الرئيسية / مقالات / البحث عن شخصية للقصة القصيرة

البحث عن شخصية للقصة القصيرة


محمد العباس

اللحظة الهادئة، بطيئة الحركة، التي كتب من داخلها وبموجبها يوسف إدريس ويحيى حقي وزكريا تامر ومحمد خضيّر قصصهم الرائعة لم تعد موجودة، كما أن لغة تلك القصص، التي صارت تشكل مرجعيات معيارية في الأدب العربي، لا تصلح اليوم لنسج قصص اللحظة المعاشة، بالنظر إلى سرعة وكثافة التحولات المادية واللامادية، الأمر الذي يحتم تغيير أدوات التعبير، بما في ذلك المعجم الاستعمالي للحياة، بمعنى أن القصة القصيرة التي تتزاحم اليوم في المشهد الأدبي تواجه تحديات فنية وموضوعية، تحتم تبديل أدوات التعبير.

لا يمكن للقصة القصيرة – كفن – أن تُحبس في أداء دور الناسخ للواقع، كما يصعب تصورها بمعزل عن البنية الاجتماعية التي تتولد فيها، ولا عن البيئة السياسية والاقتصادية التي تفرض سطوتها عليها، بمعنى أن إنكار الواقع الموضوعي لصالح الوعي الذاتي مقولة لا تصمد أمام وقائع التاريخ الأدبي ومقتضيات الفن القصصي، لأن ذلك المنحى يتنافى مع كون القصة مراودة أدبية ذاتية لانعتاق الإنسان من سجن خطابات السلطة بكل معانيها وتمظهراتها.
من هذا المنطلق المفهومي يمكن القول بأن القاص اليوم، عندما يرفع شعار الذاتية المتأتية من إحساس فارط بالفردانية، فإنه بقدر ما يعبر عن الانفتاح على ملامح اليومي وخزين الذاكرة، وبقدر ما يؤدي فريضة تحرير القصة من ضغوطات الواقعية واشتراطات الموضوعية، والانطلاق داخل آفاق التجريب الحداثية، يخل من جانب آخر بالعلاقة ما بين الذات والواقع، وبالتالي فهو يؤسس لارتباك ما بين الذات القاصة وموضوعها، وكأنه بهذا الانحياز عما بات يُنظر إليه كإرث تقليدي يلوّح للذائقة بمزاج قصصي مغاير، سواء على مستوى الموضوعات أو اللغة أو الأخيلة أو الصياغات، بالنظر إلى حتمية تطور القصة على محوري: الموضوع والتقنية.
هناك ارتداد ملحوظ عند كُتّاب القصة العرب على المعيار التشيخوفي، الذي حكم الكتابة القصصية العربية لعقود، لأن اللغة المتروية الباردة لا تتناسب لا مع البنية الاجتماعية السائدة، ولا مع التحولات المتسارعة، سواء على المستوى الفردي أو الصعيد الاجتماعي، فالقيم الحياتية التي تتسرب إلى القصص تدفع باتجاه تغيير أنماط التعبير، كما أن منسوب حضور الذات الفردانية يؤسس لموت الموضوع بصيغته الكلاسيكية المعتادة، وكأن القصة تنحى باتجاه المونولوجية، حيث يستعرض القاص ذاته ويسرد رؤيته المرآوية لنفسه ولما يحيط به من هواجس ومشاهد وإحباطات، بموازاة لغة مغترفة من سيرورة اللحظة.
من الطبيعي والمتوقع أن يغادر القاص قفص الواقعية التقليدية نتيجة قصور فاعليتها الفنية، وأن يتضاءل أثر جملتها الوثوقية الجازمة، وأن تنتهي صلاحية لغتها، إذ لا يحمل الواقع المعاش ذلك الاستقرار النسبي الذي تعكسه تلك الواقعية، وبالتالي فإن توليد بنية دلالية متحركة داخل البنية الشكلية التقليدية لم يعد ممكناً، كما أن محاكاة الواقع الجديد ببنية فنية مترابطة ومتسلسلة مسألة لا تتجاوب مع رؤية ومزاج القاص، ولذلك صار البحث عن بدائل وتغييرات هو هاجس القاص، على اعتبار أن القصة القصيرة هي بمثابة المرصد الذي يختزن القيم الأدبية والحياتية، كما تُجس به الحركات التنقيحية للنص وسيرورة الحياة.
من منطلق الأزمة التعبيرية ذاته، الذي يتمثل في مزدوجة التأصيل والتمثيل، يمكن قراءة واقع وحتمية التطور الذي يُراد له أن ينبني على الاغتراب الذاتي، بما يختزنه من نبرة استبطانية وارتداد عمودي داخل الذات، وتصعيد المشاعر الجوانية، لدرجة أن جانباً عريضاً من القص اقترب من حافة الإنشاد، وكما تدافع الشعراء نحو قصيدة الشذرة أو الفلاش أو الأفورزمات التي تضغط المعنى الشعري في عبارة خاطفة، تدافع كُتّاب القصة نحو (الأقصوصة) القصة القصيرة جداً من ذات المنطلق، حيث صار التعبير القصصي أكثر ميلاً لتجسيد واقع التفكك والتآكل الوجودي، منه إلى تشييد مفهوم داخل موضوع.
أزمة القصة القصيرة داخلية بالقدر الذي يحتويها من المآزق الخارجية، فهروب جماعات من القصة القصيرة إلى رحابات الرواية قد تكون علامة على ذلك التأزم، تماماً كما أن بحث القاص عن صيغة فنية مقنعة للتعبير عن الواقع الجديد يضاعف ذلك المأزق، لأن معطيات الحياة الجديدة من السرعة والكثافة والتعقيد والتشابك بقدر لا يمكن أن يحتويه الإيقاع الإسترواحي الهادئ للقصة ذات الطابع التقليدي المعتاد، كما أن التفكك الصريح للبنى وتفتُّتها يحتم على القاص الكف عن أداء القصة بمعناها التأطيري الشمولي، بل التوغل في التشظيات الداخلية التي تحمل عناوين جانبية هي اليوم مكمن التحدي للقاص، ليس بمعنى اقتياد القاصين إلى مكامن بعينها وتوحيد طرائق كتابتهم، بل تجاوز المكرس وفتح التفاصيل كدروب تعبيرية.
إن الواقع هنا هو الذي يدفع القصة للحاق به وليس العكس، بمعنى أن ما يُعرف بالواقعية الجديدة تستلزم التخلص من أيديولوجيا القص الإخباري بمعناه المتعارف عليه، الذي اعتادته الذائقة، والتخلي عن الحساسية التقليدية التي حكمت معيارية القص، بحيث تتدفق القصة الجديدة في نهر الواقع الجديد لتحقق حيويتها، أي أن تبتكر شخصيتها الفنية التي تمزج ما بين استيعاب الواقع الجديد والجمالية المتأتية من الاشتغال على تقنيات التعبير، بحيث يمكن أن تؤدي النقلات الأسلوبية ما تؤديه الهسهسات العاطفية، لتجتمع على أداء قصصي فيه من الإيقاع والدلالات والمفردات والتراكيب والكثافة والإشارية ما يحقق تلك الشخصية التي بمقدورها التصادم مع الواقع من منطلق استيعابه، وتحرير الكتابة القصصية من الأحكام الجاهزة والآراء الشائعة، سواء حول مضامين القص أو طرائق ومستوى صوغ القصة.
القصة كجنس أدبي بحاجة إلى إنضاج لإرساء مواصفات وتقاليد جديدة للكتابة القصصية يمكن بموجبها اختبار ذلك الركام الهائل من المنتجات القصصية، إذ لا يمكن الاعتماد فقط على حس التجريب المفتوح المنذور لتمزيق الحساسية القديمة، والتعاطي الحر مع تنويعات اللحظة، خصوصاً أن هذه اللحظة الماحية للهوية الفاصمة للكينونة تمنح القاص مساحة للتعبير عن النموذج الإنساني ومغادرة الحس المحلي أو الإقليمي، إذ لا يمكن التغاضي عن بروز الإنسان المكونن، المنفتح على لغات ومعتقدات وأحاسيس وأداءات الآخرين بدون احترازات ولا تحفظات، وهو ما يعني أن الخبرة الشخصية تعني الكثير في تدبير موضوع القصة واختيار النغمة التي تنكتب بها، أي أن الخبرات السمعية والبصرية المفتوحة بكثافة على العالم لا تضغط على طبيعة الموضوع وحسب، بل تؤثر في تقنية القص.
قد لا يفكر القاص وهو يرتاد مناطق غير مأهولة بابتداع نظرية للكتابة القصصية، إلا أنه ملزم بالتعامل مع التجربة الإنسانية بقيمها وخرافاتها وطقوسها وحكاياتها وأغانيها ومعارفها بمقتضى رؤية جدلية وأدوات فنية، أي تصوير أبعاد الحياة وسرد تمثيلاتها بوعي يقوم على المعرفة الحسّية المعبأة داخل نصوص أدبية مشعة، أي من خلال كتابة تعبر عن وعي وإحساس ووعي الذات القاصة بالعالم، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة التي ترتب القصة في أقفاص رومانسية وواقعية ورمزية وعجائبية، وهو الأمر الذي يحتّم مساءلة الإنتاج القصصي في لقطته الأخيرة، داخل لحظة جدلية لا تنفصل عن مقاصد الكتابة، لتحويل إشعاع النصوص المستبصرة إلى قيم فاعلة، سواء في الحقل الأدبي أو في الواقع المعاش، لتأكيد القراءة عبر- النصية للواقع كمدخل لابتناء شخصية القصة.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *