الرئيسية / نصوص / أية بشارة كانت تلك يا أمي!

أية بشارة كانت تلك يا أمي!


*سوزان راسخ


خاص ( ثقافات )
ها أنا هنا من آخر المنافي يأتيني صوتُ أمي يسألني:
هل تريد فنجان قهوة آخر؟.
ألتفت إليها، أومئ برأسي بالإيجاب، وهي التي تنظر إلى فنجان القهوة بشيء من الدهشة والإثارة، وقد اعتادت أن تقرأَه لها جارتها، بعد أن تحدّق في عينيها بتركيز عالٍ، ثم في الرسومات التي تشكلّها بقايا البُنِّ في الفنجان المقلوب، وعلى وقع الرجاء المعهود لأمي العطشى لكلمات ترويها، تطلب منها أن ترى لها أياماً أفضل:
يا حبيبتي.. الله يرضى عليك.. طمّنيني.. هل سأراه قبل أن أموتَ واللاّ لأ..؟
تجيبها الجارة وهي تعزف على وتَر أحزانها:
أنتِ حزينة .. فنجانك دامع لم يجفّ بعد.. لكنني أرى من خلال الدموع طاقه، هي طاقة فرَج، سوف يخرج ابنك من السجن.. سوف يعود.. وقريباً جداً بإذنه تعالى.!
فتستقبل أمي النبوءة كلَ يوم بكثير من الفرح، وكأنها تسمعها لأول مرّة!.
كان ذلك سلوك حيرة وهدهدة للوهم وهذيان!.
ألم يقولوا إن صاحب الحاجة أرعن؟ .
لكنها عندما صدقتْ أخيراً، وتحقّقت النبوءة التي بقيتْ الجارة تردّدها يوماً بعد يوم ولقرابة ثمان سنين. 
زغردت أمي كما لم تزغرد من قبل!.
فكما اعتاد الحزن الفلسطيني البكاء من عيون مدرارة، فإن فرحه اعتادَ الزغاريد من أفواه مطواعة. 
زغردت أمي كما لم تزغرد وكانت البِشارة للجارة! .
وهنا أقول: أي بِشارة كانت تلك يا أمي؟. 
كلُّ ما يهمّك أنني أمامك بجسدي، ولكن، هل تعلمين أنني في الحقيقة ما زلتُ أتسكّع على أرصفة المنافي الباردة في داخلي، محنيّ؟؟؟؟؟ الظهر، وحيداً، غريباً؟. 
أنت، يا أمي، في قراءة الفنجان تؤكّدين عجزك عن تفسير ما يحدث في حياتِك، فهل يا تُرى أصبحت عاجزاً، أحتاج مثلكِ إلى خُرافة قراءة الفنجان؟.
وها هي بقايا ضياء شمس الأصيل الخريفيّة الباهتة الغاربة الخجلى مختبئة خلف التلال تلوح من خلال النافذة مودّعة، وأضوية المدينة بدأت تتلألأ تِباعاً، لأجلس أنا، ووطني المجروح في داخلي بكل أوجاعه، وذاكرة متعبة، وفنجان قهوة، وأوراق وقلم، ودخانُ سجائر؛ وأنا أحمل منفاي الجديد معي، بعد أن غادرت منفى السجن.
أحدّق في الفنجان المليء بالحزن، كلما أقتربُ بشفتيّ منه، تبدو لي قهوتي باكية، هي تعلم أسراري وما يخفيه قلبي.
كان هناك هاجس يقول لي: أليس من حقّي أن أكون أحد المجانين والشعراء الذين قال عنهم نزار قباني إنهم هم الوحيدون الذن يحسنون الكتابة عن منافيهم وجراحهم؟ .
وها أنا أخيراً أتحوّل إلى أحدهم، وأنا الذي أصبحتُ ابن المنافي بامتياز.
قال همنغواي “إن الإنسان يحتاج إلى سنتين كي يتعلم الكلام.. وخمسين سنة كي يتعلم الصمتْ! .
أما أنا، فقد أتقنت الصمت باكراً ولم أقترب من الخمسين بعد، أتقنتُه وسط انكماش، وهجرة داخلية في النفس، وأنا مثقلٌ بالكلمات..
وها أنا أحاول أن أكتب بخط مرتجف، وأنا أشعر بقدسيّة الاعتراف على الورق حدّ المهابة.
أكتب وأنا أفتح سرداباً جديداً، وأدخلُ في عتْمة، عتمة غير عتمة الزنازين التي خبرتُها كي أستريح فيها، أودع فيه خفايا الروح، بل الخيْبات، خيْباتي الكثيرة التي توالت تباعاً، كمن دخل غرفة الاعتراف في الكنيسة!.
أليس غريباً أن تصبح الأوراق أحياناً كالكاهن الذي تودعه أدقّ أسرارك، وأنت مطمئنّ أنه لن يفشيها مهما كلّف الأمر؟.
غريبةٌ هذه الدنيا..! 
أبحث فيها عن نفسي بين الأحياء، وحتى الأموات، فلا أجدها، وأنا أرى التضليل الإعلامي قد فاق كلَّ التصوّرات والتوقّعات؛ حتى تغيّرت لغته وتحوّلت إلى كلام بلا رصيد على أرض الواقع، فلم أعد أفهمها، تماماً، مثلما تغيرت أنا على وقع خطوات الزمن ولم أعد أفهم نفسي!.
تُرى هل أنا نسيج وحده؟ حالة شاذة؟ حتى أصبحت خارجها وخارج هذا الوطن، بعد أن خبأت وطناً آخر في داخلي، لا يوجد فيه متسلّطين تحت عباءة الأيديولوجيا، ولا تبدو فيه العروبة والقوميّة العربيّة والعزّة والكرامة والمقاومة، ، كأنها عار، أو مرض مُعد يستوجب الشفاء منها بعد أن أساءوا ممارستها وتبرأوا منها.
غريبٌ هذا الزمن!.
مُفجعٌ أحد أيامِه!.
مفجعٌ.. عندما رأيتك مساءً وأنا عائد إلى البيت تسيرين معه ومعكما صبيّة صغيرة. 
كنتِ حينها تَبدين مزهوّة والحب ينطق من عينيْك، تماماً مثلما كنت عندما تكونين معي، وأنا الذي طالما تساءلت من منفاي في الأسر: تُرى إن رأيتِني، هل ستجيئين نحوي؟.
لكن رؤيتِك لي بعد سنين من ذلك اللقاء الأخير، والذي فيه كان كلَ شيءٍ يبدو مثاليّاً حدَّ النشوةِ وأنت تقولين لي: لن تفرّقنا الأيام مهما حدث، كمن استيقظ من إغفاءة عيْن، فرأى أمامه الذي لم يتوقّع رؤيته، أما أنا، فقد كانت رؤيتي لك كخفقة وسط العاصفه، كصعقة كهربائيّة انتفض منها جسدي، فاكتفينا نحن الإثنان بإيماءةٍ بسيطة، وابتسامة مغتصبة جاءت على شفاهنا متكسّرة.. بطيئة.. متردّدة!.
تُرى.. أكنا نبتسم لما آل إليه حالُنا، بعد أن وضعتنا الأقدار على مفترق طرق؟.
أحقاً كانت لمشاعرنا فترة من الصلاحية كحليب الأطفال..؟ 
أكانت غلطتُنا أننا رمينا أنفسنا في بحر العشق بلا بوصلة.. بلا خريطه.. بلا شهادة تأمين؟.
أكانت رقصتنا كرقصة التانجو؟ 
تلك الرقصة الحزينة التي يتناغم فيها جسدان وهما يخطوان خطوة إلى الأمام وخطوتيْن إلى الخلف.. وكأنهما يُعانقان حياة تجمع في نسماتها عطر الحب والقلب، الشغف والعشق، رقصة تنتهي بتوقّف الموسيقى، وانفصال الراقصيْن عن بعضهما!.
قدار 
بعدها مضيتُ في سبيلي وأنتِ تقودين خطواتي إلى حيث ذاكرتي المتعبة، أرنو حزناً إليك.. فأشعر برغبة في البكاء.. والشهوة!.
وها أنا الآن أضع القلمَ جانباً، أجلس كما لم أجلس من قبل، أجول بناظري في غرفتي، لأرى صورتي في المرآة. 
رجلٌ أكل منه المرض وغول السجن والسجّان ما أكل!.
رجلّ هيئته تشكو حكم مرورِ الزمن وتقلّباته!.
وجه مشوّش بتجعّدات وتغضّنات، والحاجة إلى حبوب الضغط والسكري، وأوجاع الظهر والمفاصل، كلها تشي بسطوة حكم الزمن والعجزِ عن الانعتاق من قيوده. 
أما أوجاعي النفسيّة، فقد أصبحتْ مزمنة دون علاج بعد أن تلاشت الأُمنيات والأحلام في جغرافيا داخلي.
إنها عذاباتُ الاغترابِ الفكريّ والروحيّ والجسديّ، بفعل الكثير من الألغاز التي تستعصي على الحل. 
خوف الصغار والكبار من الحيّة والضبع والغيلان والعفاريت.. وما رافقها من حكايات وأساطير لم يعد لها وجود الآن، لكن حلّ مكانها خوفٌ من نوع آخر. إنه الخوف من الإنسان وقسوته وجبروته وعنفه واضطهاده لأخيه الإنسان، وما يرافقه من حكايات التنكيل وإراقة الدماء والدمار في ظل الصراعات التي يعجّ بها عالمنا الجارف، متمثّلة بتلك الصور المقزّزة التي تمتلأ بها شاشات الفضائيّات وصفحات الجرائد والمواقع الإلكترونيّة، لا ندري متى تتوقّف!.
وها أنا وحيد في منفاي الأخير، والليل الوالليل الأسود يمتد أمامي، وأيلول أشجار تحتضن عتمته تترنّم على نقرات رذاذه، تتراقص عارية على صفير الرياح في جنباته بعد أن ألقت بثوبها الأصفر بساطاً للأرض كنساء علمن فنون الغواية وأتقنّ مهنة التعرّي.. أهفو إلى عالم أسطوري طالما خبأته تحت وسادتي، عالم أسطوري جميل ليس فيه رحيل.. ولا لهفة لحبيب ولا حنين للقاء. 
عالم أسطوري جميل، ليس فيه وقت ولا زمان، ولا حزن حدّ البكاء، ولا حروب ودماء، بل فرح ألتقطه كلما لاح لي مختبئاً بين الغيْمات، عالم فيه لن يكون هناك يومّ يخيفني بمفاجآته، أو غاصب يرهبني.. بل فرح.. وحبّ.. ورقص.. وأمان. 
فأي بشارة كانت تلك يا أمي..؟
susanrasekh@yahoo.com

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *