الرئيسية / مقالات / كتابة التاريخ

كتابة التاريخ


*يوسف ضمرة


من الصعب الإحاطة بكل ما كتبه المؤرخ إيريك هوبزباوم، ولعله لابد من شكر الدكتور الشاعر فايز صياغ، على ترجمته القيمة لثلاثية هوبزباوم «عصر الثورة، وعصر الصناعة، وعلم الاجتماع»، التي صدرت عن المنظمة العربية للترجمة.

لا أدعي أنني قرأت هذه المجلدات كاملة، فأنا أتنقل بين واحد وآخر، وأشعر بأنه من الضروري أحياناً أن يكون كتاب «علم الاجتماع» هو مقدمة للكتب التالية، ففيه يحدد هوبزباوم آليات التعيير الاجتماعي وأسبابه وكيفية حدوثه. وهو ما يجعل من فهم «عصر الثورة وعصر الصناعة» أكثر سهولة وتفاعلاً. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأحداث التي مرت، وتمر بمنطقتنا، تجعلنا تواقين تحديداً لفهم «عصر الثورة» أكثر من سواه، على خلفية ما تسمى الثورات التي انطلقت منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

وحينما نقول القرن التاسع عشر، فنحن نعني هنا مصر، ومحمد علي، وأحمد عرابي. فقد كان محمد علي أول المتأثرين بالعلمانية الغربية، وحاول انفصالاً ثقافياً عن الدولة العثمانية، فأنشأ المدارس، وأرسل البعثات.

يمتاز هوبزباوم في تأريخه بعدم الإفراط في سرد الوقائع والأحداث، فهو يقول إن التاريخ شيء مختلف؛ إنه يُعنى بدراسة التحولات الكبرى، غير المنفصلة بالطبع عن ما سبقها وما تلاها، ويعنى بتفكيك آليات هذه التحولات، وفهم ديناميتها التي حملتها.

فالثورة الفرنسية التي يعتبرها البعض ثورة ثنائية «فرنسية إنجليزية» لم تكن سوى ثورة برجوازية، اهتمت بمصالح هذه الطبقة، ومستقبلها، ولم تلتفت أبداً إلى الفقراء والمهمشين. وهو ما جعل تيار الغزو يتغير أو ينعكس، فبعد أن كان الغزو يأتي من الشرق إلى الغرب، تمكنت هذه الثورة المزدوجة من تحويله ليصبح من الغرب إلى الشرق، خصوصاً أن قسماً كبيراً من أوروبا وأميركا الشمالية تأثر بهذه الثورة المزدوجة.

ارتفع منسوب القومية والحركات الفاشية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، وهو ما لا ينتبه إليه كثيرون ممن يركزون على الثورة الفرنسية، بوصفها مبتدأ الحرية. ولم ينتبه آخرون إلى أن إرهاصات الاشتراكية في أوروبا كانت تطرق أبواب المجتمعات، وهو ما بدأ يظهر في التحركات الفلاحية في روسيا طوال القرن السابع عشر، وبداية الثورة المسلحة في أواخر هذا القرن، وما تبعها من ثورات في القرن التاسع عشر، مثل «الديسمبريين» وغيرهم.

كان على أوروبا أن تنتبه إلى ذلك، لأن الثورة المزدوجة التي قامت للحفاظ على مصالح البرجوازيين، أصبحت مهددة، وهو ما لمسته أوروبا في حركة محمد علي كذلك. ومن هنا اتجه الغزو الاستعماري شرقاً، لتدجين بقية أوروبا وآسيا، وللهيمنة على طرق التجارة، واستغلال الثروات الطبيعية في هذه المنطقة.

يرشدنا هذا المفكر الكبير إلى كيفية التعامل مع التاريخ، وعدم الخضوع لمقولات دارجة، صحيح أن ماركسيته قد أثرت في توجهاته وفي تفكيره، وانعكست في مجمل كتاباته، إلا أننا نستطيع التمييز بين الرغبة والأهواء من جهة، والحقائق من جهة أخرى. فالاستعمار الذي أخذ يتوزع عبر العالم من قبل أوروبا بعد الثورة الفرنسية، كان نقيض الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي لطالما تغنينا بها كقيم إنسانية سامية.
_____
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

اللغة ليست شيئاً آخر… إنها نحن

*فاضل السلطاني هل هناك «لغة شريفة»، ولغة ليست كذلك؟ لغة مقدسة، وأخرى دونها في المنزلة؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *