدث، كذلك، و أن تعرقل عملية الفهم. و في هذا المضمار، من المهم أن نبين بالارتكاز على أمثلة أن ترجمة كلمة بكلمة يمكن أن تؤدي إلى معنى مضاد. و هنا يندرج هذا المثال:  He is sure to comeو الذي تتم ترجمته ب: Il est sûr de venir ( من المؤكد أنه سيأتي). فإذا كان هذا النمط من الترجمة لا زال منتشرا بصفة موسعة فإن ذلك

  يعود بدون شك إلى سببين: فمن جهة، تستفيد النزعة الحرفية من حكم مسبق متشدد، أما من جهة أخرى فإن المترجمين يجدون أنفسهم، في غالب الأحيان، مجبرين على العمل بسرعة. و الحال أن الترجمة الحرفية تتطلب وقتا أقل من تلك التي نوصي بها والتي لابد معها من المرور من الفكرة قبل اختيار الكلمات في لغة الوصول. إن الجهل، أو بالأحرى عدم الدراية الكاملة بسيرورات العملية الترجمية و التسرع هما عدوَّا الجودة في هذا المجال. يجب أن نعلم هذه الأمور بطريقة تطبيقية مقدمين للمتعلمين تمارين قصيرة و دقيقة و متدرجة.

  عندما قام العقيد “بوڤاي” سنة 1948 بتكليفي كي أتدبر دروس الترجمة في جامعة ماك جيل (كندا)                  و بشراكة مع جمعية مترجمي مونتريال (كما كانت تسمى آنذاك)، بحيث أعددت مباراة للولوج  و تمارين للترجمة  في الاتجاهين معا (إنجليزي – فرنسي و فرنسي – إنجليزي ) على طول السنة و امتحانا في نهاية السنة، كنا قد راعينا مدى معرفة الناطقين بالإنجليزية للفرنسية، كفاية، و مدى معرفة الناطقين بالفرنسية للإنجليزية كفاية كذلك. بطريقة أخرى، كنا نريد أن نتيقن من أن كلا منهما له دراية جيدة باللغة الثانية. كنا قد تقبلنا حالا أن الطلبة يتحكمون جيدا في لغتهم الأم و أنه، زيادة على ذلك، ستسمح لنا التمارين المنجزة طيلة السنة بتقويم بعض العادات و توسيع أو تدقيق ما كانوا يعرفون من ذي قبل. بعد ذلك، جعلتني تجربتي و تأملاتي أرى المسألة على نحو مختلف. فكل ما تقدم وصفه أعلاه يبقى مقبولا لكن غير كاف. لقد توصلت إلى نتيجة مفادها أن الطالب في دروس الترجمة العامة لا يجب عليه فقط أن يتعلم كيف يترجم، بل كذلك، أن يتحسن في اللغتين المتواجهتين وبالتالي في لغته الأم. الحقيقة هي أننا نعتقد معرفة هذه اللغة لأننا لا نتذكر متى تعلمناها، لكن لازالت هناك العديد من الأشياء اللازم تعلُّمها. يأتي هذا الوهم من أننا نتكلمها بطلاقة و من دون أي مجهود يذكر؛ فبمجرد ما نُهُمُّ بالكتابة ندرك أننا نتردد حول العديد من النقط و أنه، في غالب الأحيان، يصعب علينا أن نَبْسُطَ كل ما نفكر فيه. صحيح أن نمونا الفكري و دراساتنا و مِهَنُنَا لها، كنتيجة، توسيع حقل نشاطنا اللغوي، غير أن هذا صحيح فقط فيما يخص جانب المعجم: إننا نعرف العديد من الكلمات لأننا نعرف العديد من الأشياء لكن دون أن يقلل هذا من قيمة التركيب في التدقيق و تأمين الدلالة.

    تبين التجربة أنه يجب أن نلاحظ الوقائع اللغوية و أن نقوم بالتفكير فيها إذا ما أردنا أن نأخذ بناصية هذه الأداة التي لا محيد عنها ألا و هي اللغة الأم، لغة التفكير و ليس فقط لغة التواصل.

     كما سبق و أن أشرت إلى ذلك في المقال الذي تمت الإحالة عليه سابقا، فإننا لا نبالغ عندما نقول إن المترجم يجب أن يعرف لغته جيدا مثله مثل الكاتب. إن هذا الكاتب ينتقي ما يكتب و يحق له أن يتحرك داخل حدود ضيقة. فنحن نعرف كتابا استطاعوا التعبير عما أرادوا التعبير عنه بعدد يسير جدا من الكلمات و الحيل.

     إن المترجم لا يختار الموضوع المطروح للمعالجة، ذلك أن أحدهم سبق و أن اختاره له وهو لا يدري أبدا موارده التي يستوجب عليه القيام باستدعائها في لغة الوصول كي ينقل فكرة لم يتدخل في إنتاجها بل يستقبلها و هي جاهزة. في هذه الحالة، يبدو أنه من الجيد أن يكون هذا دور التعليم من قبيل ذلك الذي نقوم به، نحن، عن طريق مساعدة التلاميذ، ليس فقط للتأقلم مع إواليات الترجمة و لكن كذلك لتدقيق معرفتهم باللغتين اللتين يستعملونهما، سواء كانواْ بصدد النصوص موضوع الترجمة أو بعيدا عنها. إن هذا الأمر يفرض تعليما موازيا لذلك المتعلق بالترجمة الخالصة.

     بلا شك، سوف نناقش أمر القيام بدروس منفصلة تتعلق بالنحو و علم الألفاظ و التي ستأخذ حصة الأسد من الغلاف الزمني الذي نتوفر عليه. لكن عوض أن نكتفي بتصحيح الأخطاء أو نقائص إحدى الترجمات، سيكون من الأنسب فيما يتعلق بالنص التركيز على قضايا النحو و المعجم التي تتم إثارتها. إن ذلك يفرض أن الأستاذ، وهو يقوم بتصحيح الأوراق، قد فكر في الأسباب التي تقف وراء الأخطاء المرتكبة. فهذه الأسباب تبين لنا بأن النص لم يتم فهمه بصورة حسنة. لكننا بالأحرى نفكر هنا في النقائص ذات الطبيعة النحوية أو المعجمية في مجال لغة الوصول. يتعلق الأمر بوجود ثغرة وجب سدها. و من أجل ذلك فإنه من المهم أن نُعيد من الأول تناول الحدث النحوي أو المعجمي الذي يقف وراء الخطإ المقوم. إن طريقة في العمل من قبيل هاته تفرض على الأستاذ أن يكون ذا فهم خاص للتعليم الذي يقدمه. إذ يجب عليه أن يختار ما بين الكيف والكم، فهو ملزم بأن يقوم بعمل أقل ودونما سرعة كي يكون هذا العمل منجزا بصورة معمقة.

    إذا كان من الصعب إعادة النظر في المسائل النحوية و المعجمية في دروس إضافية و مغايرة لدرس الترجمة الخالص، فإنه رغم ذلك يمكننا أن نفكر في تخصيص حيز من الوقت لشروحات النصوص أثناء عملية الترجمة. لا يمكن أن نقول أن الأمر يتعلق بتحليل أدبي بحيث يجب علينا، هاهنا، تحديد طريقة جديدة في الشرح يكون معها النص المدروس قابلا لكي يزودنا بمؤشرات ثمينة حول استخدام الكلمات و الحيل الفنية. بالمناسبة، يمكن أن نستعمل ما يمكن أن نسميه بالنصوص ذات الفجوات، يعني تلك النصوص غير المكتملة حيث يجب ملء فراغاتها عن طريق تحديد الكلمات الناقصة. و بالفعل، يجب أن نعتبر أن على المترجم، و بسرعة، تعبئة الكلمات التي يعرف و لكن لا يفكر فيها دائما. و عليه، فكل تمرين متعلق بالتعبئة تتم الإشارة إليه بصفة خاصة.

ob_dec2bb_13100790-10209153137130154-84022660611-1-1-1-1-2-1-1

    إن الاشتغال على النصوص من شأنه أن يفتح المجال أمام نوع آخر من الدراسة. فخطوة خطوة نضع في الحسبان أن أي مترجم دقيق يلزم نفسه بأخذ رؤوس أقلام تتعلق بالكلمات التي يصطدم بها، و أن يقوم بتفحصها، وبالقدر نفسه، في أسرع ما يمكن، استغلال نص ما و استخراج الكلمات التي تسمح بالتعبير عن كل ما يتصل بالموضوع الخاص الذي تتم معالجته في هذا النص. إننا نفكر، في المقام لأول، في المصطلحات التقنية، لكن يمكن أن نقف على تدقيقات أخرى من قبيل ما يتعلق بالنقط المفصلية في النص و كل ما يشكل جدليته.

   سواء أتعلق الأمر بتمارين الترجمة أو بعروض مختلفة سيكون هناك مجال، خاصة في بلد مثل كندا، لاستعراض مختلف أوجه “نَجْلَزَةِ” اللغة الفرنسية. إن فائدة هذه الدراسة تكمن في إرهاف حس اللغة الإنجليزية لدى التلاميذ مساعدين إياهم على تحاشي التعابير الاصطلاحية الإنجليزية. إن التجربة تبين، بالفعل، أنه من شدة العيش في احتكاك مع لغة أخرى نفقد، إن لم نحترس من ذلك، القدرة على التمييز بين الفرنسية الأصيلة والفرنسية المَشُوبَةِ. فالوعي بهذا الأمر يقدم نفسه كعلاج نافع جدا ضد التعابير الاصطلاحية الإنجليزي المخاتلة. فبمجرد ما يتمثل تلميذ ما الفرق بين:Supporter  و To support؛ بين  Agenda  بالفرنسية وAgenda  بالإنجليزية سيكون أقل احتمالا  أن يستمر في الخلط بين أصدقاء المترجم المزيفين هؤلاء و الذين يجب على الدراسة النسقية أن تشخصهم في برنامج أولائك الذين يستعدون للترجمة من الفرنسية إلى الإنجليزية أو العكس.

   نتبين من كل ما تقدم أن تدريس الترجمة، كما تم فهمه منذ أن وُجد، يمكن تعديله بحيث يكون في الوقت نفسه متنوعا وناجعا. إن هذا التوجه الجديد يستلزم، أساسا، الاعتراف بأن المترجمين يستعملون موارد اللغتين كليهما وأنهم غير جاهزين، بما فيه الكفاية، مادام أن الفرصة لم تُتَحْ لهم للتفكير في اشتغال اللغات التي ينتقلون من إحداها إلى الأخرى.

*اقترن ذكر هذا العالم في الترجميات باسم عالم آخر في نفس المجال هو  جون بول دو فناي و هما كنديان تركا لنا كتابا يعتبر لبنة كبرى في مجال الدراسات الترجمية المعاصرة و عنوانه هو: “الأسلوبية المقارنة للغتين الفرنسية و الإنجليزية” و قد نشر في سنة 1958. هذا بالإضافة إلى مقالات عدة منشورة بمجلات محكمة في هذا المجال مثل مجلة “ميتا” الكندية و التي أُخذت منها هذه الدراسة التي أتينا على ترجمتها أعلاه. (المترجم).

**كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية – الدار البيضاء – المغرب.

[1] كاتب، شاعر، فقيه لغة و مترجم م فرنسي متنور. عاش بأورليانز في عهد فرانسوا الأول و أعدم بباريس سنة 1544 ميلادية بسبب ترجماته المتحررة لنصوص دينية و نظرا لنزعته البروتستانتية التي أحرجت رجال اللاهوت المتزمتين في عصره. (المترجم).

[2]  كذلك، تشكل “التعابير الاصطلاحية” أو “المتلازمات اللفظية” أو “التعابير المسكوكة” صعوبة جمة بالنسبة للمترجمين لا لشيء إلا لأنها وليدة ثقافة خاصة و بالتالي لا يوجد حل سحري للسيطرة على هذه الصعوبة إلا القراءة و البحث التوثيقي الذي يجب أن تقوم به الذات المترجمة مع سبق الإصرار و الترصد ! ( المترجم).

[3] هي نزعة في الترجمة يسعى من خلالها المترجم إلى الالتصاق المعيب بالنص، و هو ما قد يسقطه، في غير ما مناسبة، في المحظور. و أحب أن أسميها ب: “المرامزة” أو “النقحرة” أي النقل الحرفي. أما ضدها فيسميه داربيلني و فيناي في أسلوبيتها ب: “الترجمة المنحرفة أو المائلة”. (المترجم).
_______

[1] هذه أقدم دراسة أترجمها إلى حد الآن بحيث لها من العمر 48 سنة. أتشرف بنقلها إلى اللغة العربية لأول مرة، و ذلك حسب الاستقصاء الذي قمت به. أما عنوانها الأصلي فهو:Réflexions sur la formation générale du traducteur. وقد صدرت سنة 1966. (المترجم).

[1] كاتب، شاعر، فقيه لغة و مترجم م فرنسي متنور. عاش بأورليانز في عهد فرانسوا الأول و أعدم بباريس سنة 1544 ميلادية بسبب ترجماته المتحررة لنصوص دينية و نظرا لنزعته البروتستانتية التي أحرجت رجال اللاهوت المتزمتين في عصره. (المترجم).

[1]  كذلك، تشكل “التعابير الاصطلاحية” أو “المتلازمات اللفظية” أو “التعابير المسكوكة” صعوبة جمة بالنسبة للمترجمين لا لشيء إلا لأنها وليدة ثقافة خاصة و بالتالي لا يوجد حل سحري للسيطرة على هذه الصعوبة إلا القراءة و البحث التوثيقي الذي يجب أن تقوم به الذات المترجمة مع سبق الإصرار و الترصد ! ( المترجم).

[1] هي نزعة في الترجمة يسعى من خلالها المترجم إلى الالتصاق المعيب بالنص، و هو ما قد يسقطه، في غير ما مناسبة، في المحظور. و أحب أن أسميها ب: “المرامزة” أو “النقحرة” أي النقل الحرفي. أما ضدها فيسميه داربيلني و فيناي في أسلوبيتها ب: “الترجمة المنحرفة أو المائلة”. (المترجم).
____

جون داربيلني  (كيـبيــك)،                                                                    مجلة ميتا، المجلد 1،

     العدد 4، دجنبر 1966.

شاهد أيضاً

فَلْسَفَةُ الفَنِّ .. مُقَدِّمَةٌ فِي رَاهِنِ الدِّرَامَا العَرَبِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدكتور بليغ حمدي إسماعيل لا يختلف اثنان لا ثالث لهما في أن الدراما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *