الرئيسية / إضاءات / الروائية سميحة خريس: كي نشعر مع الضحية علينا أن نعرفها

الروائية سميحة خريس: كي نشعر مع الضحية علينا أن نعرفها


حاورتها : سميرة عوض *



 تنظر الروائية والقاصة سميحة خريس لجائزة الدولة التقديرية على أنها «تريد الاعتراف بالرواية الأردنية في مجملها»، مضيفةً أن الرواية الأردنية «تستحق». وهي ترى في الوقت نفسه أن نيل الجوائز يجعل من رضا المؤلف عما يكتبه «أمراً عسيراً»، ويزيد من العوائق أمام إقدامه على الكتابة بعفوية.
خريس التي تمتلك علاقتها الخاصة بالمكان، حاولت في نصها «على جناح الطير» أن ترى «كيف تنمو المدن وتنضج، وكيف يتغير الناس فيها مع تغير الأحوال السياسية والمادية والاجتماعية»، وهي تلجأ للبحث والتنقيب في التاريخ، إذ حوّلت صفحة واحدة في كتاب إلى 400 صفحة، فكانت روايتها «يحيى». 
وبدافع من الحنين لسنوات الدراسة الجامعية، عادت إلى السودان حيث تجربة شابة تحب الحياة، فأثْرت السودان وجدانها، وكان أن أنجزت روايتها «بابنوس»، وهي تواصل مشروع «بابنوس» في رواية ثانية لم تضع لها عنواناً بعد.
تالياً حوار مع خريس عن تجربتها الإبداعية الممتدة على مدى نحو أربعة عقود:


• كُرمتِ بفوزك بجائزة الدولة التقديرية في حقل الرواية. كيف استقبلتِ خبر فوزك، وقد شاركَكِ في الجائزة الروائيُّ جمال ناجي والروائية ليلى الأطرش؟

– إعلان الجائزة جاء ليطمئننا على أنها لم تجمَّد أو تُلغَ، وخاصة أن هناك مشاريع ثقافية حاربنا من أجلها لسنوات تعرضت لهذا المصير بسبب الظروف المادية لوزارة الثقافة، أو بسبب عدم تقدير الثقافة والمثقفين والمبدعين. 
استمرار الجائزة يعني أن لدينا إيماناً بأهمية ما يضيف المبدع الأردني إلى الحياة الثقافية، وهي تقدير لإسهامه وكلمة «شكراً» مبنية بالطبع على ما راكم من إنجاز، وقد أسعدني أنني حظيت بتلك الالتفاتة، لأن تقدير المبدع في بلده وساحته يعني له الكثير، بالطبع كوني أتقاسم الجائزة مع اسمين إبداعيين أحترمهما وأقدر تجربتيهما لا يقلل من اعتزازي بها، ولو أنني أعتقد أن الجائزة التقديرية تحديداً يجب التعامل معها على أسس مختلفة، هناك شيء من الارتباك عند الاختيار، وفي كل الأحوال أنظر للجائزة وكأنها تريد الاعتراف بالرواية الأردنية في مجملها، والرواية الأردنية تستحق.

• حصدت العديد من الجوائز المحلية والعربية، ورُشحت أعمالك لجوائز منها «البوكر» وتصفيات جائزة الشيخ زايد للكتاب. كيف تنظرين للجوائز من حيث تحدي الكاتب لنفسه من جهة، ومن حيث زيادة حجم انتشار الكاتب من جهة أخرى؟

– للجائزة المحلية نكهة تشعرك بالتقدير. حتى عندما نلت «التشجيعية» شعرتُ أن التقدير هو أساس منحي الجائزة، وحمّلني هذا مسؤوليةً تجاه ما أكتب وارتباط اسمي باسم بلدي. أما الجوائز العربية فتنطوي على إحساس لا علاقة له بالخصوصية لكتاباتي، يخيل إليّ في لحظة أنها مهمة تنطوي على سفارة أمثل فيها بلدي وكتّاب بلدي، بالطبع تتيح لك الجائزة العربية نوعاً من الانتشار الإعلامي، أذكر أن نيلي جائزة أبو القاسم الشابي من تونس فتح أمامي اتصالات مع صحف ونقاد من بلاد المغرب العربي كلها، وجعلني حذرة في ما يجب أن أقوله حول النص أو حول الكتابة أو حتى في التنظير لها، لأني ألج ساحة متينة التشكيل من هذه الناحية، وأريد أن أكون على مستوى التوقع.
اختلف الأمر قليلاً مع جائزة الفكر العربي، إذ لم تحمل التحدي النقدي نفسه رغم أنها قدمت لاسمي شهرة في صحف ووسائل إعلام عربية، وإن لم أشعر بمسألة انتشار الرواية. لقد تسابقت وسائل الإعلام على الاتصال بي، ولكن كتابي ظل في مستوى توزيعه، مما جعلني أفهم أن الجائزة لا تأتي بالنجاح الذي نبتغيه تماماً، هي توفر الشهرة حقاً، ولكن مسألة انتشار الكتب غير مسألة انتشار الكاتب. وبصراحة يهمني انتشار الكتاب أكثر من معرفة اسمي في الصحافة العربية أو مشاركتي في ندوات عربية كثيرة، يحبطني نوعاً ما أن ألتقي مثقفين عرباً يعرفون اسمي ويتابعون أخباري، لكن لم يتسنَّ لهم قراءة نصوصي، وأظن أن هذه مهمة الناشر والموزع، وهي عملية معقدة ينجح قلة فيها.
مع ذلك، لا أنكر أن حصولي على جائزة يضعني في مواجهة نفسي كل مرة، وأنا أساساً أقف بعد كل نص في مواجهته محرضة نفسي على تجاوزه، فكيف وقد كبلته توقعات الجائزة التي أحرزها. يصبح الرضا عسيراً، وتكثر العوائق أمام الإقدام على الكتابة بعفوية. ربما كان هذا أمراً جيداً لكسر زهو الكاتب المبالغ فيه، بعضهم يرى أن الجائزة تنفخ الأنا لدى المبدع، ولكني أراها تعيدني إلى خانة متواضعة تجعلني أعد خطواتي القادمة بحرص وأناة. 


تجسد روايتك الأخيرة «بابنوس» حكايات المقهورين في دارفور، والصراع السياسي القائم في ذلك الإقليم، وتُبرز الوجه البشع للحضارة الغربية. ماذا أضافت الرواية للتاريخ الإنساني المعاصر؟

– لا أجرؤ على الادعاء بأن نصاً كتبته يضيف إلى تاريخ الإنسانية، أنا فقط حاولت أن أنادي في تلك البرية الشاسعة التي يبتلعها الصمت، حاولت أن أشير بإصبعي إلى بؤرة من الوجع والظلم، أن أنقل صوتاً يئنّ في مكان يبدو بعيداً، فأقربه لأسماعكم وأنبه إلى الخطر الكامن وراء اللامبالاة والتواطؤ، كما لم أتعمد كشف قناع الغرب وإبراز وجهه البشع قدرَ ما حاولت رفع الأقنعة عن الوجوه في الغرب والشرق معاً، لدى المنظمات التي تلبس رداء الإنسانية، أو لدى الإخوة الذين يبيعون دم إخوتهم. 
لم تكن نيتي أن أحفر خندقين أحدهما غربي وحش، والآخر عربي مسلم بريء، كنت أعي تورط معظم الجهات في تلك الجريمة، والتورط يأخد أشكالاً متباينة، تبدأ من اللامبالاة، وتنتهي بالمشاركة الفعلية في الجريمة. 
لقد درست منذ أكثر من ثلاثين عاماً في جامعة القاهرة في الخرطوم، ولأن دراستي في علم الاجتماع أتاحت لي معرفة الكثير عن دارفور آنذاك، فقد علمت أن أزمة دارفور عتيقة ترجع إلى ذلك الزمان أو يزيد، لكن في تلك الآونة لم يكن أيّ من العرب أو الغرب يسمع بها، كانت المجاعات توقع الضحايا، والعنفُ قائماً بسبب نقص الموارد، وهناك حرب أهلية تتجدد أو تخبو ثم تعود، لكن العالم غافل عنها ولا يعرف شيئاً عن تفاصيلها. فماذا حدث؟ لماذا تذكر العالم أن هناك ما يسمى «دارفور» في هذا الزمان بالتحديد؟ هل هو تذكر بريء؟ أم إنه يقع في إطار الحراك القائم لخلق شرق أوسط جديد؟ 
مع أنني أعي المسألة على هذا النحو، إلا أنني لم أحمل تلك الحمولة السياسة إلى الرواية كما هي جافة وجارحة، لقد تعمدت أن أفرش أرضية عن حياة الناس وأقرّب شخصيات العمل للقارئ حتى يرتبط بهم ويشعر معهم قبل أن يداهمه الحدث العنيف. من دون تلك الأرضية من العلاقة الحميمة بين القارئ والشخصيات كان من الممكن أن يصير البشر مجرد أرقام تضاف إلى قائمة الضحايا الذين نشاهدهم كل يوم على الشاشات من كل صوب وحدب في عالمنا العربي. 
كي نشعرَ مع الضحية علينا أن نعرفها. ربما كانت هذه هي الإضافة الإنسانية. الذهاب بالقارئ إلى أصقاع بعيدة لا يعرف تفاصيل الحياة فيها، فإذا ارتبط بها هزّته مصائب الناس فيها. 

أهديت «بابنوس» للمبدع السوداني الطيب صالح.. ما سر الإهداء.. وعلاقته بالوجع السوداني؟

– عندما كتب الطيب صالح أعماله الخالدة تمكّن عن جدارة من تثبيت الرواية السودانية في ذهن القارئ العربي، هو بهذه الريادة أبو الرواية السودانية، وأنا حين أقتحم هذه الساحة أدق بابه مستأذنة، وأعرف أن كتّاباً سودانيين يسيرون الآن على خُطاه، أتابع بعض التجارب ويغيب عني أكثرها، لأن المكتبة العربية فقيرة في التواصل، ولست أقصد أن أصطفّ في ملعبهم أو أصادر أحقيتهم في تشريح حالة بلادهم، ولكني لأسباب كثيرة وجدت نفسي أمام استحقاق كهذا. 
من هنا، واعترافاً بأولوية الرواية السودانية، كان الإهداء للطيب صالح الذي أدخلني السودان قبل أن أدخل أرضه في الواقع. لقد جعلني الطيب أرى مقطعاً من الوجع الإنساني هناك قبل أن أختبر هذا الوجع عياناً. 
حين وصلت السودان كنت بحكم انتماء أبي إلى الفئة الدبلومسية، بعيدة عن أوساط الناس، ولكن ما تركه الطيب صالح ظل يلحّ عليّ لمعرفة السودان الحقيقي؛ الناس البسطاء.. ثم كانت دراستي الجامعية أقرب الطرق للالتقاء بكل الفئات، وكان لدراستي الفضل في كشف ما خفي. هكذا وجدت نفسي في خضم السودان وإن لم أكتب عنه إلاّ متأخرة، عندما بدأت قضية الحرية تلح على نصي، وباتت هاجسي، صار السودان يعاودني دائماً وترجع لي الخبرات، ومن ثم كانت روايتي. 

• لك علاقة مميزة إبداعياً وإنسانياً مع السودان، فمنها رأت النورَ مجموعتُك القصصية «مع الأرض»، وعنها كتبت روايتك الأخيرة «بابنوس»..

– أعتقد أنّ أي إنسان لو سُئل عن الأزمنة الأكثر تأثيراً في نفسه لتذكّرَ سنوات الدراسة الجامعية، لقد تركت تلك الفترة آثاراً كبيرة في روحي، فتحت أمامي أبواباً مغلقة، وحركت حياتي من محدوديتها إلى عالم رحب غني بما لم أكن أعرف عن البشر، ووضعتني مباشرة أمام استحقاقات إنسانية تتعلق بعلاقة آسيا بأفريقيا، الأبيض بالأسود، المسلم بالمسيحي، الذكر بالأنثى، الطبقة التي أنتمي إليها بالطبقة التي تتحرك في أعماقي.. 
كان للتجربة زخم كثير على شابة تحب الحياة، لكنه كان ضرورياً لمشروع الكاتبة التي سأصيرها في ما بعد. لقد أثْرت السودان وجداني، بحكاياتها وتناقضاتها ومزاجها حتى بأغانيها والعلاقة المعقّدة بين البساطة والتعقيد. نعم، بات هناك رابط إنساني كبير بيني وبينها عندما تزوجتُ بسوداني وكان لي بنات سودانيات، كما أن أول مولود لي على الصعيد الإبداعي شهد النور في الخرطوم، حيث أصر جارنا وصديق أبي، الصحفي الكبير بشير محمد سعيد، الذي لم أكن أعرف حينها قدره أو موقعه في عالم الإعلام والفكر والسياسة -وذاك لفرط تواضعه- على أنني أكتب ما يستحق أن يُطبع، وطبع لي مجموعتي القصصية الأولى في الخرطوم عن دار الأيام، ثم سار مشروعي باتجاه ذاكرتي حيناً واهتماماتي أحياناً فتمحور حول الهم الأردني، وحرث البلاد من شمالها إلى جنوبها، حتى ظننت أن تلك الفترة من حياتي صارت ذكرى، لكنها عادت وبقوة في روايتي الأخيرة «بابنوس». 

عنوان الرواية «بابنوس»، مستعار من اللهجة المحلية لأهالي دارفور في السودان، حيث يطلقونه على شجرة الأبنوس، لكنك –بحسب نقاد- أغرقتِ في استخدام اللهجة السودانية، الأمر الذي صعّب من قراءة الراوية؟

– لم أسمع مثل هذا التعليق من نقاد، ولكنني سمعته من بعض قراء تمثل القراءة لديهم عبئاً. في رواياتي عموماً أميل إلى استخدام العامية في الحوار إذا لزم الأمر لأني أدرك عبقرية العامية القادمة من تعبيرها الدقيق عن الشخصية التي أرسمها، لم يكن من الممكن أن أجعل العتّال في شوارع عمّان يتحدث بالفصحى، كذلك لا يمكن أن يتحدث أبناء التجمع السكني الذي ابتدعته في دارفور بغير العامية، هنا يأتي لزوم العامية، ولكني كنت أعرض الكلمة للفحص فإذا ما كانت عربية تركتها على حالها، وقد اكتشفت أن اللهجة بسببٍ من أدائها الصوتي قد توهمنا في الوهلة الأولى بابتعاد اللفظ عن الفصحى، ولكني وجدت أن أغلبها يمثل الكلمة نفسها الموجودة في «لسان العرب». الفرق يكون في لفظ الكلمة أو تركيب الجملة ودلالته. ببعض الجهد يمكن فهم الرواية، ألم نفهم الطيب صالح، كما فهمنا اللهجة التونسية في روايات البشير خريف، والمصرية عند نجيب محفوظ. 
بالطبع، في ما يختص بدارفور هناك مزيج من كلمات غير عربية آتٍ مما يسمى «الرطانة» أو من لغات أخرى إفريقية. هذه لم أكثر منها، وعندما استعنت بها وضعت هامشاً يفسرها حتى لا أربك القارئ. في تقديري أن هناك طريقة قراءة كسولة تحول بيننا وبين الفهم في بعض الأحيان. 


كانت أعمالك محور أطروحات جامعية عدة ناقشت محاور مفصلية. ومنها أطروحة دكتوراه بعنوان «بناء الشخصية في قصص سميحة خريس»، ورسالة ماجستير بعنوان «البنى السرديّة في روايات سميحة خريس (1995- 2003)»، كيف تنظرين لهذه المبادرات؟

– عدد الأطروحات التي تتناول الأدب الأردني يسيرة في الجامعات الأردنية، في مقابل الأطروحات التي تذهب إلى السهل، كأن تتناول نجيب محفوظ أو محمود درويش، هؤلاء سيجد الباحث حولهم آلاف الرسائل التي تعينه في إنجاز رسالته الجديدة والتي لا تضيف في الغالب الأعم، لكن الأدب الأردني يتطلب القراءة من الصفر، وهذه مجازفة تحتاج إلى شجاعة والشعور بجدية الدراسة، وحب النص الذي يتم تناوله. 
بالطبع أقدم بعضهم على هذا التحدي، وفي كل جامعة هناك أطروحة أو أكثر حول كاتب أردني. كان لي حظ من هذه الأطروحات، ولكنها بمجمل ما كُتب عن الرواية الأردنية ليست كافية لتأصيل دراسة الأدب الأردني، ما زالت النصوص بكراً تحتاج إلى من يتناولها.
لقد أُنجزت عن أعمالي مثلاً أطروحة في جامعة ماليزيا، وأطروحة في جامعة أدنبرة، وأخرى في الجزائر، وكانت أعمالي تُتناوَل كنماذج ضمن أطروحات تتحدث عن الرواية العربية عموماً، لكني أظن أن تصدي الجامعات للأدب الأردني ضرورة في خلق انتباه إلى المنجز في الأوساط الأكاديمية. أنا أعرف أن هناك أكاديميين ينكرون وجود أدب أردني أساساً، ويترفعون عن قراءته ويقومون بالتنظير للمسألة والبحث في أسبابها كأنها حقيقة واقعة، وقد أغلقوا أعينهم عن أي نص أردني.. إنهم يتلقفون السهل المتاح البعيد عن خلق جدل أو حوار على الساحة، كأنهم يبتغون الحصول على التقدير العلمي بأقصر الطرق، أظن أن مثل هذا الإجراء يفصل الطالب عن ظاهرة أدبية جديرة بأن يتم تناولها بما تستحق من الاحترام، ولا أعني هنا المديح أو القدح، ولكن الدراسة الجادة الملتزمة بالمنهج العلمي. 

• تتجلى علاقتك مع المكان ونبضه، وهذا ما يلمسه القارئ في كتابك «على جناح الطير». كيف تنظرين لأدب الرحلات؟

– عندما بدأت كتابة «على جناح الطير» لم يكن ببالي أن أكتب أدب رحلات، لقد كنت أتتبع مصائر المدن، وأتأمل في أحوالها، واختلط هذا الأمر بسيرتي الذاتية في بعض مفاصلها، كوني كنت الشاهد على تغيرات درامية في تاريخ المدن بسبب سفري وإقامتي في أكثر من مدينة عربية. وإن كان العرب اهتموا بأدب الرحالة كما أسموه فلعلهم يهتمون بما يمنح من معارف هي بديل منطقي عن السفر والتجوال في العالم الذي لا يتاح لكل إنسان في تلك الأزمنة البعيدة، لكن السفر أصبح اليوم في متناول الناس، ووسائل التواصل المرئية تقدم صورة عن العالم واضحة ملونة، لهذا يصبح لأدب الرحلات وظيفة مغايرة، لا بد أن يحمل هذا الأدب قيمة إنسانية، ليس القصد من وصف مدينة في الكتابة أن تراها، فالصورة تفي بالعرض، ولكن المطلوب أن تفهمها وتحس بنبضها.
هكذا تعاملت مع المدن التي عشت فيها، وتلك التي زرتها زيارات خاطفة، شبهت هذا الارتباك بالوشم على الذراع الذي تركته إبرة التطعيم، غائر في الجلد، منسي وجوده، ولكنه هناك يشهد على المعرفة التي أتيحت حينها. في نصي حاولت أن أرى كيف تنمو المدن وتنضج، وكيف يتغير الناس فيها مع تغير الأحوال السياسية والمادية والاجتماعية.. يحمل الكتاب الكثير من الحنين، ولكنه قطعاً يحاول أن يفهم ويحلل.

• كيف تنظرين لحضور المكان بشكل عام؟ ولحضوره في رواياتك بشكل خاص؟

– قبل فترة قصيرة أشار ناقد إلى أن المكان الأردني في الرواية يأتي خجولاً وليس أساسياً، قد يكون هذا الرأي صحيحاً إذا تحدثنا عن الروايات قبل عشرين عاماً، ولكني أتتبع إنجاز المبدعين الأردنيين فأسال: هل المكان عند زياد قاسم خجول لا ملامح له؟ هل هو متوارٍ أو غائب عند هاشم غرايبة؟ هل هو وهمي عند سليمان قوابعة؟ هل هو شفاف عند أحمد الطراونة؟
الأمثلة كثيرة، مما يعني أن هؤلاء وسواهم من الكتاب الأردنيين لم يُقرأوا كما يجب، وإن هناك عناوين جاهزة لأفكار لم تتوخّ الدقة. في نصوصي وهبتً الكلمة للمكان منذ البداية، بعض رواياتي تحيد المكان لتلعب في مساحة وجودية أو نفسية بحثة، ولكن معظم أعمالي إنما هي صيغة تجعل المكان بطلاً أساسياً وربما قبل الشخصيات التي تعمره في النص، مثل «دفاتر الطوفان» التي كانت احتفاءً فاقعاً بالمكان. 
لقد ذهبت بقصدية إلى إعادة إنشاء المكان، بنيته حجراً حجراً، قبل مرحلة الكتابة، وكنت في مرحلة الدراسة وجمع المعلومات قمت بإجراء غريب.. لقد رسمت على الورق المدينةَ عمّان، ووضعت الشوارع الرئيسة التي ستحمل الأحداث والمناطق التي ستكون هي بعينها أحداثاً، بل رقّمت الدكاكين وعرفت من كان يسكن الدور في قلب المدينة، وعندما وُلدت عمّان كاملة على الورق شرعتُ أكتب. صحيح أنني لم أنقل الرسم إلى كلمات، لكنه كان يتحرك في خاطري ويحرك الحدث، لهذا كانت عمّان بطلة النص، كذلك الأمر في أعمال مثل «القرمية» و»شجرة الفهود»، وقد فُتحت لي أبواب كثيرة وشُرعت نوافذ نظراً لاحتكاكي بالمدن والأماكن العربية، أظن أن هذا وضحَ جلياً في رواية «يحيى»، لم أكن أخشى أن أجوس القاهرة، المدينة التي تم رسمها آلاف المرات في الأدب، لقد أعدت صياغتها على طريقتي ومثلها دمشق، ومن هنا جاءت الجرأة في رسم مكان تخييلي في دارفور، كان حقيقياً إلى حد بعيد.
نعم أنا مغرمة بالأماكن، لا يمكنني تصور حدث من دون أن يضع المكان بصماته فوق حياة أبطاله، هو عندي بمثل أهمية الزمان وضرورة الحدث وثقل الشخصية الفاعلة في النص، ويروقني أن أقلّب المكان وأكشف خبيئته، أن أحبه أو أكرهه، أن أمجّده أو أذمه، وأعتقد تماماً أن أماكننا تشكّلنا على مزاجها وطبعها، هي التي تمنح وجوهنا ملامحها وهويتها. 


بعض الكتابات لا تنجو من سيرة شخصية مباشرة، أو غير مباشرة. هل تلجأ سميحة خريس لتوظيف بعض «السيرة الذاتية» في أعمالها؟

– هذه القضية يتم تناولها، خاصة بالنسبة للمرأة الكاتبة ،بشيء من الترقب، وكأنها محاولة لكشف أسرار المرأة. الصيغة الاتهامية التي يواجه بعضهم فيها النص لا تجعلني أنكره أو أتهرب منه، لأني ككاتبة الأقرب إلى نفسي وأعرف أين أجدها في نص يبدو بعيداً عني، وإذا كنت أريد للقراء أن يقرأوني فإني أحب أن يجدوا أنفسهم أولاً في كتاباتي لا أن يقرأوا عني. 
مع ذلك أقول: في كل نص كتبتُه بعضي، هو أنا، ما أعرفه وما أريد أن أقوله لكم، وهي خبرتي التي عرفتها بنفسي بالتجربة الحية حيناً وبالفهم لتجارب من أعرفهم، وأقول للباحثين عني في الشخصيات النسوية في نصوصي، وسّعوا دائرة البحث.. في كل شخصية -مهما كانت رجلاً أو أمرأة أو حتى حبلاً أو قطاراً أو قمعاً من السكّر- شيء مني! ألست من شكل هذه الشخوص؟ وفي كل رأيٍ، سواء كان خيراً أو شراً أو حكمة أو حماقة، شيءٌ من حالاتي، ألست من فكّر به لحظة الكتابة؟ حتى أولئك البشر الذين أستعير حياتهم يتشكلون بقلمي على شاكلتي، وإلا لماذا أجرّهم إلى دنياي؟! الرواية تتيح لي أن أضع بين أيديكم تعددي، لا صورتي الواحدة المتوقعة أو المعلنة، أنا لا أتنصل من كتاباتي بنسْبها إلى سواي، بل أتحمل مسؤوليتها كاملة، وإن خالفتني. 
أما السيرة الذاتية من حيث هي فن له منهج دقيق، فلم أجربها حتى الآن، وليس لدي رغبة في ذلك، ربما انفلت بعضها في بعض الروايات وفي كتابي «على جناح الطير» تحديداً، فامتزج بسيرة المدن، ولكني بحق لا أعتقد أن حياتي تستحق أن أقعّد لها وأكتبها، قد أكتب بعض أفكاري، قد أكتب حياة إنسان يشبهني في رواية، هو جزء مبتور مني ومركّب من حيوات أناس آخرين. 
السيرة الذاتية الصريحة المباشرة ليست مهمة حقاً في حالتي، فلم أفتح الصين ولم أكتشف الذرّة، وليست لدي جرأة أوغسطين ونزق مؤنس الرزاز لأجوس في المنطقة الجوانية من روحي.. أنا طباخة أمزج ملحي وسكّري بطعام الرواية، هكذا أكتب سيرتي وسيرتكم!

• الرواية المعاصرة لم تعد مجرد تخييل، وتحتاج للبحث والتنقيب، كما في رواية «يحيى» الكركي التي التقطتِ شخصيتها من بطون الكتب القديمة. كيف تصفين هذه التجربة التأريخية التي تعود إلى أكثر من أربعة قرون من الزمان خلال فترة الحكم العثماني؟ وإلى أي مدى يفيد الروايةَ أسطرةُ البطل؟

– لا أظن أبداً أن الرواية كانت في يوم ما تخييلاً فقط، الرواية فن وعلم، صنعة وحرفة، رشيقة مثل حكاية الجدة، مثقلة مثل كتاب العلوم. في رواية «يحيى» نضجت حالة البحث عندي وقد كانت ماثلة في كل أعمالي السابقة، أظن أن الجانب المعرفي ضرورة في العمل، وأذهب للبحث عنه عبر التنقيب والدراسة، ولكني في الواقع أختار وأنتقي ما يوافقني وما يقود إلى قول رسالتي لا رسالة الآخرين. حكاية «يحيى» في الكتب لم تكن أكثر من صفحة واحدة تحولت إلى أربعمائة صفحة، حياة عاصفة غزيرة التفاصيل، متفجرة، مشدودة إلى نهاية مفجعة.
حين أتصدى لمثل هذا الكون لا بد لي أن أؤثته بزمانه، وبروح الإنسان فيه، أن أسترجع روائحه وأفكاره وألوانه، وهذا احتاج مني إلى دراسة مستفيضة في العصر وما رافقه، كنت كلما ظننت أني كشفت الستر عن تفصيل وجدت أمامي طلاسم أخرى لا بد من معالجتها. لقد كانت رواية «يحيى» بالنسبة لي حقاً النموذج المثالي لما أسميه دوماً: خط الفن الموازي لخط الواقع. حياتان تسيران متوازيتين، كل ما يحفل به الواقع ستحفل به الرواية. بذلت جهداً كما يفعل صانع مجوهرات في تركيب تحفة ثمينة، أردت أن أحقق معادلة الجمال والمعرفة، المعلومة والمتعة، هناك نقاد قالوا إن الجرعة المعرفية كانت عالية على حساب الفن، ولكني أعتقد أن مثل هذا العمل يحتاج إلى الزخم لأنه ببساطة عمل يتوخى المعرفة ويعالج مسألة فكرية شائكة، وأعتقد أن الجرعة كانت عادلة متوازنة.
أيضاً سمعت رأياً حول أسطرة البطل، ببساطة أنا لم أكتب عن بطل رواية يمر مروراً عابراً في الحياة، كنت أصنع نموذج نبي، وأرجو عدم تفسير الكلمة على محمل ديني. أردت من بطلي أن يحمل قلب نبي، تقع على كاهله مسؤولية البشرية، منذور للمعرفة في بدايات حياته، مشكوك في احتماله شروط الحياة، في نهايات حياته هو شهيد الموقف ذبيح الفكر. 
مثل هذه الشخصية لا يمكن أن تقدَّم من دون أسطرتها، فتسطيحها يعني اغتيالها على الورق منذ اللحظات الأولى، ولعلي أنا نفسي كنت بانتظاره كما يقال «في انتظار غودو» الأسطورة، الحل، الأمل، ألسنا جميعاً نعيش هذا الانتظار؟ تجلّى ذلك مثلاً في رواية «القرمية» حين جنحت إلى أسطرة بسيطة للبطل، ثم انطفأ الحلم، وعدت أحاول أسطرة خلَف له، لم يتمكن أبطالي عبر عدد من الروايات أن يحققوا شروط البطل الأسطورة. بعد سنوات، وفي رواية يختلف موضوعها عن سواها، تهيأت البيئة المناسبة، وناسبَ الهدف هذا المنحى، فكان «يحيى»، بالطبع لن أتركه نهباً للعادي والعابر، بل أسعى لأن أجذّره فينا عبر أسطرته. 

* الرأي الثقافي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *