الرئيسية / فنون / نوري بيلج جيلان: فقط أحكي حكايات عن البشر

نوري بيلج جيلان: فقط أحكي حكايات عن البشر




أحمد شوقي*




“أعتذر لأن لغتي الإنجليزية ليست جيدة، لكني سأستخدمها على أي حال.. لا أثق بالترجمة لأنها تضع فاصلا بين المتحدثين”. هكذا بدأ نوري بيلج جيلان محاضرته ضمن ملتقي “قُمرة” السينمائي في الدوحة. ليبدأ بعدها المخرج التركي المتوج بخمس جوائز رسمية من مهرجان كان على آخر خمسة أفلام قام بإنجازها، آخرها السعفة الذهبية عن “سبات شتوي” قبل عامين، ساعتين من الحديث المسترسل حول مسيرته وآرائه في صناعة السينما. تنقل لكم “القاهرة” تفاصيلها:

البداية
احتجت عشر سنوات حتى أبدأ مشواري، وقتها لم يكن هناك تصوير رقمي وكانت صناعة الفيلم مكلفة، لذا انتظرت سن السادسة والثلاثين لأقدم أول أفلامي. الأفضل دائما هو البدء مبكرا في عمر يسمح لك بارتكاب الأخطاء، لكني لم أنل هذه الرفاهية. قبل صناعة الأفلام عملت مصورا فوتوغرافيا وأجدهما عالمين مختلفين، الفوتوغرافيا أقل عمقا وقدرة على التعبير عن الجانب المعقد من الحياة. عندما كنت مصورا لم أكن واقعيا لكن في أفلامي الواقعية أمر ضروري، والغريب أن الواقعية المفرطة قد تبدو قمة في السوريالية لو أعطاها المخرج الاهتمام الكافي.

عندما بدأت شعرت أني كائن فضائي يزور السينما التركية، لا أحد يهتم بهذه النوعية من الأفلام أو يمولها، حتى أني صنعت فيلما قصيرا وثلاثة أفلام طويلة من مالي الخاص. فريق فيلمي الأول “قصبة” تكون من شخصين هما أنا والفوكس بولر focus puller لأنه الشخص الوحيد الذي لا يمكنك عمل فيلمه دونه، تحتاج فقط فوكس بولر كي تصنع فيلما، بينما كان باقي المشاركين من الأصدقاء والأهل.

فيلمي الثالث، وأول أفلامي تحقيقا للشهرة والنجاح “بعيد”، صورته في شارعي وسيارتي ومنزلي، لذا كان لدي الوقت الكافي للتحضير بدقة لكل التفاصيل. كنت أسير بالكاميرا ألتقط صورا لأحدد لقطاتي، ثم أفكر في الممثلين وطريقة حركتهم داخل كل كادر. لاحقا تخليت عن هذه الطريقة، صرت أُفضل التلقائية، ربما أتاني ذاك مع زيادة ثقتي بنفسي. التحضير له مميزاته لكنه يحرمك من المفاجآت السارة الآتية في آخر لحظة. أذهب إلى موقع التصوير، وهناك آخذ معظم قراراتي.

المونتاج والصوت
أنا مهووس بالمونتاج، وأقوم بعمله لنفسي في كل أفلامي. حتى عندما أعمل مع مونتير يذهب هو لبيته وأسهر أنا للثانية صباحا أواصل العمل. المونتاج مليئا بالاكتشافات. مهما بلغت خبرتك كمخرج لا يمكنك أن تتوقع ما الذي سيحدث في غرفة المونتاج. تقوم بكتابة السيناريو وتصويره بطريقة تعتقد أنها ستنجح، وتكتشف على طاولة المونتاج فشلها وأن عليك إيجاد حل آخر. لذلك أقوم بتصوير كل الاحتمالات الممكنة التي قد أحتاج إليها، ويساعدني في ذلك تصوير الديجيتال، لأن تكلفة الخام كانت تعوقني.

خلال قيامي بالمونتاج أقوم بالتصميم الأساسي لشريط الصوت، لا يمكنني منتجة المشهد دون تخيل الصوت فيه. في المقابل مُسجل الصوت هو الشخص الأكثر حرية في فريقي، لا أطلب منه أن يفعل شيئا سوي تسجيل الحوار بوضوح، تركيزي خلال التصوير ينصب في التمثيل والصورة. أي شيء آخر أقوم بإعداده لاحقا. في أول أفلامي فقط اتفقت مع ملحن أن يضع موسيقى للفيلم لكن النتيجة لم تعجبني، من وقتها قررت ألا أضع موسيقى خاصة للفيلم. تأليف الموسيقى يكلفك الكثير ثم قد لا يعجبك. إذا ما احتجت موسيقى أستخدم موسيقى قديمة أعرفها بالفعل.

“البعض يحب حبيبات الصورة أكثر من الأفلام!”

مخرج ممثل
فيلمي الرابع “أجواء” حمل الكثير من التجريب، فقد قمت وزوجتي بالتمثيل في الفيلم، وكان أول فيلم أصوره بطريقة الديجيتال. قررت أن أستغل مزايا التقنية وأمنح نفسي مساحة أكبر للارتجال أمام الكاميرا، لذلك كان أكثر سيناريو كتبته مفتوحا وغير محكم ومليئا بالاحتمالات، وهو ما جعلني أمتلك أكثر مادة مصورة حصلت عليها من قبل. ولأن الفيلم غير محكم في مراحل الكتابة والتصوير، كان من الضروري أن يصير أكثر أعمالي إحكاما فيما يتعلق بالمونتاج.

تجربة التمثيل كانت مؤلمة. أنا مخرج مهووس بالسيطرة على كل شيء، والوقوف أمام الكاميرا قلل من قدرتي على السيطرة. تمكنت من إنجاز المهمة بفضل الديجيتال، لكن من الصعب أن أكررها مرة أخرى لأن طاقتي لم تكن كافية لفعل كل هذا. للأمر مزايا بالطبع على رأسها عدم الحاجة لكتابة كل الملاحظات بدقة وامكانية الارتجال وتجربة خيارات مغامرة، لكن بالتأكيد لو صنعت هذا الفيلم مجددا سأستعين بممثل آخر.

أهم درس في الفيلم يتعلق بالتصوير، علمت أن الديجيتال حتمي. التصوير ليس مكاني المفضل، يكون لديك وقت محدود وعشرات التفاصيل كي تركز فيها، وحده الديجيتال منحني الفرصة لتصوير كل شيء وأخذ القرارات على طاولة المونتاج، حيث المكان الوحيد الذي أكون فيه متأكدا. الأمر لا يتعلق فقط بحرفة اللقطات لكن بقدرتي على تصديق ما أراه، النفس البشرية معقدة وغير متوقعة، أحيانا أكتب مشهدا بطريقة ما ثم أراه في المونتاج فلا أشعر أن هذا حقيقي، تماماً كما تشعر بأن من يحدثك يكذب من عينيه. هذه أمور يصعب تحديدها سواء في الكتابة أو التصوير، فقط في المونتاج لو كان لديك مادة مصورة كافية بإمكانك أن تشعر بها.

هو أيضاً أول فيلم أستعين فيه بمصور، كنت أحمل الكاميرا بنفسي مسبقا ولم يكن هذا ممكنا وأنا أمثل. بالطبع لم أكن أثق بأي إنسان غيري، لذا استعنت بمصور تنفيذي operator من الشركة التي أجرت منها الكاميرا، لم يكن قد قام بتصوير أي فيلم من قبل، لكن ما همني هو أن يجيد استعمال الكاميرا، وأن ينفذ ما أطلبه منه بدقة. خلال التصوير أعجبني عمله فاتصلت به وأخبرته أني سأكتب اسمه على التترات مديرا للتصوير. التجربة علمتني أن السيطرة لا تأتي بحمل الكاميرا، لأنك وإن تحكمت في الصورة تفقد بعض التركيز مع الممثلين، بينما لو تابعت التصوير من شاشة وعملت مع مصور يفهمك يُمكنك أن تُحكم سيطرتك أكثر على كل عناصر الصنعة. من يومها وأنا أعمل مع نفس الشخص (جوكان تيرياكي) والآن هو أهم مدير تصوير في تركيا.
“إذا اهتممت بالشخصيات والمشاعر والدراما.. المكان يصير أقل أهمية”

في ذلك الوقت لم تكن الكاميرات الرقمية قد تطورت على مستوي الجودة كما هي الآن، كان لا يزال من الصعب أن تحصل على صورة عميقة، لكن الجانب الآخر من السينما كان الأهم بالنسبة لي: الحقيقة والغوص في أعماق النفس البشرية. الآن لا تفقد شيئا من الجودة بالتصوير الديجيتال، وحتى من يُصر على الخام يضطر لتحويله عند المونتاج والتلوين. الحقيقة أنا لا أفهم من يدافعون عن الخام حتى الآن. الأمر في الأغلب يتعلق بالنوستالجيا لا أكثر. يتحدثون بحزن عن غياب حبيبات الصورة في الديجيتال بينما الواقع لا توجد فيه حبيبات. أشعر أحيانا أن البعض يحب الحبيبات أكثر من الأفلام!

حدث ذات مرة في الأناضول
بدأت بعد “أجواء” أكتب سيناريو أعمالي بمشاركة زوجتي إيبرو. الكتابة شيء محير، تجد نفسك طيلة الوقت محاطا بقدر لا ينتهي من الأفكار، لكن لسبب ما تتحمس فجأة لإحداها، تقضي وقتا في كتابتها ثم تجد نفسك تفقد الحماس لتصوير ما كتبته. باختصار لا تجد النتيجة تستحق ضياع سنتين أو ثلاث من عمرك لنقلها إلى الشاشة. لذلك أعتبر كتابة السيناريو أصعب مراحل صناعة الفيلم، وعمل زوجتي معي يسهل الأمر، لأنها أولا تمنحني وقتا أكثر للتركيز في أمور أخري، وتشاركني ثانيا في جلسات عصف الذهن بشكل مفيد، وفي نهاية الأمر تبقي الكلمة الأخيرة لي في حالة عدم وصولنا لاتفاق. لكن ولأنها زوجتي، فهي أكثر شخص قادر على معارضتي ورفض أفكاري، وكثيرا ما تشاجرنا حتى الصباح حول السيناريو، حتى أنها ذات مرة غضبت وقررت ألا تعمل معي مجددا، وافقت باستهانة وقلت سأعمل وحدي، لكني فشلت واضطررت أن أراضيها كي تعود وتكتب معي.

فيلم “حدث ذات مرة في الأناضول” بدأ بحكاية رواها لي صديق يعمل طبيبا شرعيا، أنه قضي ليلة مع فريق يفتش عن جثة بصحبة القاتل. خلال الحكاية لفت نظري تفصيلة بعينها هي أنه بحلول الليل كان المحققون والمجرم صاروا أشبه بالأصدقاء. رأيت هذا إنسانيا جداً، الوجود معا لعدة ساعات جعل المحققين يسقطون حقيقة كونه قاتلا ويشعرون بألفة تجاهه، من هنا انطلقت لكتابة سيناريو الفيلم.


أحيانا تصادق أحدا لخمس سنوات، تقابله وتحدثه وتظن أنك تعرفه جيدا، حتى تسافر معه للخارج فتدرك أن حقيقته مختلفة تماماً. كأننا نحتاج لعامل مساعد يسرع عملية إلقاء الضوء على حقيقة الشخصية. “حدث ذات مرة في الأناضول” عن هذا تحديدا، عن كيف يمكن خلال زمن لا يتعدى ساعات أن نكتشف الجوانب المظلمة في الشخصيات.

كان أول فيلم أخرجه بهذا الحجم الإنتاجي، كنا نصور في أماكن غير معدة للتصوير وبالتالي نحضر معنا كل شيء حتى الحمامات، أول مرة أحتاج لهذا العدد من الشخصيات والممثلين، وبالتالي قللت مساحة الارتجال للحد الأدنى وحاولت أن أنجز الفيلم بنجاح إنتاجي. كان أيضاً أول فيلم أختار له طاقم تمثيل كاملا من المحترفين.

هواة ومحترفون
قناعتي أنه إذا أردت أن تنجز فيلما بدقة والتزام ونص مكتوب بإحكام فعليك بالمحترفين، أما لو كان لديك رغبة في التجريب والارتجال فالهواة خيار مناسب. الأمر يعتمد على المشروع لكني بشكل عام أفضل المحترفين. الهواة من الصعب السيطرة عليهم، ليس لأنهم لا يجيدون التمثيل لكن لأنهم غير مرتبطين بالسينما بالقدر الكافي. خلال مرحلة اختيار ممثلي “ثلاثة قرود” أردت اختبار ممثل هاو لكنه طلب تأجيل الموعد لأنه سيقضي اجازة في منزله الصيفي، بينما عندما اتصلت بممثل محترف كان في الهند وجدته عندي في اليوم التالي. بالطبع الهواة يمتلكون طزاجة يصعب منافستها، لكن عليك أن تخدعهم معظم الوقت، أحيانا تصورهم دون أن يعلموا، أو تخترع حيلة ما لتحصل منهم على ما تريد، ورجل مثل عباس كيارستامي يخرج بنتائج مذهلة من العمل مع الهواة.

“لا تجعل نفسك سجينا لأول فكرة جاءت في خيالك”
معظم المخرجين يقرؤون السيناريو مع الممثلين قبل التصوير، لا أحب القيام بهذا لأنه يجعل الأمور مصطنعة عند التصوير. أدخل الممثلين إلى الموقع وأبدأ التصوير فورا، وكثيرا ما تأتي النتائج بمفاجآت طيبة. تجربتي مع الإعادات أنه مع المحترفين عادةً ما تكون آخر لقطة تم تصويرها هي الأفضل، بينما مع الهواة غالبا ما تكون أول لقطة هي الأفضل.

عندما تكتب شخصية تضع تصورا عن شكل الممثل وطريقة حديثه وحركته، لكن قد يأتيك فجأة ممثل يجعلك تفكر في تغيير هذا التصور لأنه سيكون خيارا أفضل. اخترت ممثلا للعب الدور الرئيسي في “بعيد”، أجريت له اختبارا بقراءة مشاهد وأعجبني، حتى رأيته يوما يسير أمامي، أدركت لحظتها أنه يمتلك طاقة وحيوية أكبر بكثير من الشخصية، وأن هذا سيشكل معاناة لكلينا خلال التصوير فقررت تغييره. الطريف أن الممثل الذي لعب الدور كان الأسوأ في اختبار قراءة المشاهد، لكن عند وضع الأمور في الصورة الأوسع كان هو أفضل اختيار.

لاحظ أن عليك دائما التحرر من الكليشيه، هناك موقف أعتقد أن هيتشكوك هو من رواه، عندما طلب ممثلا لدور رسام فأتاه ممثلون كلهم يمتلكون نفس الملامح، بينما في الواقع ستجد أشكال الرسامين هائلة الاختلاف. في السينما عليك أن تكون دائما مستعدا للتعديل، وألا تجعل نفسك سجينا لأول فكرة جاءت في خيالك.

عن سبات شتوي وفن السينما
فيلم “سبات شتوي” أخذته عن قصة “الزوجة” لتشيكوف، وهي قصة ظلت في ذهني خمس عشرة سنة لم أجد في نفسي خلالها الشجاعة الكافية لتقديمها. حتى شعرت أنه الوقت المناسب فعكفت مع زوجتي ستة أشهر لكتابة السيناريو. أعتبره سيناريو جريئا لأنه مليء بحوارات كثير منها فلسفي أثقل مما اعتاد الناس مشاهدته في السينما، لكن من الصحي أن تمتلك شيئا لتخاف منه خلال صناعة الفيلم لأن ذلك يدفعك للعمل بتركيز أكبر. في هذه الحالة كان مصدر الخوف هو حوار الفيلم.

لا أهتم كثيرا بمواقع التصوير، لست من المخرجين الذين يعثرون على مكان ساحر فيقولون يجب أن أصنع فيلما وأصوره هنا. إذا اهتممت بالشخصيات والمشاعر ودراما الفيلم، لن يكون المكان أبدا بنفس القدر من الأهمية. بالطبع عندما أصور في مكان جميل مثلما حدث في “سبات شتوي” أحاول الاستفادة من الموقع للحد الأقصى، لكن قناعتي أن بإمكاني تصوير نفس الفيلم بنجاح في أي مكان آخر.

لا أحاول أبدا أن أكون مضحكا في أفلامي، لكنك عندما تلتزم بالواقعية لابد أن يسفر ذلك عن حس كوميدي ما، لأن الواقع مضحك حقاً. وإذا وصفت صانع الأفلام بأنه “مراقب محترف للحياة” فيمكنني الجزم بأن المواقف التراجيدية في الواقع هي الأكثر طرافة، ربما بسبب التباين الذي تمتلكه في جوهرها.

تعودت في أفلامي ال أولى ألا أحرك الكاميرا لأن تحريكها كان مكلفا على المستوي الإنتاجي، لم يكن في استطاعتي تحمل إيجار معدات التحريك، ووجدت البديل في تحريك الممثلين داخل الكادر بصورة تمنح المشهد معني. الآن تكون كل المعدات متوافرة لدي عند التصوير، لكني ما زلت أحرك الكاميرا في أضيق الحدود وعندما أجد ضرورة. على المخرج ببساطة أن يدرك أنه يروي حكاية الشخصيات وليس حكاية الكاميرا.

الطريقة الوحيدة لجعل السينما عميقة هي الجمع بين امتلاك صانع الفيلم للإجابات وعدم طرحه لها. عندما أقدم حكاية من الضروري أن يكون لدي وجهة نظر تجاهها، لكني لست مُعلما ولا أعتبر نفسي أعرف شيئا يحق لي أن أعلمه لغيري، فقط أحكي حكايات عن البشر. ليس على الفيلم أن يعلم المشاهد شيئا أو يمنحه إجابات، بل يجب ألا يفتش الجمهور عن إجابات واضحة داخل الفيلم، عليهم أن يخلقوا الإجابات لأنفسهم.

* القاهرة.

شاهد أيضاً

فريدا كاهلو.. شريط ملوّن حول قنبلة

*أسامة فاروق في أحد المنتجعات السياحية الفاخرة المنتشرة على طول الساحل الشمالي المصري يطل وجه فريدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *