الرئيسية / نصوص / الرُّوح وَالرَّقْصُ

الرُّوح وَالرَّقْصُ




أحمد مرسي*



خاص ( ثقافات )

(إِلَى بُولْ فَالِيرِي)
I
الأُفُقُ الأسوَدُ وَالظَّلاَمُ الْمَيتُ،
والتَابوتُ، هَل تموت؟
وجُثَّةُ الحَبيبِ تَرتَمِي هُنَا،
عَلَى الْحَائطِ فِي سُكُوتْ.
تسقُطُ فوقَ ظِلاَلِ أَحْلاَمي
وقَلْبِي يقضِمُ القُنُوطْ.
محَارَةُ الرُّؤْيَا تَصدَّعَتْ
ولفَّهَا الصَّيَّادُ فِي حُنُوطْ
والصَّدَفَةُ البَيْضَاءُ دحرَجَتْهَا
جُثَثُ الأسمَاكِ فِي الظَّلاَمْ
فبَحْلَقَتْ عُيُونُهَا، وشُجَّتْ رأسهَا
ألمْ تَكُنْ جُثَامْ؟
الْبَيْتُ خَلْوٌ وَالحوائطُ السَّوْدَاءُ
تَعْلُو قنَّةَ البِحَارْ
والخَمْرُ فِي نهرِ السُّكُونِ آسِنٌ
جليدٌ سَامقُ الجدَارْ
يَرْوِي شِفَاهَ الزَّهَرِ الْمُدَمَّى
ولُعَابُ النُّورِ فِي الدُّبَالْ
ويرتوي من نَفَثَاتِ مَجْنُونٍ
يعَضُّ قلبَهُ الْمَلاَلْ
شَرَابُهُ دَمُ الْمَسَاءْ
لاَ الْمَاءُ قَدْ حَلاَ لَهُ وَلاَ الرَّحِيقْ
وخُبزُهُ عَلَى الْموائدِ القَفْرَاء،
طَيفٌ باردٌ رقيقْ
يجوع.. وَالْقَلْبُ المُمَدَّدُ الأعرَاقِ
فِي كُوَى الأَسَى الرَّهِيبْ
ينهَشُ مِنْ فَمِ الذِّئابِ أضغَاثًا
غَدَتْ لجُرْحِهِ شُبُوبْ.
II
امْرَأَةٌ لاَ كَالنِّسَاءِ،
ذَاتُ بُرقُعٍ يشفُّ عَنْ غُرُوبْ
لعِطْرِهَا الأسوَدِ فوحَةُ الأشواكِ
فِي أنفٍ بِلاَ ثقوبْ.
النَارُ فِي قَميصِهَا طُرُوزٌ
لاَ يرَاهَا من لَهُ عُيُونْ
يشفُّ عَن مخَالبٍ عَتَتْ
فِي بَطْنِهَا القورَاءِ مِنْ جُنُونْ
بِالأَمْسِ كَانَتْ فِي الطَّرِيقِ تمشي
وَهْيَ تعلُو البارِقَ الوريفْ
والآنَ تنزوي بمرْقَصِ الأشباحِ،
كَالعُصْفُورِ فِي الخَرِيفْ
أسمَعُ موسيقي غُرُوبِهَا،
فَهَل تُرَاهَا تختفي بَعِيدْ؟
أمْ أنَّهَا ترقُصُ فِي فرَاغِ الْقَلْبِ،
رقصَتِي مَعَ الوُرُودْ؟.
III
السَاعَةُ الحَدْباءُ مَا لَهَا تسعلْ؟
النُّفَسَاءُ تنتَحِبْ
ألقَتْ عَلَى صَدرِي وليدَهَا الْمَهْزُولَ
والآلامُ تصلبُهُ
الْوَقْتُ يذوي فِي زجَاجَةِ الأَحْلاَمِ،
والأطيَافُ تنتصبْ
رَاقصَةً فوقَ الحوائطِ السَّوْدَاءِ،
بَيْنَا اللَّيْلُ يُرعِبُهْ
شَعْثَاءُ كَالحُلْمِ بحدقَةِ اللَّيْلِ،
تَهَاوَى بينَ أَذْرُعِي
أُحِسُّ رُوحِي
فِي فَحِيحِهَا الْمَحْمُومِ عُشْبًا فوقَ مجْمَرِ
تغتَالُ أشيَائي.. مَحَارتي
وتنفثُ الدُّجْنَ بمَخْدَعِي
وتصفَعُ الأَبْوَابَ،
غبَّ أنْ غَشَى الْمَدَى عامود عثْيَرِ.
دقَّتْ وكُلُّ دقَةٍ
لَهَا فِي الصَّدْرِ قَبْرٌ مُوحِشٌ عَمِيقْ
فَهَلْ أجسُّ نبضَهَا؟
أَمَا زَالَتْ تغذِّي نبضَةَ العُرُوقْ
كَأَنَّهَا تهمِسُ:
«أنتَ حَيٌّ أنتَ حَيٌّ أيُّهَا الصَّدِيقْ».
نَارٌ عَلَى صدري
لَهيبُهَا الْمَشْبُوبُ مَسْخٌ أحمَرُ اللِّسَانْ
لَهَا نَشِيشٌ خَافتٌ
وَلِي فِيهَا حَبِيبٌ يشرَبُ الدُّخَانْ
رَاقَصْتُهَا تحتَ السَّمَاءِ،
والعُصْفُورُ كَابٍ كَادَ يختنقْ
والشَّمْسُ تَذوِي وَالرِّمَالُ
فِي صحْرَاءِ حُبِّي دَاسَهَا الْغَسَقْ
رَاقَصْتُهَا عُريَانَةً أَمَامَ اللهِ،
يومًا لستُ أذكُرُهْ
كَانَتْ بصدري ترتمي وتَهْذِي،
«أيّ طفلٍ شَاقَ منظرُهْ..؟»
الطفلُ مَاتَ وَالمحَارَةُ العَذْرَاءُ
ضَاعَتْ قَبْلَ أن يغيبْ
وكلَّ يومٍ فِي الغُرُوبِ أمشي
علَّنِي أَلْقَاهُ فِي الغُرُوبْ
فكيفَ أنسَى؟ كَيْفَ
والظَّلاَمُ الْمَيْتُ وَالتَابوتُ قَائمَانْ،
فِي الْبَيْتِ،
والوَحْدَةُ تصبُغُ الذكرَى عَلَى الْحَائطِ بالدِّهَانْ؟
IV
طالَتْ رِقَابُ الْبُومِ،
واعْتَدْتُ عَلَى زُجَاجِ الهَيْكَلِ الْقَدِيمْ
وهشَّمَتْ ذَاكرتي طيورُ الصَّمْتِ،
فَانثَالَتْ رُؤَى الْجُنُونْ
أمسِ هجَرتُ الْبَيْتَ غَاضبًا،
وعُدتُ للغربَةِ فِي الطَّرِيقْ
وَكَانَ لِي عشيقَةٌ
وَدِدْتُ لو أرَاهَا تَقْطَعُ الطَّرِيقْ
أغوصُ فِي دَوَّامَةٍ
وبعدَ غيبَةٍ أليمَةٍ أُفيقْ.
رأيتُ جِسْمِي فِي الطَّرِيقِ مَطرُوحًا
وحولِي ثُلَّةٌ تدورْ
سألتُ: مَا جَرَى؟ فأطرَقُوا
وذَابَ سُؤْلِي فِي دَمِي الْمُرَاقْ
مَا زلتُ حيًّا،
هَل حقيقَةٌ أنِّي أَنَا، وَذَا هُوَ الطَّرِيق؟
V
المَرْقَصُ السِّرِّيُّ صَاخِبٌ،
والقَمَرُ الْمَذْبُوحُ فِي السَّمَاءْ
تَطِنُّ مُوسِيقَى كَئِيبَةٌ
طنينَ عَوْلِ النَّايِ فِي الْخَلاَءْ
مَقَاعِدٌ.. موائدٌ.. بَقَايَا صُحُفٍ
تَدُورُ فِي الْهَوَاءْ
أَرَى عَلَيْهَا.. فِي سطورِهَا
عشيقتي الأولي بِلاَ رِدَاءْ
تعصِرُ ثديَيْهَا وتملأُ الأقدَاحَ،
فِي زَهْوٍ وكِبْرِيَاءْ
VI
امْرَأَةٌ لاَ كَالنِّسَاءِ،
ذَاتُ برقُعٍ يشفُّ عَنْ غُرُوبْ
لِعِطْرِهَا الأسوَدِ فَوحَةُ الأشواكِ،
فِي أنفٍ بِلاَ ثقوبْ
أَرَى لَهَا فوقَ الحوائطِ السَّوْدَاءِ
ظِلاًّ أحمَرَ الخُطُوطْ
وفوقَ مِرآتِي خَيَالُهَا الْمَذْبُوحُ،
يستلقي بِلاَ حُنُوطْ
VII
القِطَّةُ البَيْضَاءُ قَدْ نَسَتْنِي
لَبَنُ الأَحْلاَمِ لاَ يَسِيلْ
أطبَقْتُ جَفْنِي وَهْيَ ترتَضِي حُلْمِي
ولكنْ هَلْ يَعِي القَتِيلْ؟
وأذكُرُ الشَّارِعَ حينَمَا سربتُ فِيهِ
سَاعَةَ الرَّحِيلْ
وبعدَ خطوَةٍ أليمَةٍ
يدقُّ صدري طَائِرٌ جريحْ
الْبُومْ
الْبُومُ الْمهدَّلُ الأجَنَاحْ
غَشِيَ الشَّارِعَ الفسيحْ.
* شاعر وفنان تشكيلي مصري مقيم بنيويورك.

شاهد أيضاً

معجزة

خاص- ثقافات *إبراهيم مشارة “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” قال الشيخ الهرم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *