الرئيسية / نصوص / ترقّـّب

ترقّـّب


*محمود شقير


خاص ( ثقافات )
جرس المنبه يرنّ باندفاع أرعن، يستيقظ مجفلاً، ولا يدعه يكمل الرنين. يفتح الشباك على صباح عابق بروائح الربيع. هي لم تستيقظ بعد، كما لو أن جرس المنبه لم يرن. قميصها ينحسر دون قصد عن جسد سادر في النوم. هو يعرف عاداتها، يعرف أنها تتوقّع منه مبادرات حميمة في الصباح. مرّة يلقي برأسه على بطنها، يظل مضطجعاً، يتأمل ما ينكشف من جسدها في حياد. تستيقظ، ترسل يدها الحانية إلى شعر رأسه، تتركها هناك بعض الوقت. ومرّة أخرى، يتأمل ركبتيها، وهي تنام مثنية الساقين، يظهران في عريهما مثل برجين صغيرين على تخوم مدينة حافلة بالأسرار. يطبع قبلة على إحدى الركبتين، تنهض، ثم تنهمك في تفاصيل لا بدّ منها كل صباح. 
تنطلق إلى المطبخ، ويكون هو قد سبقها إلى الحمّام، يغتسل في دقائق معدودات. تدخل عليه الحمّام، تطلب منه أن ينتبه لبكرج القهوة الذي فوق النار. يتابعها لحظة وهي تحت الماء، يغلي الماء في البكرج، يلقمه عدّة ملاعق من البن، ويكون المذياع مستغرقاً في سرد آخر وقائع القمع، ومصادرة الأرض، وتوسيع الاستيطان. تخرج من الحمّام، تعدّ وجبة سريعة، تطلب منه أن يحضر شيئاً من هنا، وشيئاً آخر من هناك، ويكونان في أتمّ انسجام. يبكي الطفل، تدني ثديها الأيسر من فمه، ثم تبعده، فقد عضّه في الليل عضّاً موجعاً(ليس الطفل هو المقصود)، تلقمه ثديها الأيمن، تنظر صوبه في عتاب خفيف، تقول عيناه لها: أنتِ السبب. 
هي السبب! ليكن. فذلك أدعى إلى اغتباطها، وهي تفعل كل شيء تعبيراً عن فهمها الخاص لعشّ الزوجية. في الليل هي حمامة شديدة التطلّب، وفي النهار هي نحلة تسعى بكل اندفاع. لكنها تظل قلقة مشغولة البال حتى يعود، إذ يكفي أن تستبدّ رغبة القتل بأحد الجنود، حتى يشرع في إطلاق الرصاص، ويجري تمرير الجريمة تحت مختلف الحجج. هي كثيراً ما تراه في أحلام يقظتها، عائداً إليها وهو ملفوف في علم، وهي دائماً توصيه بضرورة أن يتوخّى الحذر، أن يكون شديد الانتباه، ولا يطمئنّ بالها إلا حينما تغلق عليها وعليه باب البيت، تعيش الليل معه بطيش محموم، فيستجيب لطيشها بطيش يوازيه.
تغادر البيت، ويكون هو قد مضى إلى وظيفته في المدينة البعيدة، يجتاز نحوها كل يوم طريقاً طويلاً وثلاثة حواجز يرابط عندها الجنود. تمضي بالطفل إلى الحضانة، ثم تذهب إلى طالباتها في المدرسة القريبة، ويكون قلبها – رغم الخوف والقلق – معموراً بآمال صغيرة، لكنها تكفيها وتكفيه. 
تعود إلى البيت، ويعود هو إلى البيت. يستمرّ كل يوم في الذهاب إلى وظيفته، يجتاز الحواجز، ولا يقتله الجنود، لكنّها لا تكفُّ في النهار عن خوفها المكتوم، ولا تكفّ في الليل عن طيشها المحموم. 
_______
*روائي وقاص فلسطيني 
من مجموعته القصصية “صورة شاكيرا”/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ 2003

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *