الرئيسية / مقالات / يحيا «الأوتوكيو»

يحيا «الأوتوكيو»


*بروين حبيب

في الهامش الضوئي الفاصل تماما بين أشعة الميديا المنتفشة، وظلال الميك آب ومونتاجات الأسطح الصقيلة من ناحية.. والوقار المبالغ لهدأة رفوف المكتبات ومساقط ضوء قاعات القراءة الشحيحة وتثاؤبات الفلاسفة بين الصفحات من ناحية أخرى. . أقف أمام الكاميرا ..مضاءة مرآتي تنقل صورتي بشكل طنان، أجمل بكثير من الواقع….هكذا تقدمني الصورة الفوتوغرافية أو الكاميرا التلفزيونية *فوتوجينيك أو تلجينيك في برواز ما ، أو في ذلك الصندوق العجيب…دمية للأوتوكيو!

في ظل التشيؤ والاستهلاك الذي تتعرض له رمزية المرأة في شتى القنوات الفضائية العربية والتي لا تبقي غالبا، من كينونتها إلا تلك الصورة الفاقعة للجمال الأنثوي، ثرثرة، حركة شفاه، ولا يهم ما الكلمات، فالعين أبلغ من الأذن في التقاط الصور المثيرة للخيال الدفين..
*فتيات الأوتوكيو ..حوريات عربيات حطم الأوتوكيو آخر ما تبقى من فرق بينهن وبين الرجل في القدرة علی الكلام..فالأوتوكيو هو الصفحة الضوئية التي تثبت أسفل الشاشة، ومنها يقرأ الجميع نساء ورجالا، ويظن المشاهد المستلقي في أريكته وأوهامه، انه يقول كل ما يقوله، يخبر ويدلي ويتفلسف من رأسه.. لكن الحقيقة أن الأوتوكيو هو الذي يتكلم…. ما الشخص الذي ملأ الشاشة بعلمه ومعرفته ورخامة صوته سوی دمية تتكلم..إنها دمية الأوتوكيو، ناقلة كلمات المعد حرفيا بحرف..بما في ذلك الأخطاء اللغوية… ومع أن الأوتوكيو، وهو مفردة حداثية بامتياز، وثمرة من ثمراتها، ليس حكرا علی النساء المذيعات ونجمات البرامج الخفيفة والثقيلة وما بينهما، كما نلاحظ، إلا أنه صديق المرأة، أكثر، ومنصفها.. فلم يعد هناك أحد أحسن من أحد، أو أبلغ منه، فالجنسان بليغان في القول والتعبير، والجميع بليغ. حتی الركاكة في عامياتها المنتشرة علی المحطات التلفزيونية المتكاثرة كفطر الغابة، بليغة.
قد يظهر من كلامي أنني ضد هذا الجنس الملون الذي يسمونه الجنس التلفزيوني اللطيف..والواقع أنني أدافع عن ظلاله وأعماقه وإنسانيته الدفينة وراء الصور. ولو تركت نفسي علی سجيتها، فسيخطر لي أن أسأل وأترك السؤال يجيب: هل حضور المرأة في التلفزيون مكافیء لوجودها ومكانتها في المجتمع العربي الجديد أم هو حضور مشوه، ويعكس خللا أو تمييزا ما علی وجه العموم ؟ أطرح السؤال، وأتركه في رصيد من سألني في واحدة من المناسبات إن كان حضور المرأة في الشاشة التلفزيونية العربية يساوي حضور الرجل. والواقع أن مثل هذا السؤال يبدو لي نافلا في ظل انعدام المساواة بين الجنسين، وهيمنة السياسة الذكورية علی المجتمع.
وهو ما يستدعي تقليب السؤال وإعادة طرحه علی نحو مختلف، فعن أي حضور للمرأة
نتحدث؟ وهل يمكن اعتبار تلك الميوعة في صورة مذيعة المنوعات وذلك الإفراط في حضورها الخفيف علی مدار الساعة في برامج تافهة القيمة، حضورا..!؟
إن عالم الصورة يتقدم.. وكما قال أحد الفلاسفة في مكان ما: إننا نعيش ملحمة العين !..وكم تغيرت ثقافة التقاط الصورة وقراءة ما وراءها كما تغيرت مفاهيم النجومية وارتياد الضوء.. 
لا أريد أن أتورط في تحليل اجتماعي فكري لفكرة التلفزيون، فقد فعل من هم أكثر كفاءة مني، مثقفون ومفكرون عرب وأوروبيون، ربما كان من بين أبرعهم المفكر الفرنسي رولان بارت. ولا حاجة بنا لاستعراض الأسماء للإشارة إلی عمل الفكر في حقل تحليل سيميائيات الصورة، والصورة التلفزيونية. مؤخرا، رأيت للمرة الثالثة فيلما رائعا أنتج قبل سنوات عن رحلة صورة تشي غيفارا كشخصية ورمز ودلالات تاريخية وسياسية وفكرية عالمية، وعن قدرة صورة واحدة علی اختزال مضمونات وقيم عالمية وتفجيرها كطاقة معبرة عن الشعور ومولدة للشعور..
صورة مارلين مونرو، صورة مايكل جاكسون، وقبلها صورة ألفيس بريسلي. صورة ابن
لادن، وفي محيط إقليمي صورة محمد الدرة، أو صورة حسن نصرالله. صحيح أن الصور من صناعة الشارع أو الواقعية، لكن انتقال الصور وانتشارها، صناعة تلفزيونية بامتياز، فالتلفزيون هو الصورة.
هل يوجد رهان حقيقي علی تصحيح الصورة، أو الصور، صورة المرأة في الإعلام المرئي العربي، وفي التلفزيون علی وجه الخصوص .. وقد كسر الانترنت وحدانية الصورة الفضائية..فأصبحت هناك منابر عديدة تتكاثر من خلال شبكات التواصل الاجتماعي..
إذن هل يمكن الرهان علی شيء مختلف؟ ربما يكون الجواب رهين سؤال آخر، يتعلق بالقائمين علی الصناعية التلفزيونية ونجومها، وأجنداتهم الخاصة ومواصفات السوق وشروط المعلن، وسلسلة من الشروط والاعتبارات التي تتحكم بالصورة التلفزيونية..
بل بالسؤال الفكري عما يعنيه التلفزيون للمجتمعات العربية الحالية؟
أطرح هذه الأسئلة، وأتركها معلقة في فضاء النقاش حول التلفزيون والمجتمع، لأن هناك بطبيعة الحال قوی وإرادات وتيارات سلطوية حديثة أكبر منا جميعا هي التي تحدد وظيفة الشاشة التلفزيونية ومن خلالها شكل الصورة ووظيفتها.
________
٭ شاعرة وإعلامية بحرينية/ القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *