الرئيسية / فكر / الفلسفة في الجزائر لم تعد رهينة الأيديولوجيا

الفلسفة في الجزائر لم تعد رهينة الأيديولوجيا

الجزائر – تحظى الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية بسمعة طيّبة منذ تأسيسها في نوفمبر 2012، إذ نظمت العديد من الندوات على مستوى الجامعات وتُصدر مجلة نصف سنوية بعنوان “مجلة دراسات فلسفية” (صدرت منها سبعة أعداد)، وأشرفت على إصدار تسعة عناوين أغلبها رسائل دكتوراه جادّة، كما أصدرت كتبا تتضمن الأوراق المقدَّمة في ملتقياتها الدولية لتكون في متناول القارئ.

وعن أسباب إطلاق هذا الفضاء المعرفي الذي بدأ نشاطه الفعلي في العام 2013 وأصبح له 40 مكتبا في أنحاء الجزائر، يُؤكد رئيس الجمعية عمر بوساحة أنّ الجمعية تهدف إلى تعريف المثقف بأهمية الفلسفة في التعاطي مع الشأن العام وقضايا المجتمع المُلحّة، ومحاولة الوصول إلى المواطن العادي عبر المنشورات والندوات والملتقيات، التي تبتعد عن المغالاة في التجريد اللُّغوي والجانب العلمي الصرف للفلسفة.

وأكد بوساحة، الذي يعمل أستاذا للفكر الجمالي بجامعة الجزائر2 ومديرا لمخبرالجماليات، أن الجمعية تنشد فتحَ حوار مجتمعيّ تكون فيه الفلسفة الأداة المثلى للتعاطي مع المستجدّات المستعصية على الحل، حتى وإن كان بوساحة يرى أنّ الدرس الفلسفي في الجزائر مازال متخلّفا عمّا تمّ تحقيقه في تونس والمغرب على سبيل المثال، بالرغم من أنّ الجزائر رسمت تدريس الفلسفة منذ السنوات الأولى لاستقلالها مطلع ستينات القرن الماضي.

وحول واقع الدرس الفلسفيّ في الجامعات الجزائرية، يوضح بوساحة في حديثه، أنّ استراتيجية التعليم المعتمدة هي التي أوجدت نوعا من “عدم المبالاة بالفلسفة”، خاصة مع النظرة الاستعلائية التي كان يُنظر من خلالها إلى طلبة العلوم الإنسانية والمعاملة التفضيلية التي تبدأ عادة من مراحل التعليم الثانوي، حيث يُوجّه الطلبة أصحاب المعدلات العالية إلى العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء، بينما يُدفع بالطلبة أصحاب النتائج الضعيفة إلى التخصُّصات الأدبية.

ويرى رئيس الجمعية أن الكارثة التي حدثت عبر هـذه المسيرة، هي “أن الثـورة الصناعية والزراعية التي سطرتها الجزائر خلال السبعينـات والثمـانينات من القرن الماضي فشلت هي الأخرى، ويعود ذلك إلى أنّهـا لم تُعطِ الأهمية الضرورية للعامل البشري”.

ويُضيف بوساحة أنّ من بين الانتقادات الأساسية التي تُوجّه للثورة الجزائرية التي حرّرت الإنسان والأرض وصُدّرت إلى الكثير من دول العالم الثالث قيمَ التحرُّر، فشلها في مرحلة بناء الدولة الوطنية، “ربما لتخلُّفها في إرساء منظومة حقيقية مواكبة لتطلُّعات الإنسان الجزائري”.

ويلفت عمر بوساحة إلى أنّ الفلسفة في الجزائر ظلّت في سبعينات القرن الماضي رهينة الأيديولوجيات الضيّقة خدمة لرؤى سياسية معيّنة، أمّا في مرحلة التسعينات فاستعادها المتديّنون، وبالتالي لم تكن الفلسفة في يوم من الأيام “مستقلّة بنفسها كدرس خالص”.

وعن مستقبل الفلسفة في ظلّ هذه الظروف الحرجة التي تمرُّ بها الجزائر، يعتقد بوساحة أنّ “الغد يُبشّر بالخير”، ليس بالنسبة إلى الفلسفة فقط ولكن بالنسبة إلى الكثير من القطاعات، خاصة مع ظهور جيل جديد من الفلاسفة الجزائريين، ناهيك عن الاهتمام الذي صارت تلقاه الفلسفة حتى من خارج إطارها الطبيعي لدى الأطباء والساسة ورجال الأعمال.

وعلى هذا الأساس يؤكد بوساحة أنّ الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية ليست قلقة لأنّها تشتغل مع الكثير من القطاعات دون تضييق أو حجر على الأفكار والقناعات، وأنّها كذلك تلقى أشكالا مختلفة من الدعم والمساندة لتحقيق أهدافها عبر لفت انتباه المجتمع الجزائري إلى ضرورة وجود فكر نقديّ مؤسّس على التفلسف البنّاء للتطور وتحقيق الأفضل.

ويكشف بوساحة أنّ التحضير جار لتنظيم المؤتمر السنوي للجمعية بتاريخ 26 أبريل المقبل، وسيكون موضوعه حول واقع الدرس الفلسفي في الجزائر، بالشراكة مع وزارة التربية الوطنية. ويرتكز المؤتمر على فكرة ضرورة تدريس الفلسفة لا كمادة ولكن كوسائل وأدوات تفكير تُساعد على التفلسف لتكـوين رأي إزاء القضـايا المجتمعية المختلـفة.
____
*العرب

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *