الرئيسية / إضاءات / مثقفون من غزّة: نحن بشر أيضاً وعلينا حماية الأمل

مثقفون من غزّة: نحن بشر أيضاً وعلينا حماية الأمل


اسكندر حبش



كان يبدو، من أيام قليلة، أن ثمة انتفاضة جديدة تلوح في الأفق الفلسطيني، إلا أن تسارع الأحداث أخذ الأمور إلى جهة أخرى لتتمثل بعدوان جديد على غزة. المعارك اليومية والقصف والقتل، أمور تشكل الخبز اليومي، وهي أتت لتضاف إلى الحصار الذين كان مفروضا عليها من سنوات.
قد تتعدد اليوم التحليلات السياسية والعسكرية، وقد تتعدد الرؤى التي ننظر من خلالها إلى ما يجري، لكن الثابت الوحيد أن الكثير من الدماء تهرق اليوم، وأن العديد من الشهداء يسقطون، وأن عنجهية العدو لا تزال تستمر في “هوايتها” الوحيدة والممكنة والتي لا تعرف غيرها وهي عمليات القصف والقتل من كلّ الجهات.
ربما تلوح في الأفق حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وربما سيسفر الأمر عن تسوية ما، لكن ما يلاحظ لغاية اليوم أن مفهوم المقاومة عاد ليغطي على كل المفاهيم الأخرى. في أيّ حال، ليس هدف هذه المقدمة إعادة صوغ “بيان” لما يجري، ولا الذهاب في تحليل الوضع، إنما تقديم هذه الشهادات التي كتبها بعض كتّاب ومثقفي غزة، عن الوضع الراهن، بعد سؤال طرحته “السفير” عليهم، ويتمثل في كيفية تلقي المثقف اليوم، العدوان الصهيوني على غزة وعن كيفية مجابهته.
ربما يتوجب عليّ بداية شكر الصديق الشاعر خالد جمعة، الذي جعلني على تماس مع عدد من هذه الأسماء الموجودة هنا، كذلك لا بدّ من شكر الذين ساهموا في هذه الإجابات، فلبوا الكتابة بسرعة على الرغم من أنهم جميعا من غزة، أي كتبوا والحرب تدور من كل الجهات عليهم. من دون أن ننسى من وعد بالكتابة ولم يستطع، لا لشيء إلا لأن الكهرباء كانت مقطوعة، ولم يستطع إرسال مساهمته. في أي حال هنا الإجابات الشهادات التي تقدم لنا آراء أهل غزة الذين يعرفون اليوم كل هذا الدمار الذي يتساقط فوقهم.

أحمد عوني بعلوشة:لسنا أعداداً

يتلقى المثقف هذا العدوان كما يتلقاه أيٌّ من المواطنين العزل الذين لا يعرفون لماذا يتم قتلهم من دون إذن أو اعتبار، ولا يعلمون أيضاً كيف يمكن لإنسانٍ أن يقتل إنساناً من دون مبرر، هناك استخفاف بقيمة الدماء الفلسطينية، والغريب أن بعض الوسائل تتعامل مع الفلسطينيين كأعداد على الرغم من أنهم ليسوا أعداداً بقدر ما يروي كل منهم حكاية يعيشها الفلسطينيون بحذافيرها وتفاصيلها الصارخة. لا شك في أن هناك فرقاً شاسعاً بين ما يمتلكه الاحتلال من أسلحة ثقيلة يقتل بها أحلام الأطفال وألعابهم، ولكن هذا لا يعني أن نقف صامتين حيال هذا العدوان الذي يستمر لليوم الثامن على التوالي، من دون أيِّ تحركٍ رسميٍّ يندد بهذا العدوان. وعن الطريقة التي يمكن من خلالها مجابهة هذا العدوان، فهي كشف الأكاذيب التي لا يتوانى الاحتلال دقيقةً عن اختراعها وتضليل العالم في محاولة لتصوير إسرائيل على أنها دولة مغلوبة على أمرها أمام الفلسطينيين، والواقع أن إسرائيل هي من تشن عدوانها برا وبحرا وجواً، مستخدمةً الأسلحة المحرمة دولياً والتي تنتهك حقوق الإنسان بشكلٍ صارخٍ وفاضح، الأمر الذي يجعلنا نقف أمام هذه الممارسات، محاولين نقل الصورة الحقيقية إلى العالم، وإظهار الحقائق التي تحاول إسرائيل دائماً إخفاءها. دائماً ما أدعو النشطاء إلى عدم التوقف عن التصوير وعن كتابة الحكايات والقصص، وأتمنى أن يصل الصوت الفلسطيني بشكل حقيقي إلى العالم.
(كاتب صحافي)

شجاع الصفدي:همّ الوطن فوق أي شيء آخر

في الوقت الذي تتساقط فيه الحمم على غزة تقتل وتحرق وتدمر كل ما يمت للحياة بصلة يتباكى العالم على سقوط الصواريخ على المدن «الإسرائيلية» ويدين ويستنكر فعل المقاومة ويصفه بالعمل الإرهابي، صورة تراجيدية للمشهد تبدو فيها غزة الفتاة الجميلة التي خطفها الوحش، حبسها بين جدران صماء بلا أي مقومات للحياة، ويريد أن يأتيها وقتما يحلو له فيمارس ساديته ويمزّق جسدها ويغتصبها ولا حق لها في الصراخ، وكلما صرخت لامها العالم كله على الإزعاج الذي تسببه، وحين أقلعت عن الصراخ وباتت تنشب أظافرها في «الغوريلا» علا صراخ الوحش وساندته كل الوحوش الأخرى، حتى أهل الفتاة الجميلة! ودعمت حقه في الدفاع عن نفسه ضد المجرمة التي تجرأت ونشبت أظافرها في جسده. هذا هو حال غزة الحقيقي في أوج اللعنات المتلاحقة عليها، والتكالب ضدّها من كل حدب وصوب، وفي خضم هذه المعركة على المثقفين والكتاب الفلسطينيين أن يتعاملوا بطريقة المقاوم وأن ينشغلوا بأسلحتهم الفكرية والإعلامية لمحاربة الجرائم الصهيونية، ولا ينشغلوا أبدا بالخلافات السياسية والانتقادات لأي طرف مهما كان يراه مخطئا في حساباته، فمن المعيب الآن أن تعلو أي أصوات ضد المقاومة مهما كانت الاختلافات، فالاحتلال ذاته توحد خلف حكومته المتطرفة داعما موقفها، فطالما هنالك حرب هنالك وقفة واحدة لديهم، وهذا ما يجب ألا نفتقده في هذه الظروف الدموية التي نحياها، والأهم من هذا ألا يغفل أحد عن دوره أو يستخف بما يمكن أن يقدمه، فعلى المثقفين والكتّاب والمبدعين بشتى صنوفهم أن ينقلوا للعالم الصورة الحقيقية لهذا الوحش القاتل الذي ينقض على غزة ويستفرد بها، وعلى كل من يجيد لغة من لغات العالم أن ينقل صورا وأدلة وترجمات موثقة لكل الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتحييد الولاء الحزبي لصالح الولاء للوطن وقضيته، عندها فقط يمكن القول إن الشعب الفلسطيني على قلب رجل واحد، وأن المثقف الفلسطيني يحمل همّ الوطن فوق أي شيء آخر.
(كاتب)

سمية السوسي:توثيق الاعتداءات والانتهاكات

إن المثقف في غزة شأنه شان أي مواطن عادي يعاني من جميع الانتهاكات التي نتعرض لها من قبل العدوان الصهيوني الذي لا يرحم. فهذه الحرب لا تفرق بين طفل أو رجل عجوز أو أي كائن حي. كأم لأربعة أطفال أجد نفسي عاجزة عن حمايتهم لكنني في المقابل أحاول بشكل مستمر التحدث معهم حول ما يحدث ومساعدتهم في تجاوز هذه الصدمة التي يعيشونا من خلال رواية القصص لهم واللعب معهم. في هذه الحرب والتي هي الحرب الثالثة على قطاع غزة في غضون خمس سنوات يظهر بوضوح أهمية الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك وتويتر) وهناك وعي واضح لدى فئة كبيرة من المثقفين في غزة لأهمية هذا الدور حيث يقومون بتوثيق الاعتداءات التي نتعرض لها وبالتحديد الانتهاكـات في الجانب الإنسـاني. هناك بوسـتات يوميـة وعلى مدار الساعة لنقل الصورة لأكبر شريحة ممكنة عبر الانترنت وهناك العديد ممن ينقل صورة عن عمليات القصف وتدمير البيوت ويروون القصص الإنسانية لأصحاب تلك البيوت ويقومون بنقل ذلك إلى عدة لغات. هذا الأمر الذي كان مفقودا في الحروب السابقة والذي له دور هام في نقل الصورة الحقيقية من ارض الواقع لا كما تنقله وسائل الإعلام المرئية والمسموعة فقط.
إن المسؤولية الواقعة على عاتق المثقف الفلسطيني كبيرة وبإمكانه مواجهة قوة السلاح التدميري الموجه ضده من خلال الكلمة الصادقة وإيصالها لأكبر قدر من الناس لفضح جرائم الاحتلال ودحض رواياته الكاذبة. نحن ما زلنا نكتب ونقرأ ونحاول عيش حياتنا اليومية بأقل الإمكانيات المتاحة لنا. ولذلك كي نحافظ على إنسانيتنا وكينونتنا وتظل هذه الوسائل الشكل الأكثر صدقا وإيلاما لنقل الواقع غير الإنساني الذي نعيشه.
(شاعرة)

وسام عويضة:موت بطيء

بداية، العـدوان عـلى غزة أكـبر من مجـرد أيام الحـرب، فغـزة في عدوان وحـصار مســتمر منذ أكـثر من سبع سنوات تخللتها ثلاث حروب، الذي يحدث هو أن وتيرة هذا العدوان تعلو أو تخفت تبعاً لمصالح هذا العدو وجنونه الذي لا ينتهي، لكن الحكاية لا تقف عند مجرد القصف والقذائف والحرب والموت، فثمة مـوت أبطأ يتمثل في طول الحصار، وسـجن أكـثر من 180 ألف فلسطيني على مدى هذه السنوات في حصار يقتل أرواح الناس وأحلامهم، هذا موت بطيء لا ينتبه إليه أحد، أما الحرب فليست سوى تسريع لوتيرة هذا الموت لا أكثر.
أما في ما يخص مجابهة العدوان، صدقاً لم أعد «كمثقف» أعرف، فكل مشاهد الموت والدم تجعل من عقلي فجوة تمتص كل فكرة، أنا لا اسـتطيع أن أكتب حتى في ظل وتيرة الموت التي لا تنـتهي، الموت موت، والوجع وجع، وأوجع ما يحـدث هوا أنـنا متـروكـون لهذا المصير في ظل هذه الفوضـى التي تعـم العالم العربي من حولنا، لطالما اعتقدت أن دور المثقـف هو الإضاءة على هذا الوجع، وكشف الجنون، وتوصيف الجرائم…
لكني صدقاً وفي ظل هذا الموت لم أعد أعرف.
(كاتب)

محمد الزقزوق:لسنا كائنات خارقة

لا شك في أن الحرب هي تَجسيد لفكرة الموت الذي يأخذ أشكالاً متعددة، ليس فقط شكل الأشلاء التي يُخلفها الصاروخ بل انتظار الموت في أي لحظة، حينَ يكون هذا العدد الكبير من سكان القطاع في منطقة محدودة جغرافيا مهددين أمام إله الحرب الفاشية التي لا تفرق بين أحد وتقتل الجميع بمنتهى الهمجية. المثقف الفلسطيني هو جزء من هذا المجتمع يتلقى العدوان كغيره لكن ربما معرفة التفاصيل التي من الممكن أن تكون لدى المثقف تجعل الشعور بالألم أكثر إلحاحا، حين تقصف الطائرات الإسرائيلية رؤوس الأطفال فقط، هروباً من حلمهم في حياة عادية لا يهددهم فيها خطر ما، حينَ ينهدم مشروع الحياة أمام آلة الموت الإسرائيلية التي تمارس جرائم فاشية وعنصرية تصل إلى حد الإبادة، لسنا كائنات خارقة كي نجمع أشلاء أطفالنا من الشوارع، ونعيد لهم الحياة كي يذهبوا إلى مدارس بعد انتهاء العطلة الصيفية، أو كي يفرحوا بالعيد القادم، ويأكلوا الحلوى كغيرهم من الأطفال. الشعور بالعجز خانق إلى درجة الموت، الشعور بأنك وحدك في هذا الكوكب الذي بات يرى جرائم في غاية الوحشية من دون أن يحرك ساكن يجعلك تشعر أن هذا العالم مسلوب الإنسانية، وشريك بصمته في عملية التصفية التي تحدث في القرن الواحد وعشرين بحق شعب أعزل ويقف هذا الكوكب ليشاهد فقط. هذا موت أيضا.
(كاتب)

أحمد يعقوب:هكذا نواجه مصيرنا

القصف والعصف وخراب العدوان.. لا تسمح لي بالتكثيف والايجاز.. ولا وقت للتجريد ولا ترف التنظير امام الطفولة المذبوحة وشلال الدم النازف وخراب الارض ونفير البحر وغضب السماء.
انه عدوان بكل المصطلحات والمسوغات.. ليست حربا انها عربدة وغطرسة ومحاولة ابادة. فالحروب تقوم بين دول لها بنى تحتية متكاملة وجيوش جرارة وترسانات، وآليات ومقومات.. بينما غزة ﻻ يوجد فيها اي ملجأ عام يمكن ان يحتمي فيه اﻷطفال والمسنون والمرضى. ﻻ توجد في قطاع غزة صافرة انذار واحدة تعلن بدء الغارات القاتلة. ﻻ يوجد جيش كباقي جيوش العالم. واهل غزة لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية كي يمتلكوا تجربة عملية للتصرف كما ينبغي في الحروب. كما لم يتلقَّ السكان دورات في اﻻسعاف اﻷولي والدفاع المدني. اما طواقم اﻻسعاف والدفاع المدني صاحبة اﻻختصاص فأعدادها ﻻ تكفي وﻻ تتناسب مع حجم الدمار والقصف. عدا ان آلياتهم تعاني من نقص في الوقود وانقطاع الكهرباء شبه الدائم. والقضية اﻷهم هنا هي تعداد سكان القطاع مليون وسبعمئة الف نسمة، على مساحة 360 كلم مربعا، فهي اعلى كثافة سكانية في العالم. لو سقط حجر من السماء ﻷصاب احدهم. اﻻحتلال اﻻسرائيلي كان يدمر وﻻ يعمر طيلة 40 سنة، لا ياسر عرفات وحكوماته المتتالية شيدوا الملاجئ وﻻ حكومة حماس فعلت. والنظام السياسي الفلسطيني مأزوم منذ اتفاقيات اوسلو.
عندما ترى نظاما سياسيا مأزوما فإن الثقافة والمثقفين يعانون الازمة ذاتها بشكل جدلي. وانا اذهب الى تحميل النخب الثقافية قسطا كبيرا من هذه الأزمة، باعتبار المثقف صمام امان البوصلة والضمير والوجدان. مع ان المثقف الفلسطيني تعرض لخيارات صعبة بين التبعية للسياسي بشقيه السلطوي والمعارض وتهميش وابعاد عن دائرة الفعل والتأثير. ومع ذلك فالمثقف الفلسطيني اسوة بكل المثقفين الأحرار يسعى الى ازدهار الثقافة في مجتمعه وبلاده، وهذا لا يتأتى الا بالتحرر والانعتاق وتحقيق العدالة وانتصار الجمال على القبح.
تحت سطوة القوة العمياء لا يمكن ان تعمى قلوبنا وبصرنا وبصيرتنا عن حرية شعبنا وعن حقه المشروع والمقدس في مقاومة الاحتلال. المثقف الفلسطيني يطالب السياسي الفلسطيني بأن يعمق الوحدة الوطنية بين مكونات الطيف السياسي الفلسطيني ويمضي قدما في انجاز المصالحة التي افقدت االاسرائيلي صوابه وهو القائم على سياسة فرق تسد.
في اقصى درجات العنف والدمار على غزة لا ننسى عدوان الاحتلال على اهلنا في الضفة الغربية، الذي تتصاعد وتيرته في حملات الاعتقال والمداهمة والتنكيل في اشد حملة عنصرية لنظام الابرتهايد في تل ابيب.
بعد انقشاع غبار العدوان لنا الكثير لنقوله عن سلبيات الاداء في البيت الفلسطيني في غزة وفي الضفة.
(شاعر ومترجم)

– السفير

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *