الرئيسية / فنون / «أيام لا تُنسى» … مقاربة فنيّة للأحزان السوريّة

«أيام لا تُنسى» … مقاربة فنيّة للأحزان السوريّة


*أمين حمادة


يرفض الفنّان أيمن زيدان في الفن مبدأ آدم سميث الرأسمالي «دعه يعمل دعه يمر»، والاستكانة لأعذار الظروف الجارحة في عدم تقديم دراما عالية المستوى، بل على العكس، يرى في زمن المأساة موجباً لدراما أفضل، وفق مبدأ الوجع يخلق الإبداع. يختار لمقاربة الأزمة السوريّة نص فايزة علي التلفزيوني «أيام لا تنسى»، المقتبس عن رواية «ألف شمس ساطعة» لخالد الحسيني (2007) حول الحرب الأفغانية وما خلّفته في روح الإنسان الذي عاناها، لكن مع تقليم بعض الخطوط والتفاصيل كالتي تدل على إثنيات الأبطال وما يترتب عليها من صراعات، والأهم «سورنة» القصة والأحداث إلى درجة الأصالة في العمل الذي يختاره رابع تجاربه الإخراجية عمداً. على الأرجح هي المسؤولية للحد من رداءة فنية دخيلة، تستفزه كأحد الآباء الروحيين للدراما السورية المعاصرة. يقول زيدان في نهاية العروض الدرامية في الموسم الأسبق (2015): «بما أن المستوى المعرفي والخبرة الحياتية والجمالية لم تعودا شرطاً أساسياً للمخرج التلفزيوني، أؤكد أن أبواب الإخراج باتت مشرعة أمام كل التقنيين(…). الأمية هي التي ستقود درامانا إلى المقصلة».
يبدأ الرمز في «أيام لا تنسى» منذ اللحظة الأولى من العمل الميلودرامي، في الشارة التي تضع أبطاله أوراقاً معلقةً في شجرة واحدة، أياً يكن ما ترمز إليه الشخصيات التي يجسدونها باختلافاتها الطبقية والمعرفية، هي تنبت وتكبر من الأرض ذاتها حتى تصل إلى الثمر المتساقط الآن. ويستمر في الاستناد إلى بيئة وحاضنات عائلية لشخصيات «مريم» (حلا رجب) و «دينا» (ديمة قندلفت) و «ليلى» (رنا كرم) المحورية، عبر أحداث تمتد منذ عام 1990 حتى الزمن الحالي. وتبدو للوهلة الأولى معبرة عن قصص هذه الفتيات وانكساراتهن المحضرة قبل ولادتهن، لتضربهن في حياتهن، لكنها في البعد الآخر تشير إلى جزء من صيرورة جوانب أوسع من المجتمع السوري قبل الارتطام بالأزمة التي سار إليها بمقدار ما أتت إليه، فهي قصص كل الشخصيات بالدرجة الأولى لا قصة الفتيات، فمن حولهن الرموز واضحة: الأب الخاضع لجشع زوجته «وحش المال» من دون أن يتصدى لها في لحظة مواجهة كان من الممكن أن توفر الكثير من ألم المستقبل، والأخ المتهاوي في التعصب والتطرف الديني، والجار الوصولي، والحبيب «التقدمي» والمنفتح ولكن من دون أفق.
وتعيش هذه الشخصيات أسباب الأزمة، وتعانيها أيضاً كما الرواية الأصلية، مع معالجتها الانعكاسات على الإنسان فيها درامياً لا بالطرح المباشر والوعظ الذي تقع فيه معظم الأعمال التي قاربت الأزمة. ومن الحوارات: «أديش بدن ولادنا ليشفوا من هالحرب، وفوق كل هاد الوحوش لي كبرت على خوفنا»، و «الكل عم يقتل وينقتل والوطن عم يضيع»، و «لازم شنطنا تكون معباية لما نضطر نسافر»، و «كلياتنا مسؤولين». في هذه المشاهد يبدو زيدان مستمتعاً بنحت التفاصيل على قدر ألمه. مثلاً، عراك شقيق «ليلى» المتطرف مع حبيبها فسقوط الكتاب على الأرض، وانتهاء «أبو سعيد» (محمد حداقي) من الصلاة للانقضاض على فريسته التالية، ودخول «مريم» بنفسها إلى داخل الخزانة كرد فعل لسجن تفرضه أمها «نورا» (روبين عيسى) عليها، علماً أن سلوك الوالدة هو رد فعل أيضاً لظلم تكتوي به، في مشهدية متعمدة لربط النتيجة بالسبب والسير بالشخصيات معهما في حقبة عمرية طويلة، يحقق فيها زيدان قفزات زمنية بسلاسة كدخول «مريم» إلى الكوخ وخروجها أكبر سناً، وتنافي مأخذ «النقد السياسي» كـ «ظهور تنظيم (داعش) فجأة في المشهد»، فدخوله توطئ له الأحداث كافة التي سبقته بأمانة فنية، وإن في شكل غير مباشر، في البداية والنهاية العمل درامي وليس توثيقياً، بخاصة أن زيدان أعطى تفاصيل كل حقبة حقوقها في المشهدية، من الزورق الورقي والأرجوحة في مشاهد نوستالجية، إلى ألم إعدام التنظيم الإرهابي أباً أمام عيني طفله. ولا يحرم كل ما بين السطور، العمل من الحكاية الإنسانية البحتة التي تقدم وجهات نظر مختلفة عن الحب، من نفيه بنظر بعض الشخصيات كـ «نورا»، إلى اعتباره الحل في رأي «ليلى»، وحتى بمعاناة عدم معرفة ما هو عند «مريم»، ورحلة البحث عنه لدى «دينا».
ومن ناحية أداء الممثلين، يتميز محمد حداقي بخلق وجوه مختلفة لـ «أبو سعيد» الذي يستطيع إثارة الضحك والاستفزاز والاحتقار في آن، مسخراً من الأدوات الداخلية والخارجية ما لم يسخره ممثل آخر في العمل، مع مشهد رقصه لـ «مريم» ترفع له القبعة. كما تجسد روبين عيسى وحلا رجب دورين يعتبران من الأهم في مسيرتهما الفنية، بانضباط كامل لممثل يكسر الجدار الرابع مع المشاهد، فعلى رغم ألم وسوداوية وبكاء الشخصيتين، يدعوان الجمهور للتفكير بما تطرحانه بالتوازي مع الاندماج معهما. وتستطيع ديمة قندلفت تحويل المأخذ بإسناد شخصية أصغر من سنها لها، إلى فرصة جديدة لإثبات علو كعبها، فتوأمت مع «دينا» من حيث الشكل واللباس والحركة والأداء في كل مرحلة عمرية لها. مثلاً، حتى طبقة صوتها تغيرت من مرحلة الشهادة الثانوية إلى مرحلة ما بعد التخرج. وحدها سوزان نجم الدين لم تستطع إظهار الجانب الآخر للشخصية التي بدت كأنها شر مطلق، من دون إقناع بالألم الذي سببته خيانة زوجها لها على رغم الحوارات التي هيأت لها الفرصة لذلك.
ويثبت التمعن في فضاء العمل المكاني، عدم ترك زيدان مجالاً للمصادفة في «أيامه» أو أي ابتذال للإبهار البصري. مثلاً، منزل «نورا» المنعزل في طبيعة خلابة مرتبط في شكل وثيق بالنص. يفضل والد مريم (وائل رمضان) النهر على البحر لأنه أكثر أماناً، لكن طليقته تقضي نحبها فيه. ويدعم زيدان بمواقع التصوير حوارات فايزة علي، كاعتماده على جمال المنظر في حوارات تقول: «مو مهم الأماكن تكون حلوة المهم الناس لي ساكنينها تكون روحهم دافية»، لعله أراد أن الأزمة ليست في المكان والزمان، فهي بدأت سالفاً، بل هي أزمة الروح في هذا المجتمع المنفصم.
______
*الحياة

شاهد أيضاً

أفلام الحرب على العراق …هل تغيرت سينما البروباغاندا؟

خاص- ثقافات *أحمد ثامر جهاد في حوار استثنائي بين القناصين الغريمين يشير القناص العراقي في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *