الرئيسية / مقالات / أكثر من حياة واحدة

أكثر من حياة واحدة


*رشا عمران


أخبرتني صديقةٌ دخلت في غيبوبة مرضيةٍ أكثر من شهر، أنها حين صحت ورأت ضوء الشمس من ستائر غرفتها، بكت من دون أن تعرف لماذا. قالت لي: “بعد يوم، خرجت من غرفتي إلى حديقة المستشفى. رأيت الأشجار، وسمعت زقزقة العصافير، وسمعت صوت عجلات الكرسي على الحصى على أرض الحديقة. نظرت إلى الحصى والتراب تحته، وبكيت. كان يمكن أن أكون الآن تحت هذا التراب، وثمّة حصى فوقي، وثمّة أقدامٌ لأحياء تمشي على الحصى، من دون أن تنبه أن روحاً حيةً كانت ذات يوم هنا، وهي الآن مجرد تراب”. قالت: “بكيتُ ربما من فرط حبي الحياة. شعرت لحظةً أن كل ما في الحياة يعنيني، الشجر والطيور والتراب والبشر والهواء والضوء وكل شيء، بكيت من سعادتي أنني حية”.
لا يقدّر غالبيتنا، نحن الذين لم نمر بتجارب الموت القريب أو المرض العضال، هذه النعمة التي اسمها الحياة. نعيش حياتنا، (وهنا، أتحدث عن البشر الذين يعيشون في بلاد طبيعية، لا بلاد الموت والحروب والاستبداد والمجاعات)، من دون أن ننتبه أنه بيننا وبين الموت مجرد شعرةٍ رفيعة، ما أن تزول حتى نتحوّل إلى اللاشيء، إلى العدم، إلى حيث كأننا لم نوجد يوماً، نعيش حياتنا من دون أن نقدّر هذه الهبة التي أُعطيت لنا مصادفةً. هبة الضوء والهواء والألوان، هبة التنوع والاختلاف، هبة الإنصات إلى الأصوات الخفيّة في الكون حولنا، وإلى تلك الضاجّة الصاخبة، نعيش حياتنا من دون أن نترك لأنفسنا مساحةً للمتعة بما أعطته الحياة لنا. نقضي حياتنا كما لو أننا في حربٍ دائمةٍ مع كل شيء، حرب تستهلك كل الجمال الذي في داخلنا، إلى حدّ أننا نفقد معها إحساسنا بقيمتنا الذاتية.
هل سبب عدم قدرتنا على الاستمتاع بالحياة هو نحن فقط؟ يقيناً أن الجواب سيكون لا، نحن نوضع في ظروف تجبرنا على هذه الحرب اليومية. نولد بطبائع شخصية محدّدة، وندخل تفاصيل الحياة بكل ما فيها. ستصقلنا الحياة إن كنا مهيئين للصقل. والحياة هنا ليست مصطلحاً عاماً. الحياة هنا هي البيئة والمحيط وشرط المكان الزمني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي. ستصقلنا الحياة يوماً، ستزيد قدرتنا على الانتباه للآخرين المختلفين، وعلى الإنصات لهم. سنصبح ذات يوم أكثر صفاءً مع أنفسنا وأكثر هدوءاً، سيخف توتّرنا وحدّتنا، سنبقى متمردين إن كنا كذلك، لكن تمردنا سيتشذّب، سيصبح أقل رعونةً وعنداً، سنغيّر كثيراً ممّا اعتقدناه ثوابت لا تتغيّر، سندرك أكثر أن سعادتنا تنبع من ذاتنا، وأن إحساس الأمان اللازم للسلام الداخلي لن يعطه أحدٌ لنا. سننتهي يوماً من لوم الآخرين على ما نحن فيه من كركباتٍ وآلامٍ وأحزان. وسنتصالح مع أخطائهم معنا، ونعترف بأخطائنا معهم، وسنعترف بأخطائنا بحقّ أنفسنا وننتبه لها. سندرك ذات يوم ذلك كله. سنظل متأكدين أن لا عدالة في هذا الكون طالما أن العالم يسيطر عليه أقوياء السلطة والمال، وسنبذل جهدنا لتغيير هذا، وسنصادف من يحبطنا، وسنكون أكثر صبراً وطولة بال، حتى في نضالاتنا، وسنجهد أن لا يفقدنا ذلك قدرتنا على إيجاد الجمال حولنا، ولا قدرتنا على الحب. سنكتشف أن ما سيجعلنا نفعل ذلك كله هو ما نملكه من قدرةٍ على الحب. نحتاج جميعاً أن نشعر بمحبة الآخرين، ومساندتهم لنا، ونتباهى بما نلقاه من حبّ في حياتنا، لكن هذا سيفقدنا قدرتنا على التغيّر الدائم، وعلى الغوص في جماليات الحياة، إن لم تكن قدرتنا على الحب تتفوّق على رغبتنا بأن نكون محبوبين. 
لا شيء يجعلنا نشع جمالاً، ونكتشف الجمال حولنا، أكثر من طاقة الحب التي في داخلنا. ليس فقط لأن الحب قيمة كبيرة، بل لأن الاستمرار فيه يمنح قوةً جديرةً بأن تختبر الكراهية، ورؤيتها ونشرها، فعلاً سهلاً، ويمكن تعميمه بسهولة ويسر في حياةٍ تقوم على المنافسة والحروب. تعميم الجمال والحب كالنحت في الصخر، شاق وطويل، لكن نتائجه مذهلةٌ على المستويين، الإنساني الشخصي والعام، غير أن ما يثير الحزن في كل ما سبق أننا لن نصل إلى هذه المرحلة من الصفاء، إلا في نهايات حياتنا، لو أن ثمة عدالة ما لاستحقت البشرية حياةً ثانية، فالأولى ليست سوى مرحلة للتعلّم. 
_______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *