الرئيسية / مقالات / البطالة المقدسة

البطالة المقدسة


*خيري منصور


رغم اقتصار دلالة البطالة على المجال الاقتصادي وبالتحديد ما له صلة بالعمل، إلا أن لهذه المفردة دلالات تشمل ما هو أعمق وأبعد، فهي أحيانا اسم مستعار بهدف التضليل لكل ما من شأنه ان يبطل المفاعيل على اختلاف مجالاتها، وبقدر ما هي سلبية في دلالتها المباشرة والسياقات التي ترد فيه، إلا انها تكتسي قداسة غامضة حين تصبح كسلا مشروعا، واستقالة طوعية من الحياة، وهناك من ينسبون إلى ثائر محترف عبارة قال فيها إن هدف الثورة هو الدفاع عن حق الإنسان في الفراغ، ولو افترضنا أن تلك المقولة صحيحة النسب، فإن تأويلاتها تتجاوز ما أراده تنابلة السلطان، والفراغ المنشود هنا ليس مكرسا للتثاؤب أو حلقات النميمة، بل للقراءة ومشاهدة المسرح والحق في التأمل، لأن العمل اليدوي يكون أحيانا مضادا لمفهوم العمل الخلاق، خصوصا حين تحكمه العادة والرتابة ويحل فيه الروبوت مكان الدماغ .
ويروى عن إرنست همنغواي أنه اعتذر لأحد جيرانه عن استقباله بسبب انشغاله رغم أنه كان ممددا باسترخاء على أريكة في الحديقة، لكنه استقبله في يوم آخر رغم انهماكه في العمل وهو يشذب أشجار الحديقة وينتزع العشب الفائض منها، واعترف جار همنغواي بعد تلك الحادثة بأن مفهوم العمل لديه قد تغيّر، وأدرك للمرة الأولى أن التفكير والاستغراق فيه هو عمل بامتياز وإن كان عرق الجهد لا يرشح من الجبين بل من الروح!
إن البطالة في أشد أبعادها سلبية هي احتضار بطيء، بل تماوت يشبه تماوت البعير إذا قرر أن ينجو ويستريح، ومن المعروف عن التنابلة، كما وردت حكاياتهم في تراثنا الشعبي، إنهم كانوا لا يطردون الذباب إذا استقر فوق أنوفهم، ولا يهشون بالعصا على حيوان تصطلي جباههم من زفيره الكريه.
وهناك حالات كالتي يروي بعضها ابن إياس في بدائع الزهور عن رجال ونساء فقدوا القدرة على الدفاع عن أطفالهم في المهود لأن الشلل الرباعي تسلل من الروح إلى الأعضاء والبدن، وقد تجد هذه البطالات من يصنفها في خانة المدنس، والمكروه وأحيانا المحرّم، لكن هناك بالمقابل بطالة تحتكم إلى منطق آخر، وتستمد شرعيتها من ثقافة تزاوج بين الجهل المقدس كما يسميه أوليفييه روا وبين البطالة المقدسة، بحيث يكون الحصاد هشيما تكفي شرارة لأن يتحول إلى كثبان من الرماد.
أما المفارقة في هذا السياق فهي أن البطالة المقدسة تزهو على العمل حتى لو كان خلاقا بأنها خير سبيل لتجنّب الوقوع في الخطأ، لأن الموتى لا يخطئون، والخطأ امتياز بشري حميم، دافع عن حق الإنسان فيه رسل ومصلحون وقضاة، لهذا كانت التوبة هي الاستدراك، والمقولة اليسوعية، من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، هي اعتراف بأن البشر خطاؤون، ذلك لأنهم يفكرون ويحاولون، وأخيرا لديهم فضيلة الاعتذار لأنهم انفردوا عن كل الأحياء بما يسمى الذاكرة الآثمة أو الشعور بالندم!
ولو شئنا الخروج عن هذا المدار التجريدي إلى واقع متعين لما وجدنا خيرا من السياسة مثالا، ففي المجتمعات البترياركية التي ينوب فيها الحاكم أو الأب عن الناس في التفكير والحلم والقرار تكون البطالة السياسية مقدسة ومن الفضائل، لأنها تتيح لمن ينوب عن الناس أن يكون طليقا وومحصّنا ضد أي نقد أو عصيان، لأن تعاليم البترياركية تبدأ من معادلة طرفاها حاكم ومحكوم، يكون فيها حق الكلام والفعل حكرا على الحاكم وحق الصمت والبطالة من نصيب المحكوم، ولأن العصيان في هذا الحال آثم ويستحق العقاب فمن المنطقي بالضرورة أن يكون الامتثال والخضوع والبطالة مقدسا، وفي مقدمة الفضائل.
إن القارة المسكوت عنها والغارقة في الذاكرة وليس في المحيط كأتلانتس هي في نهاية المطاف من نتاج البطالة المقدسة، فالاقتراب منها محظور ومن يؤثر السلامة عليه أن لا يقرأ من الكتاب غير خاتمته.
وحين نقرأ الإحصاءات المتداولة عبر الميديا عن البطالة في العالم العربي بالتحديد نشعر على الفور بأن هناك إحصاءات أخرى ممنوعة من التداول، هي إحصاءات البطالة المقدسة، وقد تكون نسبة العاطلين عن الحياة كلها وليس استحقاقاتهم الآدمية فقط أضعاف عدد العاطلين عن العمل بمعناه المادي المباشر، لكن ما من حواسيب لقياس منسوب هذا النمط من البطالة، ولو عدنا بضعة اعوام فقط إلى الوراء وتذكرنا حالة الاستنقاع السياسي والفكري التي عاشها العرب لقرون وليس لعقود فقط لأدركنا أن تلك البطالة كانت تحمل أسماء أخرى مستعارة بهدف التضليل، ومنها الاستقرار واستتباب الأمن والتعايش السلمي، والاستقرار ومرادفاته حين يكون بهذا المعنى يليق بوصف مقبرة أو ركام من الحجارة، رغم أن عوامل التعرية وهي البعد الفيزيائي للتاريخ تهدد استقرار الجماد، ويبدو أن التاريخ لكي يستمر في جدليته يجب أن يكون دائما ذا وجهين حتى لو اضطر إلى ابتكار مضادات له من صُلب مجراه …وهذا ما اختصره لورانس داريل حين قال علينا أن نكون مع أفلاطون ضد أرسطو ومع أرسطو ضد أفلاطون كي يستمر التاريخ ونستمر معه.
إن البطالة الروحية والعقلية المسكوت عنها في إحصاءات التقارير سواء حملت اسم التنمية أو الأنيميا أصبحت مقدسة لفرط التواطؤ والاحتراز والحذر.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *