الرئيسية / مقالات / التنوير بين إميل و زولا

التنوير بين إميل و زولا


*هاني جابر


خاص ( ثقافات )
أجتهد إذ أقول أن من يقرأ العنوان يظنني متناولاً مسألة التنوير الفكري والشعري بين الشاعر الفلسطيني إميل حبيبي وبين الأديب والروائي الفرنسي إميل زولا، وعلى الرغم من أن بعض القراء قد أخطأوا بالأسماء إلا أنهم أصابوا تماما من حيث قدرة التأثير الهائل للنقد والشعر والمسرح والرواية والمقالة وغيرها من الأجناس الإبداعية باعتبارها جسر التنوير الحضاري وأهم معاول حرث الإدراك والخروج من ظلمة التخلف والتعصب والجهل والسلطة الثيوقراطية الكهنوتية سواء أكانت واضحة مُعَرّشة أو مستبطنة مُسْتَعْرشَة أو سباتية تستجمع قواها وسط الظلمة في الكهوف بانتظار ربيع ما ليس بالربيع. ومع أنني لا أتوقع التطابق في التفكير مع أي كان بقدر ما أنشد الحوار والمناقشة وتلمّس مساحة عقلية وإنسانية بالدرجة الأولى تسمح لنا بتحريك متوالية الأخذ والعطاء والتفاعل والمرح بمتعة التفكير.
إن التنويريين المتنورين المفكرين أيّاً وأينما كانوا يجمعهم متراس واحد فقط وليس غيره… إنه نَفَسَهم الطويل في النقاش وجَلًدهم على الحوار بالتي هي أحسن وقدرتهم على تفعيل النقد العلمي والمنطقي وحجة الفطرة الإنسانية وبساطتها وفوق كل هذا وذاك الأمل بالتغيير بالكلمة والإقناع وليس بالزعيق والنفير والعنف. ومن يقدح شرارة التنوير ويقرع جرس تحرير العقل من نير التعصب يستحق منا جميعاً أن نحمي شعلته، وأن نصدح معه بناقوس الخطر ونلامس بالكلمة ومنطقها جذر الاستلاب الذهني الذي يترعرع فيه الظلاميون وعليه يتكاثرون. فمن عيْن الحكمة أن يُمنح العقل وظيفته الإدراكية في التمييز والحذر لصناعة مجتمعات واعية وحيوية ومستقرة… فيا “معشر الباسلين” اقرعوا أجراسكم وطبولكم واصدحوا بها كالبلابل ليل نهار وبدعوة الإصلاح بالحوار والعقل وبالتي هي أحسن. 
إذا من هو إميل إن لم يكن “”حبيبي” الشاعر الفلسطيني ومن زولا إن لم يكن “إميل” الأديب الفرنسي؟ انهما طرفي نهضة وتنوير يربطهما خيط دقيق يمتد من حاضرنا المرّ إلى ما هو أبعد من قرنين ونصف من الزمان، فـ “إميل” هو المُنْجَز التربوي الخالد للمربي الفيلسوف الفرنسي/السويسري جان جاك روسو “رحمه الله”، نبراس المربين والتربويين المتنورين، إذ يتناول فيه تربية الطفل وتنشئته من المهد إلى الرشد في سن العشرين، وهو العمر الذي فيه يتشكل الجيل بأكمله ذهنيا وبدنيا وبه تنهض الأمم أو تغرق، قال روسو في أحد فصول الكتاب: “نولد ضعفاء ونحتاج إلى القوة؛ نولد منقوصين ونطلب المساعدة؛ نولد أغبياء ونحتاج إلى التجربة بالحكم على ما حولنا لنتعلم… بكل حاجاتنا وضعفنا صغارا لا يمكن أن ننمو ونكبر دون تربية”.
أما زولا من حاضرنا المرْ والأمَرّ، فهي المفكرة الأردنية والناقدة والروائية والحقوقية زليخة أبو ريشة، وهي أحدث امتداد لهذا التنوير في عالمنا العربي، وهي كغيرها ممن صدحن وصدحوا وقرعوا الجرس ويواجهون حربا شرسة لمجرد أنهم يدعون إلى الحداثة بالتفكير ومحاربة غسيل الأدمغة جراء التلقين الأصم والأعمى والساذج في أحيانا كثيرة. وبالرغم من قتامة الواقع وكوميديته السوداء كإعلاء “بول الإبل” في علاج أمراض السرطان، إلا أن ثمة أمل لنهضة هذه الأمة بالتنوير والعلم والعقل والتعقل والأمل. وإنني لا أرى اختلافا بين ما حذرت منه زليخة وبين ما قاله السويسري روسو في كتابه “إميل” وهو العنوان الذي حمل اسم الطفل الذي يكبر في كتابه بإشراف مربي خاص، فكلاهما يتحدث عن أهمية التربية والعقل. ومن هنا جاء هذا الجسر الاثيري في الفكر بين كبير التنويريين في أوروبا وبين المفكرة كاتبة أدب الأطفال زليخة ومن دافع عنها، إذ كلاهما صرخ عالياً يؤكدان بأن الطفل هو الأساس في زمنين يسرح فيه الكهنوت ويمرح. وكليهما لديهما قلق وجودي حول أهمية إعداد إنسان عاقل يُمّيز بمنطقه وإرادته العقلية الحرّة وخلقه الإنساني بين الحق والباطل، ‬وأن الدين هو مسألة قلبية وفطرية بالدرجة الأولى، أي أن “الدين الفطرة”.
ما استدعاني أن أعيد قراءة روسو “إميل” في التربية وزولا “غسيل الأدمغة” في التلقين، هو أن أحد الأصدقاء من إحدى الدول العربية هاتفني واصفا محنته كيف وقف مبهوتا حائراً أمام ثلاث استفسارات طرحها عليه ابنه خلال أسبوع واحد من التحاقه في أحد المراكز الصيفية التعليمية لتقوية اللغة العربية والتربية الدينية، وجميعها من مقعد السيارة الخلفي بينما يُقلّ طفله عائدا إلى بيته من المركز الصيفي. أولها أن سأل الطفل أباه مرتعداً: هل ستذبحني على حجر يا أبتي كي تدخل الجنة، وأكون طيرا من طيورها. وتبعها الصغير ذو الثمان سنوات بصراخ جهشاً باكياً: لا أريد أن أموت لا أريد أن أموت، أنا لا أحبك، أريد ماما، أنزلني هنا. وفي موقف آخر وبعد يوم واحد فقط وعلى نفس المقعد الخلفي وبذات التوقيت، سأل الولد أباه: هل الموسيقى حرام، إذا كانت كذلك، لماذا يدرسوننا إياها في المدرسة، وبعد استفسار واستنطاق همس الولد الغض خائفا مرتجفا مفصحاً أن مدير المركز هو الذي أصدر حكمه النافذ ببطلان مادة الموسيقى وحتى الرسم. وفي ضربة أخرى في عقل الطفل، سأل الولد أباه وقد أصابه الحزن وتملّكته الحيرة حد الفصام: هل حرام أن أهنئ صديقي جوزيف بعيد الكريستماس، لأنه يُعتبر كافراً وسيدخل النار ولا تجوز عليه التهنئة، وبفطرته بكى أيضا وشهق بأنفاسه وهو يضرب قدميه على أرضية السيارة وبكلتا يديه على المقعد الأمامي وصرخ: عندما أموت، أريد صديقي جوزيف أن يذهب معي إلى الجنة، لا أريد أن أكون هناك وحدي، وتساءل الطفل الغض سؤاله الجدلي والمنطقي والشَّرْطي والمعرفي الذي تشرّبه، إذ أن الشيء بالشيء يُذكر: إذا ذبحتني فاذبح صديقي معي ليلحق بنا ويحلّق معي طيراً في الجنة؟ 
سرَدَ صديقي قصته ويعتصره الألم بأن شكواه الرسمية لمدير المركز لم تُفلح، بل أن المدير الذي نصّب نفسه مديرا لعقول الأطفال قد قابل صديقنا بوابل من عبارات التكفير والجهل وأن مآل هذا الأب القلق على عقل ابنه أن يُحشر في النار مع الزنادقة والهراطقة والمرتدين. وبحسب وصف صديقنا، أصر الدوغمائي بعمامته الحمراء المُقمّطة بالبياض على رأيه مفتخراً أن لديه خبرة في تعليم الأطفال جيل بعد جيل.. اعترض صديقنا وعبّر صديقنا أنه لا يتفق فكرة تحريم وبطلان تهنئة المحبة لغير المسلمين في أعيادهم، وتحريم الموسيقى والرسم، وأن القصص الدينية يجب أن تتناسب مع أعمار الأطفال ومستويات الفهم والإدراك لديهم. وحاول صديقنا أن يضرب مثالا واضحا حول الأثر الإدراكي في تربية الأطفال وأن اللغة بمضامينها أحد أهم أدوات التشكيل الذهني والعقلي للطفل.. فقد نضرب مثلا حول فعل الأمر على وزن افعل: ازرع الوردة، وقد نقول: انزع الوردة. وبحسب ما وصف صديقنا المكلوم في العقل الغض لصغيره، فإن مدير المركز وقف خلف مكتبه غائب الذهن رافعاً عينيه إلى الأعلى وتمتم وهمهم بما لا يُفْهَم ونزلت منه على صديقنا نظرة الشفقة، نازلة بأن عقابا جحيمياً سعيريّا سيحلّ بالأب المشتكي قريبا لا محالة.
وسألت صديقي، وماذا بعد، كيف سيقضي ابنك عطلته المدرسية الطويلة، صمت الأب وتنهد بصوته وكأني به يستحضر حشرجات طفله حين قال له: “لا اريد أن أموت يا أبتي، أريد أن أعيش، أريد أمي، أريد ألهو بالرسم والعزف، أريد أن أعيش أو اذبحني مع جوزيف”. وبكى الأب على عشرات الأطفال الذين يضْمرون لأباءهم الكره المبطّن ولأصدقائهم الإقصاء في أعيادهم. بكى على طفلٍ سيخفي رعبه لسنوات ويستيقظ فجأة غولاً بلا رحمة بعيدا عن الواقع، وتنهّد على فقدان الحوار بالرحمة بين الناس. قلت لصديقي وأتنهد صوته المتهدج: ابكِ الآن ما استطعت لأجل طفلك خيرٌ لك أن تَبْكيه بعد حين. وابحث عن مركز آخر فدائما ثمة أمل، وأوصيت له بقراءة مقال “غسيل الأدمغة” لزليخة المنشور في جريدة الغد الأردنية، وكتاب “إميل”. لروسو. واستذكرت قول “إميل زولا” الروائي الفرنسي: “إذا سألتني ماذا جئت تفعل في هذا العالم، أنا الفنان، سأجيبك : أنا هنا لأعيش بصوت عال”. ونحن نقول بالحوار والعلم والأخلاق وبالكلمة لا باللكمة يعلوا صوت العقل بين اليسار واليمين وفي كل الاتجاهات… حتى لا نفقد الأمل كما قالت زليخة التي بَلَّغَتْ.

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *