الرئيسية / إضاءات / النساء شقائق الرجال ولابد من ثورة ثقافية

النساء شقائق الرجال ولابد من ثورة ثقافية


*أميرة المضحي

كل عام وأنتم بخير، ليس بمناسبة يوم المرأة، بل بمناسبة شهر مارس، آخر الشتاء وأول الربيع، شهر البدايات الجميلة والمدهشة، شهر الربيع الحقيقي، حيث يتساوى الليل والنهار في غواية وحكاية. مارس الشهر الأجمل بالنسبة إليّ بين شهور السنة، ففي الواحد والعشرين تبدأ السنة الشمسية الجديدة بدخول فصل الربيع، ويحتفل المحتفلون بها، فهل يوجد تقويم بديع آخر؟

لطالما احتفلت بمارس لأنه شهر الأرض، والربيع، والأم، والحياة الجديدة، وشهري أنا أيضا. ولدت في الثالث والعشرين، في أول الربيع، لأحمل على طالعي الفلكي سمات برج الحمل، والذي اختصره نزار قباني في مقطع ضمن “القصيدة تولد من أصابعها”: “ولدت في برج الحمل/ برج المجانين الذين قرروا/ أن يسرقوا من السماء النار”.
في الثامن من مارس يحتفل العالم كله بالمرأة، وفي هذا اليوم إشكالية أيضا، أن يخصص يوم للمرأة فهذا يعني أنها في حاجة إلى الدعم والحماية والعاطفة. وهذا يعني أنها مازالت ضعيفة، حتى لو خصص هذا اليوم للتذكير بإنجازاتها، أو للمساعدة في تمكينها، وهو الشعار الذي تبنته الأمم المتحدة هذا العام، فهو تذكير أيضا بمعركتها التي تخوضها من أجل انتزاع حقوقها الضائعة. منذ أن خرجت النساء في الثامن من مارس عام 1908، في مظاهرة جابت شوارع نيويورك؛ إذن، السنة كلها للرجل ويوم واحد للمرأة.
اضطهاد المرأة
كوني منحازة للأنوثة لأنها الأصل كما تقول نوال السعداوي، ولأن الطب الحديث أثبت ذلك أيضا، فهذا لا يعني إني ضد الرجل فلست متطرفة، ولا نسوية، ولست مع المرأة ظالمة كانت أم مظلومة، ولا أرفع شعار الرجل هو العدو، وهو الشعار الذي رفع في الغرب ، ونجت المرأة العربية من تطرفه.
أنا مع المرأة لأنها إنسان أولا، ولأنها نهبت حقوقها ومكتسباتها ثانيا، حتى التي أعطاها لها الإسلام. ولأن الكل يتاجر بقضيتها، ويتغنى نشازا بدعمها وحمايتها واحترامها، ويضرب الأمثال، التي لا يقتدى بها، بالسيدة فاطمة والسيدة زينب، هذا على المستوى المحلي جدا. في حين هناك محاولات مستمرة وحثيثة لإلغاء المرأة القوية وتمجيد المرأة الدمية.
المرأة تتعرض إلى تمييز حتى في يومها العالمي. التمييز الذي بدأ قبل الرسالة المحمدية واستمر إلى حد الآن، وكان موجودا لدى المرأة اليهودية والمسيحية أيضا. في الإسلام، المساواة هي الأصل، المساواة في الخلق والتكاليف الدينية، وفي ما يترتب كذلك من ثواب وعقوبة، والآيات الدالة على ذلك كثيرة، منها:
-1 قوله تعالى في سورة النجم: “وأنه خلق الزوجين الذكرَ والأنثى من نطفة إذا تُمنى” (الآية 45)
-2 وجاء في الآية 38 من سورة المائدة:
«والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله». وكما قال نصر حامد أبوزيد: في عصور التأخر والانحطاط يتم إخفاء الحديث النبوي “النساء شقائق الرجال”، ويتم إظهار الحديث “النساء ناقصات عقل ودين”، فأصبحت طاعة المرأة للرجل، وحجاب المرأة ولبسها، والخوف على الرجل من فتنتها محور الدعوة الإسلامية. إذن اضطهاد المرأة لا علاقة له بالإسلام.
بالنسبة إلي، لم أعرف هذا التمييز العنصري في سنوات طفولتي الأولى. لم يردع أحد ضجيجي بالحياة بكلمة “أنت بنت”، فوالداي ربيانا دون أي تمييز، كنا ثلاث بنات ثم جاء الأولاد بعد ذلك. كنا نرافق أبي أينما ذهب. كانت نشاطاته تروق لي، أحب أن أعرف كل شيء مثله؛ أي المسامير تصلح للجدار، وأيها للخشب، وما هي الأدوات المناسبة وأسماؤها، أتسابق أنا وأختي لجلب المطرقة، أو لإمساك الدرج المتحرك له وهو يغير مصابيح الإضاءة الداخلية.
عشت طفولتي كما أردت، لعبت بالعرائس ولعبت كرة القدم، وامتلكت عددا من الدراجات الهوائية حتى وإن لعبت بها في حديقة المنزل، لم أجد من يفرض سيطرته علي أو رأيه علي لأنه ذكر، فأبي هو الرجل الأول دائما. كبرنا ووالداي يرددان على مسامعنا أنه لا فرق بين بنت وولد، واتضح ذلك في معاملتهما لنا، وثقتهما بنا، بعد أن وصلنا سن الرشد، واكتشفت أن المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه قد فرض أفكاره على النساء أيضا، فأصبحن أكثر تشددا، وكما قالت الروائية لينا هويان الحسن في مقالة نشرتها قبل أيام في جريدة السفير اللبنانية “أصبحت النساء العربيات والمثقفات ملكيات أكثر من الملك”.
أذكر في أواخر الثمانينات، ومع المد الإسلامي الصحوي الذي أصابنا كلنا، بدأت ألحظ بعض التغيير في والدي. ألزمني بغطاء الوجه، ولأني كنت أعاني من قصر النظر وأرتدي النظارة الطبية، فقد كانت هذه أكبر مآسي ذلك الوقت، فأنا أريد أن أرى كل شيء؛ الناس، لافتات المحلات، أسماء الشوارع، أرقام السيارات. والحمد لله لم تستمر هذه الحالة طويلا وسرعان ما عاد أبي إلى نفسه؛ منحازا إلى الإنسان، محترما الفنون، ومتقبلا النقاش والآراء والأفكار المغايرة، ويجيب على الأسئلة إذا كان يمتلك الإجابة. أبي العقلاني جدا، أعطاني حرية التفكير والجدل، فكل شيء يجب أن يدخل العقل أولا.
التحرر والمساواة
كانت نساء العائلة هن الأكثر تشددا، بعضهن يرتاب من مساحة الحرية في بيتنا، واحدة تتذمر لأن لدي جهاز كمبيوتر في غرفتي وخط إنترنت، وأخرى من وأفكاري وآرائي، وأخرى تتذمر من وضع اسمي الصريح على غلاف روايتي الأولى، واختياري شخصية “كاميليا” في روايتي الثانية ، والتي أزعجت النسويات، والدمى لأن كاميليا كانت متمردة وشجاعة وحرة.
فمن يجب أن يحرر ويتحرر؟
هل تعي المرأة بأنها مساوية للرجل في كل شيء؟ وبأنها إنسان كامل؟ وبأن السلطة المطلقة للرجل جعلته يبدو أقوى؟ وأفسدته؟ وبأن الأنوثة هي الأصل؟ وبأن الأمومة مؤكدة والأبوة هشة؟
هل تعي المرأة بأن الرجل ليس مستعدا للتنازل عن مكتسباته غير المشروعة، يتزوج بالعدد الذي يريد، ويطلق كما يشاء ودون سبب، ويرتكب كل الموبقات ثم يعلن توبته فيسامحه الناس، ويكبل النساء في عائلته بالدين وبالقانون، فلماذا يخسر كل هذه الامتيازات؟
اشتغالي بالتمريض وبالأدب أتاح لي معرفة أن هناك متعلمات ومثقفات وناشطات، تفكيرهن لا يختلف عن تفكير الجواري، ونحن في العام 2015. أعرف بأن هناك امرأة تعنف لفظيا وجسديا وتقهر وتضرب وتهان وتحتقر، تجري عملية تجميلية إرضاء لزوجها، تكتب عبارات على الفيسبوك تمجد الحرية هنا وهناك ، وبعضهن يراهن على المنظمات الغربية مثلا.
إذن، القضية هي الوعي. فالمرأة يجب أن تحرر نفسها لا أن تنتظر الرجل، فهو يريد أن يحررها بطريقة أخرى. المرأة العربية كالوطن العربي الذي ينشد الحرية، يجب أن نعرف أن الغرب لا يمكن أن يحرر أحدا، فناسه يفضلون الخانعين فقط.
والسؤال: من أعطى الرجل هذه السلطة المطلقة التي أفسدته وأفسدت المجتمع؟
النظريات كثيرة، وأذكر منها انشغال المرأة بالحمل والولادة والتناسل فلم تتعلم، وهمشت واستهين بها، وانحدرت قيمتها وتفوق الرجل لأنه احتكر كل شيء بعد أن تم إلغاء عقل المرأة وطموحها، وفرضت عليها الأعمال المنزلية، وتحولت إلى مجرد “مستهلك” يعتمد على الرجل “المنتج” ، فأصبحت آلة وعالة كما يقول أحدهم.
فالتحرر الإنساني يبدأ بالتحرر الاقتصادي والاستقلال المادي، ومن ثم الفكري والثقافي. كما أن القوانين هنا مازالت تضع السلطة في يد الرجل (أب، زوج، ابن، أخ)، مع أن الدولة قادرة على إلغاء هذه الوصاية بسهولة لو أرادت، وكما ألغي الرق مثلا، فلماذا لا تفعل؟ ولماذا تصر على جعل المرأة من ممتلكات الرجل وتحت سيطرته؟
المرأة اليوم عليها أن تتحرر من خوفها أولا، وأن تكون شجاعة في حياتها الخاصة والعامة، عليها أن تدرك أن لها عقلا يفكر وينتج، وأن الدين ليس المشكلة أبدا، بل المشكلة في الأنظمة الأبوية بالبيت ولدى المجتمع والدولة، إذن القضية سياسية واقتصادية أيضا.
نحن في حاجة إلى ثورة ثقافية، وأن ننزع الحجاب عن الفكر والعقل، وأن ندرك أن الحرية المجتمعية هي أهم من الحرية الشخصية، والتي تتمتع بها المرأة العربية في كثير من البلدان؛ تلبس ما تريد، تتعرى وتتبرج، وتقود سيارتها، لكنها لا تملك الحرية المجتمعية، فلا يحق لها طلب الطلاق، ولا تنتخب من قبل الناخبين في البرلمانات، ولا يحميها القانون من جرائم الشرف، وحقوقها القانونية والسياسية والاجتماعية ليست مصانة.
الرائدات الحقيقيات في عالمنا العربي، كن مناضلات من أجل تحرير المرأة وتعليمها ومساواتها الإنسانية بالرجل، وفي سبيل حرية الأوطان أيضا، وأثبتن أن المرأة قادرة حتى على حمل البندقية لحماية الوطن وتحريره إن لزم الأمر، ودفعن غاليا ثمن تحرير العقول، كن متحررات إنسانيا، وهنا لا بد أن أوجه تحية إلى هدى شعراوي، ليلى خالد، جميلة بوحيرد، مي زيادة، نوال السعداوي وغادة السمان.
________
*العرب

شاهد أيضاً

وجوه الحب الثلاثون..الحبُّ كالزمن.. لا ينقسمُ ولا يُقاس

*علي حسين أراد له والده أن يصبح محامياً، في الوقت الذي تمنت فيه  والدته  أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *