الرئيسية / إضاءات / المعرفة لمن يسعى إليها

المعرفة لمن يسعى إليها


*نورمان د.ليفرجود / ترجمة : آماليا داود


خاص ( ثقافات )
يمكن أن تعطى المعرفة الباطنية لأولئك الذين يسعون إليها مع قدر معين من الوعي، ومع فهم كيف تختلف تلك المعرفة عن المعرفة العادية، وكيف يمكن العثور عليها.
والمعرفة العادية يمكن الحصول عليها بالوسائل العادية من الكتب الأدبية، ويمكن للجميع الوصول إليها، واكتساب تلك المعرفة الأولية تعتبر أول اختبار، وفقط أولئك الذين يجتازون هذا الاختبار الأول، هم الذين يكتسبون المعارف الضرورية المتاحة للجميع، ويمكنها أن تأمل بعدها أن تنتقل للخطوة التالية، وعند هذه النقطة المساعدة الفردية سوف تتاح لهم.

ويجوز للإنسان أن يأمل الاقتراب من المعرفة الباطنية إذا اكتسب الفهم الصحيح من المعرفة العادية، وهذا إذا استطاع أن يشق طريقه خلال متاهة من الأنظمة المتناقضة، والنظريات والفرضيات، وفهم معناها وأهميتها العامة. 
وهذا الاختبار هو شيء يشبه الامتحان التنافسي المفتوح للبشرية كلها، والفكرة من الامتحان التنافسي وحدها تشرح لماذا الدائرة الباطنية ترفض أن تساعد العالم، مع أنها ليست مترددة.

و” كل هذا يمكن القيام به من أجل مساعدة الإنسان، لكن الإنسان لن يقوم بالجهد اللازم من أجل نفسه، ولا يمكن مساعدته بالقوة.( آوسبنسكي : نموذج جديد من الكون).
المعرفة من خلال التجربة المحددة
” هناك نوعان من أساليب المعرفة: من خلال الحجة والخبرة، الحجة تسبب الاستنتاجات وتجبرنا على الاعتراف بها، لكنها لا تسبب اليقين ولا تزيل الشكوك من أجل أن يبقى العقل في راحة الحقيقة، إلا إذا تم توفير ذلك عن طريق الخبرة ” روجر بيكون.
” التدريب قد يغير الأفق النظري لدينا، وذلك بطريقة ذات شقين: إنه قد يؤدي إلى عوالم جديدة وتؤمن قوى جديدة، والمعرفة التي لا يمكن الوصول إليها، تبقينا كما نحن عليه، وقد يمكن الوصول إليها عن طريق النتائج للقوى والحياة العليا، وهذا ما يمكن أن نحققه أخلاقيا./ ويليام جيمس.

تعلم كيف تتعلم 
واحدة من العقبات الرئيسية المعاصرة للمعرفة هوالعقل الديكارتي، الذي يفترض أن الناس جوهرياً قادرون على المعرفة، ومعظم فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر افترضوا أنهم قادرين بالفعل على اكتشاف الحقيقة، لكن فقط عليهم أن يعثروا على حيلة رياضية أو فلسفية مطلوبة. وقد استخفوا بخطوة مهمة نحو المعرفة التي تدرس في التقاليد القديمة : أن الطالب يجب أولاً أن يطور قدراته اللازمة لتمييز الحقيقة.
” يمكن أن يقال إن النهج العلمي كان على الشكل :” سأجعل تلك الظاهرة تكشف عن أسرارها “، بينما موقف الطريقة الصوفية على هذا الشكل :” دع الحقيقة، مهما كانت، تكشف لي “. والأول من وضعية البطل : محاولة شيء مع عدم كفاية المعرفة، والثاني من ” التطور الذاتي ” : الذي يدفع نفسه لإدراك الشيء الذي يجب ملاحظته، ويزيل البطولة.” (إدريس شاه. القائد الذاتي).

والخطوة الأولى نحو المعرفة الحقيقية _ والفهم الروحي الحقيقي _ تجريد أنفسنا من الأساطير الثقافية، وقضاء الوقت لإعداد عقولنا لطريقة جديدة للتفكير.

” بعد ذلك… هذه المسائل ( التي تخص المعرفة الحقيقية ) من العادات العادية للأفكار، ويترتب عليها الاستقصاء، لأولئك الذين يحاولون فهمها، استعداد أكيد : لتطهير العقل. كما هو الحال مع أولئك الذين أتوا من القديم إلى الغامض، النقاء هنا بوابة المعرفة، ويجب أن نقدم على تلك المواجهة بعقل خالٍ من التعصب والتحامل… يجب علينا أن نفحص كل تجربة بشرية محتملة، وقبل أن ننتقد الحالمين والشعراء والقديسين. يجب علينا أن لا نتكلم عن العالم غير الحقيقي لهؤلاء الحالمين لحين اكتشافنا _ إذا استطعنا _ عالم حقيقي يمكن مقارنة عالمهم به. ” (ايفلين أندرهيل. تصوف).

“التقاليد القديمة تعلم أن معرفة الواقع تنبع من معرفة الذات، كما يقول ابن عربي : ” من يعرف نفسه، يعرف ربه “، والشخص العادي يفسر الواقع على صورة اعتقاداته الشخصية، بالتالي فمن الضروري أن يدرس المرء نفسه ومعتقداته وعادات التفكير والأفكار المسبقة، من أجل اكتساب تصور أصدق عن الواقع، والطريقة المثلى لفهم الذات هي من خلال دراسة الآخرين.

بالتالي يستطيع الإنسان أن يرى بالآخر شيئاً من نفسه كان لا يمكن أن يراه بدونه. والإنسان معمي بميله إلى التقلب في الرأي والسلوك، لكن عندما يرى تلك السمة عند الآخرين ( في حين أنها أيضا سمة خاصة به )، يرى عيوبه فيهم “.
التقنية الميتافيزيقية 

التقاليد القديمة تملك تقنيات تكنولوجية فعلية لمساعدة الناس على تطوير حالات أعلى من الوعي. الكتب والقصص داخل تلك التقاليد تحتوي على عناصر مصممة بعناية لتعمل على نفسية القارئ ( الشخصية والعقل ) لإنتاج تأثيرات دقيقة، وتختلف النتائج باختلاف قدرات القراء مع وجود قارئ واحد يعود إلى تلك المواد على مدى فترات من الزمن، والميل للدراسة يحول الكتب لمجموعة بسيطة من الكلمات تعبر عن الأفكار، ومن الصعب علينا أن نتصور علم حقيقي وتعاليم من شأنها أن تكون قادرة على إنتاج تحولات تطورية في البشرية.

وكما رأينا اعتمد المفكرون في العصور الوسطى على الحجة باعتبارها وسيلة للمعرفة، وأصبح هذا رسمياً مما جعل المفكرين يعتقدون أن أي موضوع يمكن إتقانه بالحرص على دراسة مصادره ومراكمة الكلمات فوق الكلمات لخلق نظام منطقي من الأفكار. 
وفي كل مدرسة اليوم يعتقد أن هذا الأسلوب هو الطريقة الحقيقية للمعرفة. وإذا كنا معميين عن المعرفة الأعلى، مفترضين أن مفهمونا الحالي للمعرفة هوك ل شيء، سيكون علينا أن نتغلب على الأشكال المألوفة من المعرفة والاعتراف بالعمى، وتعلم كيف نفتح أعيننا لمراحل تمييز المعرفة العليا. 
إعادة إحياء التعاليم 
إذا استخدمت التعاليم القديمة لوقتنا الحالي كما هي، تنتج شيئاً من المفارقات التاريخية والخداع، فالتعاليم يجب أن تلائم احتياجات الناس والوقت، وتعاليم الماضي في شكلها الأصلي تصبح غير مجدية وضامرة، وتطوير تلك التعاليم يعتبر نظاما جديدا من المعرفة، ويبدو الأمر تماماً مثلما نخرج وصفات طبية قديمة ومحاولة تطبيقها على الأمراض الموجودة في وقتنا الحالي.
هو الذي يعرف الأذواق
والمعرفة الحقيقية لا تكتسب عن طريق الكتب أو الحجج، لكن من خلال التجربة، والتمييز بين المعرفة العادية، والمعرفة الباطنية، ومعرفة الأسرار تتطلب أن تفهم ” ما وراء الكلمات “، وهذا ليس بسبب أن المعرفة لا يمكن نقلها،لكن لأن تلك المعرفة تتطلب تكريس نفسك لها لتؤدي إلى البصيرة. وهذه المعرفة لا يمكن تدرسيها بطريقة مباشرة إذ أن المعلمين الروحيين لن يمرروا لك الأسرار على شكل تقارير، بل يرتبون الأسرار بطريقة يمكن تعلمها.” (حيوانات لم تنته، ثيودور روسزاك ) 
المعرفة العادية تأتي من خلال الإدراك الحسي والتفكير وهي جزء ضروري من التجربة الإنسانية، لكن المعرفة الباطنية فقط يمكن أن تتحقق من خلال التجربة.. ولمن يسعى إليها.
______
المصدر : hermes-press.com

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *