الرئيسية / مقالات / العرب والبحار الثلاثة

العرب والبحار الثلاثة


*عدنان الصباح


خاص ( ثقافات )
شكلت الجزيرة العربية الأساس المكاني لبناء الشخصية العربية وهي التي تتميز بأنها شبه جزيرة رملية محاطة بالماء من جهات ثلاث وبالتالي فان التواصل الخارجي مع العالم المختلف مكانيا لم يكن بالأمر السهل فظلت الكثير من البلاد عصية على التواصل معها ولم يشكل البحر وسيلة استنهاض اقتصادي مغاير لطبيعة الصحراء بسبب طبيعة التربة الرملية بعكس المناطق الأخرى المحاذية للبحر بأرض طينية متنوعة التضاريس كما هو الحال في بلاد الشام والرافدين ونهر النيل التي ظهرت فيها حضارات عظيمة لم يقدر لها الاستمرار فقد سقطت حضارة الفراعنة وحضارات البابليين والآشوريين والعديد من الحضارات الأخرى واستبدلت بغيرها ويتميز مواطن البحار الثلاثة أي السماء والماء والصحراء بما يلي:
1- لا يعرف الوطن ولا يعنيه المكان فهو متنقل دائم باحث عن المأكل والمشرب فقط وهما حاجتان بيولوجيتان بدائيتان.
2- الرابط بين الناس ليس المكان بل القبيلة الحامية ولذا ظهر لفظ ( حمى ) القبيلة أي موقع المضرب الذي تقيمه القبيلة بالصحراء فهو متعلق بها لا بمكانه لان القبيلة هي الثابتة والمكان متغير
3- قاطن الرمل والماء لا يعنيه الثبات ولذا لم يكن يعنيه البناء بل اعتمدت الخيام كأماكن للسكن لدى سكان الصحراء 
4- صاحب عقل متخيل واهم بسبب عدم قدرته على الانتهاء من النظر أكان ذلك في الصحراء أو في البحر فهو يقف عاجزا عن الإجابة عن سؤال ماذا وراء ذلك أو إلى أين يصل ذلك وهو سؤال موجه لرمال الصحراء مترامية الأطراف وللبحار والمحيطات التي لا نهاية لها كما يراها الواقف على أطرافها
5- لأن الأسهل على الحياة هو الانتقال على اليابسة فقد استسهل الصحراويين حياة الرعي والتنقل طلبا للعشب والماء ولم يسعوا لخوض مغامرة البحث فيما وراء البحار.
6- لأن الصحراء ارض قاحلة فلم يكن هناك مطامع لدى الآخرين للوصول إليها وبعكس غيرها فقد ظلت البلاد الصحراوية بمنأى عن الحضارات الإنسانية حتى أيامنا هذه بالمعنى التكويني للحضارة أو الانبعاث الحضاري.
7- حتى حين فكر الصحراوي بالماء فقد فكر فيه بنفس طريقة تفكيره بالصحراء وهو استثمار ما فيه من ثروات قريبة أو يمكن الوصول إليها كالأسماك كطعام له او حتى بعض المعادن الثمينة وبذا ظل البحر نفسه مستعصيا وغريبا ولا يعني شيئا لمن يخوض غمار شواطئه القريبة إلا بسرعة الحصول على الصيد.
8- إذن فالصيد هو عنوان الشخصية الصحرواية فهو يبحث عن صيده حيث كان وأيا كان أكان ذلك عشبا أو ماء أو طيرا أو حيوانا أو سمكا أو خلافه فهو أمام عناوين وجود عامة ومفتوحة ولا حدود لها هي الأرض الصحراوية حيث العشب والبحر حيث السمك والسماء حيث الطير والمطر.
9- التقلب وانتظار غير المتوقع كالعواصف الرملية وموج البحر والمطر فهو غير قادر على تكهن ذلك ليتمكن من الرد او تحضير ما هو ضروري لذلك ولذلك فان اول العلوم التي اعتنوا بها كانت التنجيم والعرافة وعلم الانواء او توقع حركة الريح وهطول المطر وقيافة الأثر او اقتفاء الاثر.
المتخيل في العقلية العربية ظل اساس الفكرة الغير مكتملة فهو أي الصحراوي ظل حبيسا لحمى قبيلته او عشيرته وهو ما يفسر بقاء العشيرة حية في العقلية العربية حتى اليوم وسعي البعض مثلا الى تغييب الدولة والقوانين والانظمة مقابل العادات والتقاليد والعشائر وتقبل الانظمة العربية ذلك في الكثير من الاحيان لأنه يسهل عليها احكام سيطرتها على مجتمعات بهذا التخلف فالمطلوب منها ارضاء زعماء العشائر والقبائل وشراء ذممهم بدل احقاق العدالة بين جموع الناس فمن السهل شراء ذمة عدد من الزعماء لإخضاع رعاياهم في حين ان شراء ذمم الرعايا جميعا سيصل بالنتيجة الى تحقيق العدالة الاجتماعية وهو ما يلغي مصلحة الانظمة الحاكمة عبر التاريخ.
العربي في الجزيرة العربية عاش بثلاث انماط رئيسية وجميعها اعتمدت على المتقلب الذي لا يمكن اخضاعه او السيطرة عليه بل يجب الارتهان له وهي:
1- النمط الرعوي المتنقل أي رعاة الابل وغيرها وهو اقتصر تعامله مع الطبيعة كمصدر للغذاء لمكون ثروته واقترنت مهنة الرعي ايضا بمهنة الصيد اولا للتخلص من الحيوانات المتوحشة التي تهاجم القطيع وثانيا كمصدر للطعام
2- النمط المستقر والذي انفردت به المجتمعات الساحلية التي ارتبطت بالبحر لصيد السمك واللؤلؤ وغيرها من ثروات البحر وهؤلاء ظل ولائهم للمكان الآخر فهم يقطنون الارض ليس لذاتها بل لقربها من مكان الثروة التي يريدون وبالتالي فقد ظلوا غير مستقرين ومنتمين لأكثر المناطق قربا من الثروات البحرية المرغوبة
3- التجار وهؤلاء ايضا لم يكن المكان همهم فمصدر حياتهم هو التنقل الدائم بين الغير ليقوموا بعملية متواصلة من تبادل سلع الآخرين والحصول على المكسب بينهما فلا ابداع في مهنتهم سوى القدرة على مواصلة الانتقال واحتياجات الآخرين.
حين يكون المتغير هو المكان فان المتنقل سوف يقبل طبيعة المكان كما هي فلا مصلحة له ولا رغبة بإحداث أي تغيير في طبيعة المكان بل هو يسعى للحصول على ما هو ممكن منه ثم مغادرته فالخراب اذن هو النتيجة فان انت وصلت الى ارض جديدة بها بعض العشب والشجر والماء فان كل ما يعنيك بالأمر كيف تطعم قطيعك من الابل او الابقار والاغنام من هذه الثروة حتى تنتهي ثم تبحث عن ثروة اخرى أي انك ابدا لا يعنيك لا شكل ولا طبيعة المكان ولا ما سيظهر عليه بعد مغادرته.
شخصية الصياد هي الشخصية التي لا تصنع الثروة ولا تبنيها ولا تحتمل بذل الجهد في سبيلها بل هي شخصية باحثة عن الثروة اينما كانت وهي شخصية ترى بحقها بالحصول على ما تطاله يديها او قدراتها البسيطة وحيث تتواجد الثروة يتواجد ولذا لم يعرف مواطني الصحراء الاستقرار والتطور الحضري ولم يرتبطوا بالمكان الا بعد اكتشاف البترول الذي لا يمكن استثماره بدون التطور الحضاري ومعرفة المكان واستخداماته وتشكيل المدن مدخلات ومنتجات بعكس ما كانت عليه الاوضاع من قبل واول المدن التي نش.
هذا الصياد لا زال يعيش الى اليوم فينا على نمطين الاول يرى ان من حقه الحصول على انجازات العالم أيا كانت جنسية هذا الانجاز وهو لذلك يهرب الى الفكر الليبرالي تارة او الفكر الاشتراكي تارة اخرى دون ان يساهم ولو شكلا بإحداث أي تغيير يذكر او اية اضافة نوعية تطويرية لا على هذا ولا ذاك والثاني يرى ان الامساك بالماضي والثبات عنده هو الوسيلة الوحيدة للتمايز عن الاخرين وهو كسلفه ايضا لم يحاول حتى البحث عن اليات تطوير وتحديث الموروث القديم بل سعى الى جعله اداة تقييد تمنع الانطلاق نحو المستقبل, ونحن هنا امام صيادين كسولين فاشلين الاول يكتفي بصيده القديم ولا يسعى لتجديده او تطويره والثاني يبحث عن صيد جديد جاهز كما هو لا يهتم بإحداث أي تغيير ايجابي فيه ولو من باب شرعنة ملكيته له وبذا يظل العقل العربي هنا عقلا مقلدا للجديد او مسلما بالقديم ثابت عنده رافضا لأي تجديد وهما بكل الأحوال وجهان رديئان لعملة واحدة.
شخصية الصياد هذه هي شخصية متلقية قابلة بما يعطى لها دون تفكير فالبنية الاجتماعية للقبيلة تقبل الفكر الجمعي المطلق دون اعتبار حتى للتغذية الراجعة من الفرد المكون لها فهي تلغي الفرد لصالح الجماعة وحتى زعيم القبيلة الذي يحصل على حقه بالقيادة بالقبول والصمت الجمعي فهو غير قادر على حكم جماعته الا بنفس ادواتهم وطرقهم ولا يستطيع الخروج عنهم وهو هنا ليس اكثر من منفذ لرايهم الجمعي الثابت غير المتغير ولو سعى لذلك لفقد مكانته وقدرته على الحكم والقيادة بكل بساطة, وبذا يظل العقل الفردي هنا هو عقل المتلقي المنفذ دون تمحيص ولذا فان مهمة الرعي تتيح لممتهنها التخيل والابحار بعيدا عن الواقع لثلاثة اسباب الاول ان لديه الوقت الكافي لفعل ذلك فهو اذن لا بد له من تمضية وقته كاملا فانقسم المتميزون بين شاعر وفارس لان الوقت كان ينقضي اما بتعلم الشعر وقرضه او تعلم القتال وممارسته وظل الفارس هو الجندي الشجاع والشاعر هو الملهم الفكري المعبر عن امال واحلام ومصالح القبيلة وحياتها والسبب الثاني ان الحفاظ على الانتماء للقبيلة يمنع على ابنائها الاتيان بما هو غريب عنها فلا مجال لديه اذن للسعي في جوانب البحث والتجريب للإتيان بالجديد لإدراكه بالرفض التام لما هو جديد هنا والسبب الثالث ان بحور الرمل والماء والسماء هي بحور متجانسة لمظاهر متجانسة تجعل العقل قابل بما يرى غير باحث وغير نقدي بعكس الطبيعة الجغرافية المتنوعة الجبلية الطينية وما عليها. 
البحار الثلاثة مسطحة وغير متنوعة وهي متقلبة بين عواصف الرمل وامواج البحر وفصول السنة التي تعتمد على حركة الارض وعلاقتها بالشمس ومصدرها المرأي والمباشر هي السماء ومن يعيش بين البحار الثلاثة هذه يظل لديه الاستعداد لتقبل الآتي والقناعة بعدم قدرته على احداث التغيير وهذا ما لا زال العربي يعانيه في عقليته القابلة احيانا بالغير فعلا وقولا او الرافض لذلك القابل بما لديه من باب التمترس داخل حمى القبيلة المعنوي وبالتالي داخل عقليتها لا داخل حمى الوطن المادي والملموس ولذا فان هذه الامة لا زالت تقبل ان تسمي نهضتها وتؤرخ لها بتاريخ ادخال الاحتلال الفرنسي الالة الطابعة لبلادها عبر الاحتلال.

شاهد أيضاً

مع «كورونا»… كيف تتغير جغرافيا عالم الفن؟

*موسى الخميسي مع وباء فيروس «كورونا»، خيَّم على صالونات الفن والغاليريهات في كل أنحاء العالم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *