الرئيسية / إضاءات / جمانة حداد: الظلاميون يتكاثرون في ثقافتنا العربية كالفطريات

جمانة حداد: الظلاميون يتكاثرون في ثقافتنا العربية كالفطريات


*زهرة مرعي

ليس لجمانة حداد أن تساير أو تداري، تبحث في الزوايا المعتمة، وفي الأفكار المعلنة والمضمرة لتعريها من زيفها ونفاقها، كاشفة ازدواجية المعايير في مجتمعنا البطريركي بامتياز. هذه هي جمانة المرأة التي تعبر عن نفسها كتابة وشعراً مثيرة حولها زوبعة من النقد، وبحراً من الترحيب. هي دون شك جريئة في دك الحصون التاريخية التي تحاصر المرأة وتمنع عنها الهواء الطبيعي. نصها مقدام في موضوعاته، وشعرها يطرح الأسئلة دون هوادة، ويلج المناطق المحرمة منقباً في ألف باء الجسد والإنسان. تخوض حداد ما تضعه نصب عينيها من قضايا مدعومة بثقافة واسعة، فهي تتقن سبع لغات. لها العديد من الترجمات. كما ان لها العديد من الكتب آخرها «قفص»، وقبله «عودة ليليت»، «صحبة لصوص النار»، «هكذا قتلت شهرزاد» و»سوبرمان عربي».

مع جمانة حداد الكاتبة، الشاعرة والمرأة كان هذا الحوار: 
*من ترغبين أن أخاطب بداخلك: الشاعرة أم المرأة التي دكت حصون سوبرمان العربي؟
*هما امرأة واحدة. أنا شاعرة أولا، وشاعرة خصوصاً، في كل ما أكتب وأقول وأعيش وأفكّر. ليس عندي فواصل حاسمة بين كينوناتي المختلفة، لأن جميعها أنهار تصبّ في محيط واحد وتصنع حقيقتي وجوهري، وهذان الحقيقة والجوهر هما الشعر.
*كم قرأت النساء كتابك «سوبرمان عربي»؟ وكم ترغب النساء العربيات بالإقلاع عن دور شهرزاد؟
*الكتاب مقروء من النساء والرجال على السواء، في العالم العربي وخارجه، وألمس ذلك عبر ردود الفعل والتعليقات والرسائل التي تردني يومياً. وهو أمرٌ يسرني للغاية، لأني لا أكتب لجنس دون آخر، ولا لجنسية دون أخرى. للأسف مشكلة العقلية البطريركية موجودة وقائمة في العالم أجمع، وإن بدرجات مختلفة طبعاً، خصوصاً مع استتباب قوانين في بعض البلدان والمجتمعات التي تحاسب على العنف والذكورية والتطاول على الكرامات. أشعر أن ثمة لدى الرجل العربي حاجة ورغبة لتخطي مأزق العلاقات المنمطة والمتوترة، بقدر الحاجة والرغبة الموجودتين لدى المرأة العربية. التعميمات حول الرجال والنساء ظالمة، وثمة رجال نسويون بقدر ما ثمة نساء بطريركيات يساهمن في ترسيخ العقلية الذكورية والمعايير المزدوجة والتمييز.
على مستوى آخر، وفي ما يتعلق بالجزء الثاني من السؤال، ينبغي بداية أن تعي المرأة انها تتمتع بالقوة والقدرات، وتكف عن اعتبار نفسها ضلعا أو ملحقا أو اكسسوارا. أي تغيير لا بد أن ينطلق من الذات، وما زالت نساء عربيات كثيرات غارقات في الإنكار أو انعدام الثقة بالنفس. لكي تقلعي عن أداء دور «شهرزاد» ينبغي لك بداية أن تصدقي أنك كائن كامل بذاته، وأنك تستحقين الحياة من دون اضطرارك الى المساومة أو منح أي شيء في مقابل الحصول على حقوقك البديهية. وأنك تستحقين سرد قصصك لمتعة سردها لا من أجل نيل رضى «الملك» أو السلطة. 
*كتبتِ: «سوبرمان وليد جهل الأمهات وسطحية الحبيبات وطاعة البنات وتساهل الشقيقات ولا فعالية الزوجات». هل هو تحريض للنساء على الثورة؟
*ليس تحريضاً على الثورة بقدر ما هو تحريض على الوعي. نموذج «سوبرمان» ليس المُلامَ الوحيد على وجوده واستمراريته. دعينا لا ننسى أنّ المرأة هي التي تلد الرجال المستبدين وتربّيهم. وغالباً ما تؤدي الأمهات تحديداً دوراً مباشراً (بطريقة واعية أو لا واعية) في تجريد بناتهن من قوتهنّ وإيمانهنّ في أنفسهنّ. ثمة نساء كثيرات في العالم هنّ ثمرة النظام البطريركي: نساء يفضّلن الرجل الذكوري على الرجل النبيل. نساء يتمنّين إنجاب الصبيان بدلاً من البنات. نساء في موقع سلطة يُسئن معاملة النساء اللواتي يقعن تحت سلطتهن. نساء يلتزمن الصمت حيال تعرّض بناتهن للضرب أو التحرش أو التعذيب أو حتى الاغتصاب. نساء يشجّعن بناتهن على الزواج في سنّ مبكرة لأن الزواج هو قمة الطموح بالنسبة إليهن: إن التجليات البشعة للمرأة البطريركية لا حدّ لها للأسف في ثقافاتنا ومجتمعاتنا. بات من الملحّ للنساء أن يتنبّهن إلى العدوّ الذي في دواخلهن قبل محاربة العدو الخارجي. بات من الملحّ أيضاً وضع حدّ للخلط المجحف، التعميمي، بين الرجال والعقلية البطريركية. ليس كلّ رجل عدوّاً، ولا كل امرأة حليفة. ولن يحدث أي تغيير إيجابي في مجتمعاتنا المريضة قبل أن تبدأ الأمهات في تربية الأجيال الجديدة بطريقة مختلفة، قائمة على المساواة والاحترام بين الجنسين. 
*أن يصفك بعض الرجال بالكاتبة المستفزة، فماذا يعني لك ذلك؟
*مجددا اسمحي لي أن أرفض التعميم. ليس الرجال فقط من يصفونني بالمستفزة، بل ثمة نساء أيضا يفعلن ذلك. في المقابل، لا أحصل على دعم أنثوي حصراً، بل ثمة رجال كثر يؤيدون أفكاري ويعتبرون أني أنطق بلسانهم. أما في ما يتعلق بمسألة الاستفزاز، فلا يعني لي ذلك شيئا في الحقيقة. انا اذ اكتب واعبّر عن نفسي، لا أفعل ذلك لأرضي فئة ما، بل احاول جاهدة أن أكون حقيقتي فحسب. قد تكون هذه الحقيقة مستفزة وصادمة للبعض، وقد تمثل «فشة خلق» وراحة للبعض الآخر. هذا تقييم نسبي، وقد حررتُ نفسي منذ مدة ليست بالقصيرة من تقويمات الآخرين وأحكامهم. لا يستطيع المرء أن يكون حرا حقاً إذا كان عبداً لنظرة الآخرين وتوقعاتهم. فلسفتي على هذا المستوى هي: «لك كامل الحق في أن ترفض افكاري وتعترض عليها، لكن ليس لديك أدنى حق في منعي من إجهارها وعيشها».
*ازدواجية الرجال الشرقيين أو انفصامهم بين المعلن والمضمر بين الممارسة والنظرية، كم ينعكس برأيك على تحكمهم بعالمنا؟
*لقد أصبحت للأسف هذه الإزدواجية هي المعيار. وهي سجنٌ كبير ومرعب أيضاً. أن تكوني عربية اليوم يعني، أولاً وخصوصاً، وإن من دون تعميم، أن تتقني فن الازدواجية والتمثيل والكذب والخبث. لماذا؟ لأنه ممنوع عليك أن تعيشي وتفكري وتقولي ما تريدين عيشه والتفكير فيه وقوله، بصدق، وعفوية، وشفافية. ممنوع عليك أن تقولي الحقيقة الفجّة، لأنّ الغالبية تحتاج إلى وهم الأكاذيب المطمئن. الظلاميون يتكاثرون في ثقافتنا العربية كالفطريات، وبتنا نعثر على أشباههم في كل مكان. ومن شيم هؤلاء تشويه كل شيء حرّ، وخلاّق، وجميل، وخارج على سرب التفاهة والنفاق والازدواجية، لمصادرته، وإلغائه. نتيجة ذلك، نحن نعيش في ثقافة تدّعي الانفتاح حين يناسبها ذلك، و»المحافظة» حين تكون المحافظة أكثر تماشياً مع مصالح الساعة. هؤلاء الإزدواجيون يدافعون عن القيم، والقيم منهم براء. يدافعون، من جهنّمات عقولهم ونفوسهم وأجسادهم المريضة والمعقّدة، عما يجرؤون على تسميته بالشرف والكرامة والأخلاق، في حين أنهم لا يفهمون من الشرف والكرامة والأخلاق سوى «ذَنَبها». أي ما هو ظاهر منها فحسب. هؤلاء هم سارقو حرياتنا الفردية والمدنية (حرية العيش، حرية الخيار، حرية التعبير…)، سارقو الدين ومشوِّهوه وقاتلوه. وسارقو الثقافة ومشوِّهوها وقاتلوها. وسارقو المستقبل ومشوِّهوه وقاتلوه. وسارقو المدنية ومشوِّهوها وقاتلوها. وسارقو تراثنا العربي النيّر ومشوِّهوه وقاتلوه. وهلمّ. ولعلّ هذه الإزدواجية، الناتجة خصوصاً من الجبن والجهل، والسائدة في أنظمة الحكم كما في الحياة الخاصة، هي الطامة الكبرى في حق هويتنا العربية المعاصرة.
*في مسيرة المرأة نحو تحقيق وجودها، أين تقع الأولوية: للتحرر الجنسي أم الاقتصادي؟
*في رأيي أن الأولوية العظمى هي للاستقلالية المادية، والبقية تتبع. أنجع طريقة لتجاوز العنف والكبت اللذين تخلّفهما الذكورية، لا بل القضاء عليهما تماماً، وصول المرأة إلى الاستقلالية المالية. ليس هذا فحسب، لا بل أنا أناشد المرأة، كل امرأة، بأن يصير الاستقلال المالي هوساً لديها. ظهرت الذكورية، في المقام الأول، كأحد نتاجات نموذج «الرجل الصيّاد» الذي يقول: «أنا أطعمكِ إذاً أنا أملككِ». تالياً، من بالغ الأهمية أن تطيح النساء هذه المعادلة من طريق غزو سوق العمل وتأمين مصدر رزقهنّ بأنفسهنّ. صحيحٌ أنّ العديد منهنّ يفعلنَ ذلك اليوم، إلا أنّ نسبة النساء المكتفيات ذاتياً لا تزال متدنية جداً في العالم العربي. قلةٌ يسيرة من النساء العربيات يتعلّمن أهمية الاستقلال المالي. حتى أولئك اللواتي يتقنَ إلى التحرّر يتّكلنَ، مراراً وتكراراً، على الرجال للإيفاء باحتياجاتهنّ الاقتصادية. بطبيعة الحال، إنّ التفاوت القائم في الأجور بين الرجال والنساء هو أحد الأسباب الرئيسية لذلك، لكنه ليس بالسبب الوحيد. فالمشكلة لا تنحصر في مدى توافر الفرص، بل هي أسوأ من ذلك بكثير: المشكلة ناتجة من الذهنية السائدة، والتي تعتبر أن هدف المرأة الأسمى هو أن تجد «عريس الزين» و»تتستّت». يجب أن تتعلّم النساء العربيات كيف يكنّ مسؤولات عن تلبية احتياجاتهنّ الخاصة. فيومَ تكفّين عن طلب المال من والدكِ أو شقيقكِ أو زوجكِ لشراء ما ترغبين فيه أو ما تحتاجين إليه، سيكون هو اليوم الذي تستطيعين أن تقولي فيه إنكِ حرّةٌ فعلاً. لا شيء يخيف الرجل الذكوريّ أكثر من امرأة لا تحتاج إليه لتلبية احتياجاتها. من شأن هذا الأمر أن يضرب جذور الذكورية ويقلب المؤسسة البطريركية رأساً على عقب. هذا من ناحية؛ أما من ناحية أخرى، فيفترض بهذا التحوّل أن يزرع الطمأنينة في نفوس الرجال الحقيقيين، عوض تشكيله مصدر خطر وتهديد: فهل من أمر أكثر إرضاءً للذات من اليقين بأنّ المرأة التي يحبّون تحتاج إليهم لشخصهم، لا بسبب الأمان المادي الذي يمكن أن يوفّروه لها؟
من جهة ثانية، التحرر الجنسي مهم ايضاً، لأن المرأة للأسف في مجتمعاتنا لا تملك جسدها ولا حرية التصرف به، بل إن جسدها هذا يُعتبَر ملكية خاصة للرجل (الأب، الشقيق، الزوج، الإبن) ويمثل شرف العائلة، وتلك طريقة أخرى لتقييدها وتطويعها والسيطرة عليها.
*رغم احتفالك بالحياة في شعرك، لكننا نلمس ومضات حزن فيه، كأن تقولي مثلا: «وما من حر سوى الميت»؟
*الحياة مهنة صعبة، وليس هناك من ينجو منها بلا ندوب وعثرات. حسبي أني غير صالحة للسعادة، أو على الأصح لست «مجهزة» لها، رغم طبيعتي الإيجابية. أن تكوني شاعرة يعني أن تكوني مشرعة على الكون بلا درع واق، بلا جلدٍ يحميك، ومن الطبيعي أن يعني ذلك تعرضك للكثير من الكدمات والصفعات على الطريق. لكن الشعر يستحق، وأفضل ألف مرة ان ادفع أثمانه الباهظة على أن أعيش بخفّة وطمأنينة من دونه.
*صدرت لك مؤخراً عن دار «نوفل» في بيروت مسرحية عنوانها «قفص»، تتناولين فيها نماذج نساء سجينات وراء قضبان المجتمع، كالعانس والعاهرة والمثلية… هل سيتاح لهذا النص أن يمسرح يوماً؟
*بطلات «قفص» الخمس هن ضحايا الخبث والجهل والجبن التي تنخر الكثيرين والكثيرات من أبناء مجتمعاتنا، وتنخر معها الكثير من البنى العقلية والمؤسسية والنقدية. وثمة فعلا مشروع لعرض المسرحية في بيروت في ربيع 2015، هذا إذا تمكننا من تجاوز مشكلات الرقابة وتعقيدات الانتاج في زمن يكاد لا يتمتع فيه المسرح بأي دعم رسمي جدير بالذكر.
*كم تمكنت من الانتصار على الأقفاص؟
*معركتنا مع الأقفاص لا تنتهي. حسبي أننا لا نستطيع أن نقول قط: «لقد انتصرنا وكفى». إنها قضية كفاح يومي، لأننا كلما خرجنا، أو ظننا خرجنا من أحدها، اكتشفنا أنْ ثمة قفص ثان يحتجزنا، قد يكون اوسع من الأول وأرحب، لكنه يظل قفصاً: قفص التقاليد. قفص الخوف. قفص العيب. قفص المظاهر. قفص السلطة. قفص الدين. قفص الجنس. قفص المعايير المزدوجة، وهكذا دواليك. هذه الأقفاص التي لا تعد ولا تحصى هي كمثل الدمى الروسية، هناك الظاهر منها والخفي، وينبغي لنا تجاوز مراحل وتذليل عقبات وشنّ حروب كثيرة، لكي نصل أخيرا الى جوهرنا الحرّ، الأنقى. ولكن، ما الحياة إن لم تكن توقاً الى هذا الجوهر، أي الى هذا اللحم الحيّ؟ هي من دونه محض تمثيل بتمثيل. أنا أريد أن اعيش حياتي، لا أن أمثّلها.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *