الرئيسية / خبر رئيسي / مشكلات مهرجان القاهرة السينمائي لا تنتهي
_95905_cing

مشكلات مهرجان القاهرة السينمائي لا تنتهي

*أمير العمري

لست مع الذين يتشدّدون في القول إن اختيار أفلام المهرجان يجب أن يقتصر فقط على “لجنة المشاهدة والاختيار”، وأنه على إدارة المهرجان أن تلتزم باختيارات اللجنة دون مناقشة، بل أنا مع الرأي القائل إن الكلمة الأخيرة في تقرير ما يعرض وما لا يعرض تكون عادة للمدير الفني، وهو المتبع في كل المهرجانات الكبرى في العالم، فهو المسؤول الأول والأخير عن البرنامج، وله أن يلجأ إلى المتخصصين والخبراء، داخل الدولة التي تنظم المهرجان أو خارجها، وأن يشكل لجانا متخصصة للمشاهدة والترشيح.

في هذه الحالة تظل مهمّة هذه اللجان وهؤلاء الأشخاص المتخصصين استشارية فقط، أي تقتصر على ترشيح ما تراه مناسبا من أفلام، وليست ملزمة، فالمدير الفني هو الذي يتحمل المسؤولية أمام الرأي العام السينمائي في العالم.

وكلنا نعرف مثلا أن تيري فريمو، المدير الفني لمهرجان كان، هو المسؤول الأول والأخير عن البرنامج الرسمي للمهرجان الكبير، وهو الذي يتصدر اسمه مطبوعات المهرجان الرسمية، ولكننا لا نعرف شيئا عن لجان الاختيار والمشاهدة، ولا عن أسماء أعضائها ومن هم، وهي لجان قد تقترح مثلا 30 فيلما ترى أنها تصلح للمشاركة في المسابقة الرسمية، غير أن الرأي النهائي يرجع للمدير الفني وحده الذي يمكنه أن يختار منها 20 فيلما أو يأتي بأفلام أخرى من خارج اختيارات لجنة المشاهدة أحيانا في اللحظة الأخيرة، كما يحدث كثيرا، بضمان اسم مخرج الفيلم، الذي يكون قد انتهى لتوّه من إنجاز العمليات التقنية النهائية لفيلمه، ويأتي به إلى المهرجان، ربما دون أن يكون أحد قد شاهده!

اختيار الأفلام

برنامج الأفلام بمهرجان القاهرة السينمائي الأخير، كان يتضمن الكثير من الأفلام الجيدة، كما لفت نظري توفر الترجمة العربية على عدد كبير من الأفلام، وهي مسألة يحجم عنها معظم مهرجانات السينما في العالم العربي، التي إما أنها تفضل الإبقاء على “فرانكفونيتها” وإما تكتفي بالإنكليزية.

هنا لا بد من القول إن المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي، الناقد والخبير السينمائي، يوسف شريف رزق الله، يتحمل مسؤولية اختياراته، سواء من الأفلام المصرية التي شاركت داخل وخارج المسابقة، أو الأفلام الأجنبية، وهو ما أقر به بعد أن أعلن بالفعل مسؤوليته عن اختيار الأفلام ولجنة التحكيم الدولية، كما يتحمل مسؤولية اختيار مساعديه، وليس من الممكن لأي مدير فني لمهرجان سينمائي يحترم نفسه أن يقبل إلاّ بصلاحيات كاملة في هذا المجال.

قد يكون تشجيع الشباب الجدد الوافدين إلى حقل العمل المهرجاني أمرا مرغوبا، حيث أنه لا بد من تدريب أجيال جديدة على فن إدارة المهرجانات، شريطة أن يكون الشاب الذي يقع عليه الاختيار من بين الكثير من الراغبين في اكتساب المعرفة والخبرة ويتمتع بنوع من الثقافة السينمائية، والأهم، أن يتمتع بالنزاهة والاستقامة الأخلاقية في تحكيم المعايير الفنية لترشيح الأفلام والشخصيات التي تشارك في المهرجان.

ولا يكون منغمسا في “بيزنس” السينما نفسه، الإنتاج والتوزيع والعرض، وينتقل بين النقد السينمائي والترويج، ومن كتابة السيناريوهات إلى الإنتاج، ومن مجال الإنتاج إلى العمل بالمهرجانات، وهو ما قد ينعكس على ترشيحاته التي ربما تكون موظفة لخدمة “مصالح” خاصة لدى شركة إنتاج بعينها. فالناقد الذي يعمل لمهرجان سينمائي يجب أن يتمتع بالمصداقية والحيادية قبل المعرفة السينمائية وإجادة “العلاقات العامة”.

في المقابل، ما الذي يجعل مهرجان القاهرة لا يرقى إلى طموحات القائمين عليه وتوقعات النقاد والجمهور وعشاق السينما في مصر؟

الحقيقة أن السبب الأساسي يرجع إلى تلك الهيمنة الطاغية من جانب أجهزة الدولة، وأولها وزارة الثقافة المصرية التي عجزت طوال أربعين عاما عن فهم طبيعة ودور مهرجانات السينما وفن صناعة المهرجانات السينمائية بعيدا عن الدعاية لسياسات الدولة.

هذه الأجهزة، الأمنية والأخرى المتدثرة بثياب الثقافة، تحظر الآن عرض أفلام من تركيا وإيران، لأن مصر الرسمية على خلاف سياسي مع هذين الدولتين، وهي لا تمنح تأشيرات دخول لعدد كبير ومتزايد من السينمائيين، سواء من هذين البلدين أو من بلدان أخرى عربية دون إبداء الأسباب، حيث يجد المهرجان نفسه خاضعا لهذا التدخل السياسي الأمني دون أن يملك له دفعا.

كما أن هيمنة بيروقراطية وزارة الثقافة تجعل من المهرجان “مناسبة” (أو ‘سبوبة’ بالعامية المصرية) لعدد كبير من الموظفين الذين يمكنهم عرقلة تمرير أي ورقة من المطلوب تمريرها إداريا لصرف مبلغ ما من المال لتغطية نشاط ما، دون أن يحصل على مكافأة من ميزانية المهرجان، رغم أن هذا الموظف وغيره كثيرون، يؤدون عملهم الأصلي الذي يحصلون منه على رواتبهم من الوزارة.

المشكلة الأساسية قائمة منذ تأسيس هذا المهرجان، فلا هو مؤسسة حكومية رسمية، أي جزء من وزارة الثقافة، ولا هو مؤسسة أهلية مستقلة عن الحكومة. وقد فشلت تجربة تحويله إلى إحدى جمعيات المجتمع المدني في عهد وزير الثقافة عماد أبوغازي في أعقاب ما عرف بـ”ثورة يناير 2011”، التي كانت تبشّر بتغيير الكثير من الأسس البيروقراطية الراسخة قبل أن تنتكس تحت ضغط التطورات السياسية في مصر.

والحقيقة أن المناخ العام القائم حاليا في مصر، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، هو مناخ يشوبه التوتر والقلق وعدم الاستقرار، باعتراف القيادة السياسية نفسها التي ترى وتردد أن مصر تخوض حربا شرسة ضد أعداء كثيرين يستهدفونها من كل جانب، وهو ما يكرّره الإعلام الرسمي ليلا ونهارا، الأمر الذي يجعل من إقامة مهرجان سينمائي دولي كبير في العاصمة المصرية أمرا مستحيلا، بل إن حدثا كهذا يبدو شاذا وغريبا في أنظار الكثيرين داخل مصر، ويتم تجاهله كثيرا من جانب الجمهور العام “الشعبي”، بعد أن أصبح هذا الجمهور مهموما أكثر بكيفية التغلب على أزمته الاقتصادية الطاحنة التي تزداد قسوة يوما بعد يوم.

تقام مهرجانات السينما عادة في مناخ يتمتع بالاسترخاء، حيث يشارك جمهور المهرجان وضيوفه في الاحتفال بالسينما، والاستمتاع بالأفلام ومخرجيها ونجومها، وهي مناسبة تتحول خلالها المدينة التي تنظم المهرجان إلى عيد أو احتفال كبير بديع يشارك فيه السينمائيون والنقاد والجمهور، بل وحتى مع تصاعد التهديدات الأمنية لاستهداف بعض المهرجانات الشهيرة مثل كان وفينيسيا، لم تصل الإجراءات الأمنية إلى مثل ما وصلت إليه في مهرجان القاهرة.

فالسيارات تخضع أولا للتفتيش، هذا إذا سمح لها أصلا بالمرور داخل نطاق دار الأوبرا، حيث تقام معظم فعاليات المهرجان، ثم يخضع الشخص الراغب في دخول حزام المهرجان لإجراءات أخرى عند مروره بالبوابة الداخلية. كما تخضع حقائب اليد للمرور عبر أجهزة الكشف والفحص الإلكترونية، وهو أمر مفهوم بالطبع في ظل حالة التوتر القائمة، لكن ما ليس مفهوما أن يخضع نفس الشخص مرة أخرى لنفس الإجراءات أمام كل قاعة من القاعات التي تعرض الأفلام.

من الظواهر الثابتة السلبية أيضا، ليس في مهرجان القاهرة السينمائي وحده، بل في كل مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي، “إرغام” ضيوف المهرجان وممثلي الصحافة المحلية والدولية ونقاد السينما، على الحصول على بطاقات لحضور الأفلام مثلهم مثل جمهور المهرجان الذي يشتري البطاقات، أي ببساطة، خلط الضيوف والصحافيين بالجمهور العام في عروض المهرجان، وهو ما يتسبب في خلق مشكلات كثيرة، على رأسها عدم استطاعة الكثير من الضيوف مزاحمة الجمهور لمشاهدة أفلام معينة.

والمسألة هنا لا تتعلق بالطبع، بالإمكانيات المادية، ففي أكبر المهرجانات العربية، وهو مهرجان يتمتع بميزانية تبلغ عشرين ضعف ميزانية مهرجان القاهرة، تتبع السياسة نفسها، وكأن المقصود تعذيب النقاد والضيوف.

وحتى مهرجان قرطاج السينمائي الذي أكمل 50 عاما على مولده، والذي يقال إنه يتشبّه بمهرجان “كان”، لم يحدث في أي دورة من دوراته أن خٌصصت قاعة واحدة من قاعاته لضيوف المهرجان من السينمائيين والنقاد وممثلي الصحافة المحلية والدولية، وهو الجانب الذي يحظى بأولوية كبرى في مهرجانات العالم الشهيرة الكبرى وعلى رأسها مهرجان “كان”، بل إن هذه المهرجانات تخصص أيضا برنامجا خاصا لهذه العروض، يشمل كل أفلام المسابقة مع أهم الأفلام التي تعرض خارج المسابقة.

المشكلة إذن أننا لا نتعلم ولا نريد أن نتعلم، ومهرجان القاهرة تحديدا يمكنه حل هذه المشكلة بكل بساطة بتخصيص قاعة العرض في “مركز الإبداع” لعروض الصحافيين والضيوف، وأن يجعل الدخول بالبطاقات فقط، وهذا هو معنى تخصيص بطاقات صحافية أو بطاقات للضيوف، وإلاّ فما الفائدة إذا كان الصحافي يزاحم الجمهور وتكون الأولوية دائما للجمهور، لأنه سيدفع ثمن ما يشتريه من بطاقات، بينما الناقد ينتظر ليتسوّل بطاقة لحضور عرض ما، إلى أن يقال له إن “التذاكر بيعت بالكامل“!.

غياب النجوم

أشار كثيرون إلى رداءة الصورة على شاشات قاعات العرض الموجودة بمسارح الأوبرا المصرية التي لم تنشأ أصلا كدور للعرض السينمائي، وبالتالي لم يتم تجهيزها بالأجهزة الحديثة الملائمة للعرض السينمائي والصوت، بل يتم استئجار هذه الأجهزة بمبالغ كبيرة، وميزانية المهرجان الهزيلة أصبحت حاليا لا تتجاوز كثيرا النصف مليون دولار، وهو مبلغ لا يكفي فقط لشراء هذه الأجهزة.

كما يلوم الكثيرون على المهرجان غياب المشاهير من نجوم السينما، رغم ما يعرف عن أن حضور النجوم إلى مهرجانات تقام في مصر وغيرها من بلدان العالم العربي، يقتضي حصولهم على مبالغ مالية كبيرة، فمصر ليست سوقا كبيرة لتوزيع أفلامهم، وما يعرض من أفلام في المهرجان لا يجد طريقه بعد ذلك إلى دور العرض المصرية، ودور العرض نفسها محدودة العدد، والتشريعات السينمائية الوطنية تخصص المساحة الأكبر للسينما المحلية، وهكذا سنظل ندور في دائرة مفرغة!

إن حل مشكلة مهرجان القاهرة السينمائي، وهي مشكلة مزمنة بدأت منذ نشأته وليست وليدة الدورة الأخيرة، ليس كما يقترح أحدهم بالاستعانة بـ”خبير أجنبي” على غرار ما يحدث في فرق ومنتخبات كرة القدم، فالخبراء موجودون ولكن ما فائدة الخبرة إذا كانت أجهزة الدولة القائمة العتيقة المترهلة، ترفضها وتستبعدها، أو تشلّها شللا تاما بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بما تفرضه من قيود تتنافى مع فكرة المهرجان السينمائي أصلا.

الحل يبقى إذن مرهونا بتغير المناخ العام في مصر، وتغير بنية المؤسسات القائمة وتخليص المهرجان من الخضوع لوزارة الثقافة المصرية، مع تمويله من جانب الدولة دون التدخل في شؤونه،

وتشكيل فريق فني يكون مرتبطا بثقافة المهرجانات، وليس بهدف تحقيق التوازنات وإرضاء بعض الشلل والتجمعات السينمائية “المافياوية” الطابع، التي تتحكم في سوق السينما السائدة.. الرديئة على أي حال!
___
*العرب

شاهد أيضاً

maxresdefault

في الحاجة إلى الغير .. قراءة فلسفية في فيلم Cast Away

خاص- ثقافات *أحمد العطار كلاكـيت أول: السينما و الفلسفة         تأخد علاقة السينما و الفلسفة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *