الرئيسية / مقالات / المرأة قارئة لذاتها

المرأة قارئة لذاتها


*زهور كرام
كثيرا، ما اعتُبرت كتابة المرأة، بوحا ذاتيا، وتم إلحاقها بالسيرة الذاتية، كما تم النظر إلى نصوصها الروائية بمثابة صرخة لذات، ظلت تحمل معها ثقل السؤال التاريخي، ولهذا، فكتابتها منشغلة بترميم الذات المُجزَأة، والمُشتتة، والمُلحقة بذوات أخرى، وقلَما تنشغل كتابة المرأة بقضايا كبرى، وهموم عامة، لكونها تظل مرتبطة بموضوع الذات –الإشكالية. ساهمت مثل هذه التصورات التي رافقت مصطلح» الكتابة النسائية» في جعل بعض الروائيات العربيات، يرفضن إدراج كتابتهن داخل هذا التعيين الاصطلاحي ، خشية إخراج كتابتهن من جنس الرواية، وتقييدها في كتابة الذات. غير أن هذه التصورات، لا تثبت أمام تحليل وضعية الذات في كتابة المرأة، وعلاقة تلك الوضعية بإشكالية الذات النسائية في التاريخ الإنساني. فإذا كانت المرأة تحضر في الذاكرة الجماعية، وفي الإرث المعرفي-الذهني، وكذا في تاريخ الأفكار والصور باعتبارها ذاتا إشكالية، تتصف بالدونية، وتحتاج لذات أخرى من أجل اكتمالها المجتمعي، وهذا، ما جعل الاهتمام ينصب على المرأة، أكثر من الرجل الذي تحضر ذاته خارج السؤال والإشكالية، لأنها ذات مكتملة، وغير مُلحقة، فإن المرأة – الكاتبة لا تنشغل بتدوين ذاتها الإشكالية، وتوثيق تاريخ الذات المُلحقة، لأنها لا ترغب في ترسيخ هوية تابعة، قد يحدث ذلك في بعض الكتابات، المُكرَسة لموقع المرأة ـ الموضوع أو اعتبار ذلك واقعا معطى، ترسخ سلوكا، فلا سبيل إلى تغييره، كما نجد في نصوص إبداعية عديدة تجتر نفس الهوية، بل تدافع عن استمراريتها. إن ما يحدث في كتابة المرأة، من حضور قوي للذات، لا يدخل في إطار دعم هذا الحضور، وتوثيقه، وتدوينه، بقدر ما يتعلق الأمر بقراءة المرأة-الكاتبة لذاتها، وهي تتجلى عبر الكتابة التخييلية موضوعا تاريخيا، يختزل مسار تشكل الصور الجاهزة حولها. إن شعورها بفقدان ذاتها تاريخيا، يؤسس لديها شرط التعامل مع هذا الفقدان، من منطلق كونها لم تُشكل عنصرا صانعا لتاريخ الذات، وجهاز المفاهيم. ولهذا، فهي لا تملك هوية مستقلة، تجعلها تُدون هذا الامتلاك، وتنتصر له، في أفق تكريسه تحت رغبة الاقتناع التاريخي.
عندما نعيد تحليل رواية الكاتبة الفلسطينية «سحر خليفة» «مذكرات امرأة غير واقعية» (1986)، سنلتقي بتجليات كثيرة لمفهوم «قراءة الذات»، وهو مظهر تشترك فيه رواية «سحر» مع غيرها من الروايات النسائية العربية، التي تُشخص حضور هذا المفهوم. تنفتح الرواية على هوية المرأة باعتبارها تفتقد كل عناصر امتلاك الذات، والتصرف فيها، والتعامل مع إمكانياتها وقدراتها في التفكير والاختيار. فهي تابعة للأب، وملحقة بالزوج، وبهذا تظل حاملة لهوية غير مستقلة، بل هوية تتغير حسب تغير مواقع /وضعيات المرأة (ابنة، أخت، زوجة..). تقول الساردة في رواية» مذكرات امرأة غير واقعية»:» أنا ابنة المُفتش، وبقيت كذلك حتى تزوجت وأصبحت زوجة تاجر، وأحيانا أكون الاثنتين معا، فحين يسخر الزوج يناديني «يا بنت المفتش»، وحين يغضب الوالد يناديني «يا امرأة التاجر» (ص5). يختفي ضمير المرأة وراء التبعات، ويستمر اختفاؤه مع تغير أشكال الامتلاك (ابنة، زوجة)، إنه مُحدد من خلال التوابع: «امرأة فلان، كما كانت بنت فلان، من يد إلى يد»، دون أن يأخذ زمنه الحقيقي في امتلاك وجوده. تكتب سحر خليفة تاريخ الذات، لتفكك المنظومة الاجتماعية التي تُشكل منطقها. وتتأكد مظاهر الهوية التابعة من طبيعة حضور الهوية الأخرى «الهوية الذكورية». تقول الساردة «عفاف»: «جاء الولد وامتلأت الدار بالزغاريد والشموس وملبس الأفراح» و»ارتفع حمد كالصهيل فانفتحت السماء عن ذكر الولد»(ص9). من خلال هذا المشهد، يتشكل المشهد المُقابل الذي يتم في غياب مهرجان الفرح (الأنثى)، هذا ما وعته الساردة-القارئة، وهي طفلة وقد اختزنت ذاكرتها مشاهد و حكايات الجدة والجارات عن الأنثى-المُصيبة، كما تلقت منذ الصغر وصايا الذات المُلحقة. تقول: «لم يكن الذنب ذنبي، هكذا خلقت، بل هكذا تخلق لي، فهمت أن البنت مصيبة فتخلق لي الذكر في حلة أين منها طلعت الملكوت»(ص9). بل إن مظاهر اختفاء الذات وتلاشيها تدريجيا، حسب انتقال المرأة من موقع إلى أخر، يبلغ أقصاه حين يصبح ضمير المرأة لا يخصها. تقول: «وحتى أنا لا أخصني» (ص81).
تُفجر الساردة الكتابة من تاريخ اختفاء ضميرها، تقرأ منعرجات هذا التاريخ، وهو ينسج مظاهر إخفاء الضمير. إنها غير موجودة إلا من خلال ذوات أخرى، وبواسطة هذه الذوات يتحقق وجودها حسب شروط المجتمع، وخارج التوابع تتلاشى في النسيان والإهمال حتى في الخطاب اليومي-الاجتماعي، إذ في غياب الذات صاحبة قرار الكينونة، تتعطل قيمة المرأة. تستحضر عفاف-الساردة مسار تشكل الإحساس بفقدان ذاتها، باعتماد مشاهد اجتماعية، وأخرى نفسية، وكأنها، تضع تاريخ التبعية أمامها، من أجل التأمل وإعادة ترتيب هذه المشاهد، في سبيل الوعي بنظام هذه التبعية، وسلطتها. لا يعني الترتيب فعلا واعيا من قبل المؤلفة، ولكنه وعي تخييلي، يُنتج تصور الكتابة التي تنتجها المرأة بذاتها. ينسجم مفهوم قراءة وضعها كما هو سائد ومتعارف عليه، مع الإحساس بأزمة الهوية. إن المرأة بهذا مطالبة بقراءة واقع ذاتها، وليس بكتابة هذا الواقع، وتكريس منطقه توثيقا.
إنها هنا، قارئة للذات النسائية، وليس حاكية لها من خلال منظور يُجملها أو يُقدمها عبر رؤية جديدة، وإنما طبيعة موقع الذات في الحكاية يجعل من الساردة تقرأ تاريخ هذه الذات انطلاقا من الشعور بفقدان هويتها الطبيعية، وحملها هوية مفروضة، ثم الإصغاء إلى ردود فعلها.
وفي إطار قراءة المرأة لذاتها، انطلاقا من حمولات الذاكرة الموروثة، وتبعا للممارسات الاجتماعية والسياسية، فإن المرأة تدخل مجال الكتابة لإعادة تفكيك هذه المنظومة السائدة تاريخيا، والمهيمنة في مختلف السلوكات والخطابات، ومن خلال حضورها ذاتا قارئة، متأملة، فإنها تسعى لتفكيك وتحليل ذاتها، من أجل العمل على هدم مجموعة من السلط، حين تكشف عن منطقها، وتعري تناقضاتها وازدواجياتها. كما أن في قراءتها لذاتها، قراءة لتاريخ أشكال الحرمان والتغييب التي عرفتها المجتمعات والحضارات. تأخذ القراءة ـ في مستوى هذه الكتابة- أبعادا متعددة بتعدد مظاهر القهر والكبت الذي يحفل بها التاريخ. ومن هذه الزاوية، فإن الزمن الماضي حين يتم استحضاره، ضمن مشروع قراءة الذات عند المرأة، فإنه لا يحضر باعتباره مجرد نبش في ذكرى تعبر كلاما أو حكاية، وإنما تتم المسألة من خلال الوعي، بإدراك الزمن الماضي، كسبيل لفهم مرحلة التجاوز، وتحديد أفق الزمن المستقبلي.
إن إعادة النظر في الوعي بوضعية الذات في كتابة المرأة، واعتماد مفهوم القراءة أكثر من فعل الكتابة-التوثيق، يجعلنا نستثمر تجربة هذا الوعي بالذات، في قراءة راهن السرد الروائي العربي بشكل عام، والذي أصبحت فيه ذات المؤلف حاضرة باعتبارها مكونا سرديا وبنائيا. بهذا الشكل فإن كتابة المرأة تُحرر المفاهيم الجاهزة، وتقترح رؤية مخالفة تساهم في إنتاج تعددية التصورات. تقول الباحثة «بياتريس ديديي» في كتابها «الكتابة-المرأة» (1981) «يبدو لي أن النساء بمقدورهن إحداث تجديد جذري في الكتابة المُعاصرة، ذلك لأن النساء عندما كتبن، ما عاد الرجال يستطيعون الكتابة بالتدقيق كما كانوا يفعلون عندما كانت النساء صامتات» (ص39). تساهم مثل هذه المقاربات المفهومية في إعادة إنتاج وعي بالتخييل السردي النسائي، الذي يحضر في المشهد باعتباره شريكا فاعلا في صياغة المفاهيم، وليس مستهلكا لمفاهيم وتصورات جاهزة.
إن قراءة المرأة-الكاتبة لتاريخ الذات، وتفكيك مسار هذا التاريخ في الوعي الجماعي، وفي السلوك الاجتماعي، يجعل من حضور الذات في كتابة المرأة، حضورا وظيفيا.

كاتبة مغربية/ القدس العربي.

شاهد أيضاً

راهنية «المتشائل» لبنانياً

*عبده وازن حمل الممثل الفلسطيني محمد بكري الى بيروت رواية «المتشائل» للكاتب الفلسطيني الرائد اميل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *