الرئيسية / نصوص / زرقاء في النهار .. سوداء في الليل

زرقاء في النهار .. سوداء في الليل


*ممدوح رزق


خاص ( ثقافات )
كان ينظر في وجهي بذلك النوع من الاستياء المُقبض، الذي يُجهّز هدوءه عنفاً وشيكاً .. كان ينظر لأسفل حيث لم أكن قد كبرت بعد حتى يتجاوز جسدي قامته .. لكن وجهي كان كما هو الآن .. وجه رجل في الأربعين، يحمله جسد قصير في السابعة من العمر، وينظر لأعلى .. أمر متكرر يحدث، لكنه هذه المرة أكثر قسوة بفضل ذقنه التي لم يُحلق شعرها الأبيض منذ فترة طويلة، وملامحه المرهقة، وعينيه اليائستين أكثر من أي وقت مضى .. حتى بيجامته الكستور المنطفئة بدا كأنها تتسع تدريجياً أثناء وقوفه كعملاق بائس، بما يؤشر لنحافته المتسارعة .. كان يطلب شيئاً لم أنفذه .. شيء لم أفهمه أصلاً .. أمر متكرر جداً لدرجة أنه يصلح كعنوان صلب للحياة .. لكنه هذه المرة ظهر كأنه يحتاج بشدة أكثر مما يطلب برغبة عادية، رغم التأنيب الذي تتصاعد وحشيته .. فجأة ـ كالمعتاد ـ ارتفعت قبضته أمام وجهي بأصابعها الغليظة المضمومة لأعلى .. العلامة التقليدية التي أحسنت تربيتي، حيث يقترن اللوم الذي بلغ ذروته بتهديد مخيف قد ينفجر كصفعة حارقة على الخد الأيمن .. لكنني ـ للمرة الأولى ـ اقتربت بوجهي من يده، ثم ألصقت خدي الأيمن ببطنه الذي فقد قدراً كبيراً من ضخامته .. قلت له بتحدٍ مرتبك ونفاذ صبر خائف: (إذا أردت أن تضرب فلتفعل) .. شعرت ـ للمرة الأولى أيضاً ـ وأنا أنطق بهذه الكلمات أنني أعني بالضرب المضاجعة القهرية .. كأنني أخبرته بأنه إذا أراد اغتصابي مجدداً فليس هناك داع لذلك الرعب التمهيدي .. تفاصيله المزرية كانت تزيد من قوة شعوري بهذا المعنى: ذقنه البيضاء، وملامحه المرهقة، وعيناه اليائستان .. أما ذراعه السمينة التي أصبحت ممدودة فوق رأسي فكانت أشبه بعضو هائل متعدد الأطراف لم يعد قادراً على الانتصاب كما يجب .. تحوّل الشعور إلى اكتشاف للتاريخ .. لم تكن صفعات على الوجه، بل كانت مضاجعة قهرية .. لم يكن اغتصاباً مجازياً بل إخضاع جسدي لفحولة ربما لم يكن بالإمكان إدراك مدى شراستها إلا وهي تتضاءل .. كنت أحس بفظاظتها العاتية بينما يخطو ضعفها نحو زوالها التام .. لم أعرف ماذا حدث بعد ذلك .. حينما استيقظت كان لا يزال ميتاً، وكان هذا مؤلماً ومهيناً .. فكرت في أنني لم أضربه قبل موته سوى مرة واحدة فقط، ولم تكن تلك اللكمة البسيطة في الكتف تمتلك حتماً الجبروت المنتشي لصفعاته .. الأسوء أنه وقتها لم يكن يتذكرني، ولا يعرف من يكون، وكان ينزلق نحو الفناء كطفل أعمى بلا ذاكرة .. كنت أريده أن يكون حياً الآن .. لاشك أنني كنت سأنتهز كافة الفرص لأرفع عضوي في وجهه، وربما كنت سأصفعه ولو برفق، كلذة شبقية مختلسة في ظلام ما .. لكن للأسف ـ وهو المهين في الأمر ـ فات أوان الانتقام .. لست متأكداً حقاً من أنني كنت سأقدر على ذلك لو كان حياً، لكن غيابه منعني ـ وهو الجانب المؤلم ـ من تحقيق ما كنت قادراً عليه فعلاً .. أن أحاول مجدداً فهم ما هو الشيء الذي كان يحتاجه بشدة .. ربما كي أبحث عنه .. ربما كي أحاول إقناعه بأن جميع الأشياء تتساوى في الحقارة، ولا تستحق أن نتحسر على ضياعها .. لماذا لا يكون أبي هو الذي استيقظ من الموت خلال هذه الثواني التي تصورتها حلماً ثم عاد إلى المجهول؟ .. لماذا لا أكون قد مت خلال هذه الثواني ثم عدت إلى الحياة بعد انتهائها؟ .. حينما استيقظت كان لا يزال ميتاً، وكانت الحياة لا تزال في انتظاري كي أستمر في طلب الأشياء من الآخرين .. الأشياء التي لا ينفذونها .. الأشياء التي لا يفهمونها أصلاً.

شاهد أيضاً

نافذتي البحرية

خاص- ثقافات *محيي الدين كانون كم جلسنا هناك …! تحت شجرة التوت العتيقة .. كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *