الرئيسية / إضاءات / في ذكرى رحيله..ما الذي بقي من السياب.. كي نقرأه؟

في ذكرى رحيله..ما الذي بقي من السياب.. كي نقرأه؟


د.علي حداد



القسم الأول 

(1)
لكي نزيل التصور بأن سؤال العنوان يذهب إلى مقاصد الشك تلك التي تبناها البعض فإننا نبادر بالقول بأن هناك الكثير الذي بقي للسيّاب ، وبعد نصف قرن من رحيله مما لم ينل كفايات قرائية وافية ، أو ماهو مهيأ لقراءة أخرى بأدوات معرفية جديدة ووعي آخر. ولذا فلن يكون ادعاء القول بأن شعر السياب يتفرد مع قلة من أمثلة المنجز الشعري العربي في أنه يمتلك الطاقة التي تستطيع أن تمد القراءة بما تريد أن تقف عنده . وأن كل عودة إلى شعر السياب بوعي قرائي جاد التأمل ستجد جديداً يغريها بالوقوف عنده وتأمله مما لم يسبق للقراءات السابقة أن انتبهت إليه ، حتى لتبدو عوالم السيّاب الشعرية كالطبيعة لا تنفد مخبوءاتها وكنوزها ، أو تذبل روحها .
وإذن ، فقد أردنا بوضعه عنواناً مسايرين ـ حتى حين ـ ما صار يتردد من تلك التقولات التي ترى أن متن السياب بتفصيلاته كلها قد اتخم من قراءات متواترة ، وبشتى أنواع البحث والدرس والتقصي النقدي والأكاديمي وسواهما ، بما لم يبق فيه موطئ قدم مضاف لاستعادة قرائية جديدة. وتلك كلمة حق لا باطل في جزئها الأول ذي التوصيف الراصد ، كما هو في سؤالها المضمر الذي يريد للدرس السيابي أن يتوقف مداه ومدده.
لقد تلاحقت القراءات وتراصت بشتى مناهجها وتوجهات أصحابها في الكر القرائي الجاد على تجربة السياب بمتونها الإنسانية والإبداعية ، حتى لا تكاد تداني قراءات السياب أية قراءات في تجارب شعرية أخرى قديمة أو حديثة ، ومن هنا يحق لنا أن نتكلم عن مكتبة سيابية باذخة المكونات ، عمرها عمر سنوات الرحيل التي ذهب في غياباتها جسد هذا الشاعر الخالد .
وفعل القراءة الذي يواجه النص السيابي ـ ونقصده هنا ـ هو ليس ذلك الجهد الذاتي التذوقي الذي تتأسس عليه رغبة الانشداد إلى شعر السياب أو مجافاته بل عبر إحالة أي من الموقفين ممارسة إجرائية تذهب الى النص السيابي مجهزة بأدوات وخبرة منهجية تحاور النص بها ومن خلالها ، لتصنع مستوى من المثاقفة القرائية الجادة .
(2) 
كان منطلق القراءات المتواترة لشعر السياب ما يواجهها فيه من اتساع المتن الذي يخبر عن قيمه في بعدي (شاعرية) السياب و(شعريته) ، تلكما الفاعليتان اللتان يمكن من خلالهما تبيان قيم التجربة ومتحققها في تاريخية حضورها وبعدها الفكري الرؤى التي تبنتها وفي المنجز الجمالي أيضاً، ومع السياب دون سواه .
وإذا كان فضاء تلك القراءات المتسع تمثلاً لقناعات موضوعية كانت تجربة السياب الشعرية جديرة بها حقاً ، فقد بدا لنا أن هناك جانباً من الجهد المبذول في قراءة المتن السيابي ـ بتفصيلاته الإنسانية والشعرية ـ يمكن لمتلقيه أن يلمس فيه ما يؤشر مضمراً يشكل التعاطف واحدة من دوافعه ، فلقد شرع موت السياب الدرامي والمتسلسل في وقائعه ـ وما سبقه من مكابداته متعددة الأوجه والوقائع ـ باباً لا يكاد يغلق حتى يومنا هذا من المواقف المختلفة في تمثلاتها الشعورية التي بدا لنا إمكانية أن نستعير لها ماكان قد قاله السياب نفسه ـ في واحدة من قصائده ـ عن مواقف الآخرين منه أيام غربته فهو بين :(احتقار) و(انتهار) و(ازورار) أو (خطيه) ، (تنظر قصيدته : غريب على الخليج). وإذ لم يعد هناك من يقدر أن يتخذ الموقفين الأولين بعد أن ارتقى السياب ومنجزه الشعري إلى مصاف من الخلود التاريخي والجمالي الذي لا يمكن نكرانه ، فلعل الموقفين الأخيرين مايزال لهما الذي يدل عليهما مما يثير رغبة التأمل والمراجعة ، ولاسيما الرابع الذي يبدو أنه قد أسس ـ لاحقاً وحتى وقتنا الراهن ـ للإحساس بالتقصير في إعطاء السياب ـ أوان حياته ـ مايستحقه من مكانة شعرية كان على أعلى منصات الجدارة بها . حتى ليمسي ذلك نوعاً من عقدة الذنب ـ التي تبدو واضحة عند المثقف العراقي أكثر من سواه ـ تلك التي لاتمحوها إلا الكتابة عن السياب وشعره ، ليس لأنه جدير بذلك ــ وهو أمر لا يختلف فيه رأيان إلا كان أحدهما مغرضاً ـ ولكن فيها ما يوحي بمسعى التبرؤ من قسوة أقدار السياب وما سايرها من مواقف الآخرين ، حتى لتبدو بعض تلك الكتابات ـ ولاسيما عند بعض مجايليه ـ وكأنها من مقتضيات التنصل عن تلك الجريرة ، والانضمام إلى (النقاد التوابين) ، أو تقديم فروض الترحم من قبل أولئك الذين جاءوا لاحقاً.
ومنطلق هذه الرؤية لدينا أن من يراجع تاريخية الكتابة النقدية عن السياب سيجد أنها جاءت بعد وفاته ، ابتداء بدراسة (محمود العبطة المحامي) الرائدة التي جعل عنوانها: (بدر شاكر السياب والحركة الشعرية الجديدة في العراق) وصدرت في العام 1965م، تتلوها في العام اللاحق دراستا :عبد الجبار داود البصري (بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر) ، ودراسة سيمون جارجي (بدر شاكر السياب ـ الرجل والشاعر) ، لتشهد السنوات اللاحقة توالي الدراسات عن حياة السياب وشعره ، كان أبرزها ما أنجزه الدكتور إحسان عباس في كتابه الذي صدرت طبعته الأولى في العام 1969م : (بدر شاكر السياب ـ دراسة في حياته وشعره)، وماقدمه (حسن توفيق) من قراءة أكاديمية جادة في كتابه الصادر عام 1979م (شعر بدر شاكر السياب ـ دراسة فنية وفكرية) . وفي ما تلا ذلك من أعوام وعقود فقد توالت الدراسات ـ بمختلف التوجهات والمناهج ـ التي تتناول تجربة السياب الإنسانية والشعرية ، وتتدافع قرائياً عليها ، وهي من الكثرة بما يملأ صفحات من الرصد والتسجيل .
وإذ تستوقف تلك الجهود المثابرة متابعها باتساع منجزها ورصده لسطوح المتن السيابي ومخبوءاته ، فإن التساؤل المشروع يبقى قائماً : هل يمكننا حقاً الاكتفاء بذلك الذي كتب عن السياب كله وعده مرجعاً على اللاحق أن (يستحي) ويعود أدراجه منشغلاً باستعادته وحده ، من دون أمل أن يحالفه الحظ ـ إذا سعى لقراءة لاحقة ـ بالتقاطات قرائية مضافة؟.
لاشك في أن مثل هذا القول محض جدل مدعى،إذ ليس ذلك من سنن المعرفة ولا انشغالاتها التي تواصل تجديد أدواتها ووسائلها وتواصلاتها مع ماحولها ، لتنتج المضاف والمغاير. وهذا ما يشرع الباب لقراءة أية ظاهرة بتواتر لايتوقف مادامت آفاق المعرفة الإنسانية وكشوفاتها غير قابلة للصدأ ، أو الركود الذي يغيّب قيمها عن أفق التلقي والتوقف المستعيد، ويحيلها إلى مآلات الصمت والانغلاق .
إن الإبداع ـ ومنذ أن وجد ـ وأعلن عن فضاءاته التي لايحدها أفق فقد أمست ملاحقاته القرائية نافرة عن القرارة في مكانها ، ولاهثة في خطى الكشف الذي لاينأى يصنع مستقبله القرائي الدائب.
ولأن السياب صانع إبداع شعري خصيب وتجربة إنسانية تتماهى معه ـ حتى لايكاد مددها الإنساني والجمالي ليتوقف عن إثارة النزوع القرائي لمقاربتها والامتياح من كشوفاتهما المغرية والشادة والشاغلة في كل آن ـ فقد بقي ـ ويبقى ـ نصاً مقروءاً بضراوة أدبياً ونقدياً ، ليبقى غنى التجربة الشعرية التي توافر عليها السياب يفتح كوى لتأملات وقراءات نقدية لا تنقطع ، تمتاح من آفاق تلك التجربة ومساحة فاعليتها وصدقها في تمثل قيم الابداع والانقطاع الخلاق إليها.
(3)
لعلنا ـ بعد كل هذا الذي تداولناه آنفاً ـ مازلنا في مثار الإجابة عن سؤال العنوان : ما الذي بقي من السياب … كي نقرأه ؟ ، لاسيما ونحن مع من يقر بأن قوس المنجز السيابي مايزال فيه من منزع القراءة الكثير الذي تمكن مقاربته ، حتى لن يكون ادعاء القول بأن شعر السياب يتفرد مع قلة من أمثلة المنجز الشعري العربي ـ قديمه وحديثه ـ في أنه يمتلك قدرات متواترة تمد القراءة بما تريد أن تقف عنده . وأن كل عودة إلى شعر السياب بوعي قرائي متمثل لأدواته ، سوف تجد ما يغريها بالوقوف عنده وتأمله ، وتعيين ما لم يسبق للقراءات السابقة أن انتبهت إليه. 
وإذ لا ندعي أننا هنا في مآل التقنين لما تبقى من مجالات صالحة لمقتربات قرائية أخرى عن السياب وتجربته الشعرية . كما أن مسعانا للإجابة لا ينهمك بتقديم مقترحات لم يتنبه إليها سوانا ، فما سيرد من أفكار إنما يندرج في أفق التواصل الذي طالما كان شاغلنا ، ذلك الذي لا تذبل نوازعه للكشف عن تلك النضارة الدائمة لشعر السياب.
القسم الثاني
لعل من بين أول الممكنات الكتابية التي نشير إليها هنا ما يتاح للدرس الثقافي الحديث أن يقاربه عن المرحلة التاريخية التي ظهر فيها الجيل الذي ينتمي السياب إليه ـ بفضاءاتها السياسية والاجتماعية وحركية الوقائع المتضادة ، سواء تلك الشادة إلى سكونية موروثة ومتمكنة من وعي الشخصية العراقية وتوجهاتها ، أو تلك الوافدة بكشوفاتها المثيرة ـ واستجلاء قيمها . وقراءة وجود السياب متفاعلاً مع أنساقها ، لا بوصفه ذاتاً مبدعة عايشت حضوراً خاصاً بها ، بل عبر تشكل ذلك الحضور في حاضنة ثقافية جديدة ، ومغايرة لما هو سائد قبلها ، أهلته وغيره من المبدعين إلى ارتقاء إبداعي عزز الموهبة الخصيبة التي توافروا عليها ، ليكون اللافت في تلك المرحلة ـ عراقياً ـ أنها أنتجت ـ في مجال الإبداع ، وفي حد زمني متقارب جداً ـ شاعراً كبيراً : (السياب) ، وفناناً تشكيلياً كبيراً : (جواد سليم) ، ومطربا كبيراً : (ناظم الغزالي) . وكان من المفارقة المؤلمة أن العراق خسر هؤلاء المبدعين الثلاثة في خلال مدة زمنية متقاربة ، وفي مرحلة مبكرة من أعمارهم ، فقد رحل (جواد سليم) في العام 1961م عن إحدى وأربعين سنة ، وتوفي (ناظم الغزالي) في العام 1963م ،عن اثنتين وأربعين سنة ، ولحق بهما السياب بعد عام واحد ، وهو بعمر الثامنة والثلاثين.
وفي هذا التخلق اللافت الذي تبدت فيه مساحة العطاء الفذ لهؤلاء المبدعين الثلاثة ما يستوجب تأملاً عميقاً لأكثر من أمر، منها : مديات التواصل بين الفنون ، وحدود استجاباتها التي تنفعل بها عبر الانتهال من آنية مشتركة السمات ، وأفق التنافذ بين القيم الجمالية بشتى تشكلاتها التي تتخلق فيها ، . ليكون الأمر مدعاة لأسئلة تشرع إجابات متعددة عن الفواعل الثقافية المشتركة التي انتهلت منها تلك المواهب ، ومساحة انتمائها إلى بيئتها أو مغادرتها لكثير من مواضعاتها ، وكيف تهيأ لها أن تحقق وجودها في ظل وقائع سياسية واجتماعية تشتغل في حد من المباعدة عن غاياتها الفكرية والجمالية ، لتصنع فعلاً إبداعيا يغاير منطوق تلك المواضعات ، وربما جافاها في أوجه كثيرة . وفي ذلك كله ما يشرع الباب لمجادلات عن علاقة المبدع بالمرحلة التي يعيش فيها ، والحوار المتطامن ـ أو القلق ـ مع اشتراطاتها ، وهو أمر تثيره مكونات ثقافة السياب واشتغالاته الشعرية أكثر من أي شاعر معاصر. إذ يمدنا المستوى المتدافع من الانهماك الثقافي الذي امتلأ به نصه إلى تأمل خصوصيات التكوين الثقافي الذي توافر عليه .
ويبدو أن مساحة الفعل الثقافي التي حضرت في شخصية السياب وشاعريته غير مخبرة عن مجال محدد ، يمثله موقف فكري أو جمالي أو معرفي مقنن ، أو معالجة عقلانية مجردة ، بل هي قبل ذلك وبعده ذات الشاعر بانفعالاتها التي تفيضها على ماحولها ، وما يتصارع في أغوارها ، وحساسيته في تلمس قيم مجتمعه ومرحلته ورغبته المحتدمة في التمرد عليها ، وتواشج ذلك مع فاعلية العوامل والمهيمنات التي تشكل ثقافة الفرد والجماعة وإعادة إنتاجها ، ومقدرته على استدراج ذلك كله ليندمج في أنساق تستوعبها تجربته وتتمثلها .
إن ذلك كله إنما يستدرجنا نحو مآل المعاينة لكشوفات تلك الفاعلية لدي الشعراء الآخرين ـ في مرحلته أو ما سيأتي بعدها ـ اقتراباً من السياب (الأنموذج) أو ابتعاداً عنه والكيفيات التي تعلن عن حضورها فيها ، من دون أن يقع الأمر في مناط التمحل أو الادعاء ، وعبر ممارسة لا تقيد نفسها بمدلولها المعرفي وحده ، ذاك الذي تداولته منافذ (الشاعرية) بل التماهي مع مستويات النص التي تتجلى من خلالها (شعريته) أيضاً . 
ومادمنا في تداول للمسألة الثقافية وكشوفاتها لدى السياب ، فلعل من بين ماتبناه تعزيزاً لثقافته ـ التي سيحيلها بعضاً من خراف معرفة مهضومة في شعره ـ مسعاه إلى استجلاب آفاق خصيبة أصر على أن يرودها وحده ، لينتهل منها الآتون معه أو بعده .
لقد جاء شعر السياب ، وفي مراحله عالية النضج ، مفعماً بروحية أسطورية مستمدة من رموز وأساطير كان السياب يجد في مضامينها مايتناسب وطموحه في خلق خصوصية تعبيرية لشعره ، فضلاً عما فيها من طاقات تمثل تحيل إلى مدركات في شخصيته وقناعاته وثقافته . ولاشك في أن ما أنجزه في هذا المجال يؤشر تحولاً رؤيوياً وجمالياً مثيراً في مسار الشعرية العربية المعاصرة كانت له المقدرة الواعية على ترسيخه. ومن هنا فإن أية معاينة لطبيعة تداول الأسطورة والحكاية الخرافية ، وأي من أشكال المتن السردي العجائبي ـ وسواه ـ وتطور أنساق تداولها وسياقاتها حتى أحدث منجزات القصيدة العربية المعاصرة تبدو غير مكتملة التأصيل إن لم تستهل مقارباتها القرائية بمنجز السياب في هذا المجال ، ومعاودة الإنصات لتجربته ، ولاسيما حين يتم استدراج أفق التلقي المتأمل إلى حيث الجدل حول مقدرة الشاعر على خلق رموزه وأساطيره الخاصة ، تلك التي امتلك السياب حصة باذخة منها ، عبر اشتغاله على رموز فيها ماكان ذا تكيف وجداني يخصه وحده ، وفيها الآخر الذي استمده من اشتغالاته الثقافية على عدد من الثيمات الأسطورية ، تلك التي راح يكررها ويطور منطوقها ومقدرتها على التمثل والتكريس الدلالي في أكثر من قصيدة ، حتى رسخها في أفق التلقي فضاء لدلالات عالية التمثل الخصيب ، ومرموزية تعبيرية تحيل إليه وحده . وإذا كانت رموز (تموز) و(المسيح) و(السندباد) و(عوليس) و(أيوب) مما تمثل فيه التبني الثقافي والذاتي معاً فإن من أبرز ماكرسه السياب في شرعة مرموزيته الخاصة تلك الرموز التي استمدها من بيئته الريفية التي نشأ فيها لعل أبرزها : (وفيقة) تلك المرأة التي يتمثل حضورها في عدد من قصائده محاطة بعوالم من الذكرى النشوانة وأحاسيس الفقدان بعد أن رحلت إلى العالم الآخر: لوفيقة / في ظلام العالم السفلي حقل / فيه مما يزرع الموتى حديقة/ يلتقي في جوها صبح وليل/ وخيال وحقيقه/ تنعس الأنهار فيه وهي تجري /مثقلات بالظلال/كسلال من ثمار، كدوال/ سرحت دون حبال 
أما قريته (جيكور) فقد استحالت لديه صنواً للنقاء والبراءة ـ التي يواجه بها سوداوية رؤيته للمدينة ـ وملاذاً من مكابدات روحه المتعبة.
ولم يكن الوجود الأسطوري المتخيل لـ (نهير) قرية السياب الصغير(بويب) أقل شأناً في المرموزية الباذخة التي أضافاها عليه ، حتى لقد استطاع ـ طبقا لقول للدكتور (جلال الخياط) : ” أن يغرق أنهار الشعراء في بويب : الجدول الصغير القريب من دار جده بجيكور … ولا يخيل لأحد أنه مصدر وحي شاعر يمحق أساطيل آخرين تجري فيه ، ولا تلبث أن تغوص إلى القاع الذي لا يبعد عن الأرض ثلاثة أشبار”.
وتأسيساً على هذا التوجه فلعل السياب هو الذي شرع الأبواب التي لم تغلق بعده ، ولن تغلق ـ في انهماك شعري توطد دأبه عند الشعراء ـ عراقيين وعرباً ، ومن أجيال متلاحقة ـ لإنتاج الرموز الشعرية التي تشير بأصابع خاصة إلى كل منهم دون غيره . وذلك ماكان للبعض وما لم تستكمل تجلياته عند سواهم .
ولحديث الريادة ـ في فضاءات الإبداع وسواها ـ ما يستدرج التلقي إلى استعادة قضية التجديد في الشعر العربي المعاصر وحضور السياب الباذخ فيها أكثر من أي من شعراء جيله . ولعل من تبعات حديث الريادة أيضاً أن يدلف التأمل بالضرورة إلى تلمس أبعاد التمثل لتجربة الرائد في الفضاء الإبداعي الذي سيصبح واحداً من مشغلات حركيته ، وهو اليقين الذي يكاشف بقيمه كل من يلاحق تجليات فعل التأثير الذي تركه النص السيابي ـ برؤاه وجمالياته ـ في التجارب الشعرية الأخرى ، حتى وقتنا الراهن.
وربما سيند ـ عبر نزعة المنافسة ، أو ما هو أبعد سلوكياً منها بين المبدعين في شتى المجالات ـ أن يستدرجنا الأمر لتناول قضية ـ قد تبدو للبعض جانبية الاهتمام ـ تلك المتعلقة برسوخ الوجود المتعين بالفعل للمبدع الرائد ، والمسعى الدائب لدى الآتين بعده لتجاوز منجزه عبر مشروعية ذلك التجاوز التي هي بعض سمات الطموح الإنساني وقيمه. ولكن ذلك الأمر مشروط بالإنجاز المضاف بجديته وجديده ، لا بالادعاء ورغبة التغييب التي تحيل المسعى وكأنه مكابدة من عقدة الوجود الخلاق لذلك الرائد ، وهو ما يلمسه من يراجع تناولات بعض الشعراء للسياب ، ولاسيما حيت يكون السؤال عن المتحقق الشعري الذي صنعوه بعده.
___________
*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *