الرئيسية / مقالات / المُثقف الإشكالي انطلاقا من مُطاع صفدي

المُثقف الإشكالي انطلاقا من مُطاع صفدي


خيري منصور *


ما قاله مصطفى حجازي في كتابه عن سايكولوجيا المقهورين، وبالتحديد عن آفة الاختزال والتصنيف السريع، قد يصح على الثقافة أكثر من أي مجال آخر، فهو الإفراز الذي يمكن الاحتكام إليه لقياس منسوب الوعي في مجتمع ما، وبالتالي منسوب المناعة سواء كانت معرفية خالصة أو أخلاقية.
مطاع صفدي بوصفه مثقفا إشكاليا كان لأكثر من ستة عقود هي عمره الثقافي والسياسي أحد الأمثلة للاختزال تبعا للنوايا، فهو من خلال تجربة سياسية مبكرة صنف ضمن خانة أيديولوجية، مما لم يتح للنقد أن يتعامل بإنصاف مع نصوصه الروائية والقصصية، ومنها «جيل القدر» و«أشباح أبطال»، كما أن اشتغاله بالفلسفة مؤلفا ومترجما ومبشرا بما اصطلح عليه مرحلة ما بعد الحداثة أتاح لمن اختزلوه أن يتوقفوا عند تجربته السياسية فقط، رغم أن الرجل إضافة إلى مؤلفاته العديدة وترجماته، أنشأ مراكز بحث وأصدر مجلات كان لها دور مشهود كـ«الفكر العربي المعاصر» و«العرب والفكر العالمي»، وكانت بداية تعرفي إليه إنسانا وراعيا من خلال مجلة «الفكر العربي المعاصر»، وبالتحديد منذ عددها الثالث عام 1979 حين أتاح لي أن أساهم في تحرير عدد خاص عن الوجودية وما كتبته عن سارتر يومئذ لم يخطر ببالي أنني سأقرأ إشارة مشكورة إليه من أحمد عطية، بعد ثلاثة وثلاثين عاما في كتابه «سارتر والفكر العربي المعاصر»، حين قال إنه ادقّ تلخيص لتأثير سارتر في الثقافة العربية.
بالطبع نشعر بشيء من الحرج عندما نقحم الشخصي بالموضوعي والعام، لكن الرحيل لا يكون مجردا إذا كان الراحل صديقا لأكثر من أربعة عقود وزميلا في «القدس العربي»، وذا فضل أيضا.
المثقف الإشكالي حسب النموذج الذي قدمه مطاع صفدي ليس العصي على التعريف، أو الحشر بين قوسين، إنه أيضا ذو السيرة المتموجة، الذي يقود انقلابات سلمية على ما تصور في صباه أنه اليقين، لهذا تصنف أعمال كتّاب ومفكرين من طراز ماركس وجورج لوكاتش وآخرين تحت عناوين من طراز أعمال فترة الشباب، ثم أعمال مرحلة النضج، وأخيرا أعمال مرحلة الشيخوخة، وإشكالية مثل هذا المثقف هي التي تخلق له خصوما على عدة جبهات.
فالسياسي يتجاهل الروائي، كما يتجاهل الناقد الإبداع والتأليف لصالح تكريس دور المترجم، وهذه ظاهرة ليست طارئة في ثقافتنا التي يكون التنافس فيها على الألقاب محموما، وعلى حساب التنافس الحقيقي على الإبداع، وعلى سبيل المثال كان سلامة موسى وهو من التنويريين والرواد في النصف الأول من القرن الماضي قد تعرّض لأحكام جائرة، بحيث يحسبه العلماء على الأدباء والعكس صحيح أيضا، وكانت معاركه مع عباس العقاد عيّنة نموذجية من ثقافة تفترس فيها النرجسية الذات، وعلى سبيل المثال كتب العقاد عن سلامة مقالا بعنوان: غريب هو «سلامة المراحيضي»، لأن الرجل طالب الدولة بإنشاء دورات مياه في الساحات العامة كي لا تتكرر مشاهد تؤذي العين والنفس! وأهم ما تداوله خصوم صفدي هو لغته المعقّدة ومغامراته في الاشتقاق، اعتقادا منه أن اللغة العربية تتسع للتعبير عن أدق القضايا، شرط أن لا تبقى محنّطة في المعاجم أو محجورا على أبنائها بحيث لا يسعون إلى تطويرها.
أما المسألة الثانية فهي المزاوجة التي قام بها صفدي بين الفكر الوجودي الذي كان من المبشرين به وبين الأيديــولوجيا القومية، وهذا ما قيل أيضا عن آخرين منهم الراحل سهيل إدريس الروائي ورئيس تحرير مجلة «الآداب» العريقة. 
إن ثقافة داجنة في خانات أشبه بالأقفاص تصيب ناقدها والمشتغل في رصدها بالحيرة، ويشعر كما لو أنه يفتش عن يديه في جيبه بيد ثالثة كي يصافح أو يصفق، لهذا فالمطلوب من المثقف أو المبدع المتعدد أن يحسم أمره في قفص واحد ويرتدي قبعة واحدة كي يبقى شاعرا أو روائيا أو مسرحيا أو مجرد مثقف.
وحين اعترف لمطاع صفدي بالفضل فذلك ليس فقط بما كتبه ونقله عن الثقافات الأخرى وبالتحديد عن الفرنسية والألمانية بل لأنه أتاح الفرصة لأبناء جيلي كي يساهموا في مشروعاته التي لم تكن حكرا على الأكاديميين والأسماء المكرسة، وقدر تعلق الأمر بي فقد أتاح لي نشر دراسات ونصوص أعتبرها مبكرة في مجلتي «الفكر العربي المعاصر» و«العرب والفكر العالمي»، ومنها «التقويل ونفوذ الكلام وإليوت عربيا وتناقضات سارتر» وغيرها.
ولا أدري متى يكون العرفان مناسبا وكذلك الاعتراف بالفضل إن لم يكن في مناسبة كهذه؟ لكن ذلك لا يدفعنا إلى التعامل مع الرحيل باعتباره بحيرة الأسطورة التي تستعاد فيها العذرية والبكارة، والراحل صفدي كان شديد الحماس لاتجاهات أدبية وشعرية بشكل خاص مقابل حماس مضاد لاتجاهات أخرى، فهو مثلا كان يرى في الشاعر خليل حاوي أفضل ما أنتجت مرحلة الرواد في الشعر العربي الحديث، وكان له موقف طالما ناقشته فيه حول مجلة «شعر» وأبرز من ساهموا فيها كأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج، فلم اتردد في القول إن البوصلة عندما تحركها الأيديولوجيا قد لا تكون أمينة على التقييم الموضوعي.
أما البعد الإشكالي الآخر في سيرة الراحل صفدي فهو يتجلى في التشبث الراديكالي بمرجعيات قومية، في الوقت الذي يحاول فيه اجتراح آفاق حداثوية وما بعد حداثوية من شأنها أن تنتج قطيعة مع المقدس القومي.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *