الرئيسية / إضاءات / رسائل أنطونيو غرامشي إلى أمه خيط بين الحياة والسجن

رسائل أنطونيو غرامشي إلى أمه خيط بين الحياة والسجن


*ممدوح فراج النابي

لا يختلف أحد على القيمة الفكرية التي يمثّلها المفكر الإيطالي الشّيوعي أنطونيو غرامشي (1891 ـ 1937)، في الحقل المعرفي وعلى الأخصّ الفلسفي، لكن الشّيء الذي يغيب عن الكثيرين أن هذه القيمة الأدبية أنتجت ما أنتجت مِن ثمار الفكر المُخْتَلِفَة وهي مُقيّدة في سجون الديكتاتورية الفاشيّة الإيطالية (قضّى من عمره 11 عاماً فيها) التي جاءت كتاباته في معظمها كتحريض مباشر أو غير مباشر للتحرُّر من الديكتاتوريين فقدّم مانفستو للمثقفين ليتمثَّلوا روح المثقف العضوي الذي يتجاوز دوره حدود ذاته إلى الآخرين، مُنْخَرطًا في الشَّأْن العام، وهي الأفكار التي جاءت مُسْتَقَاة مِن أفكار ماركس ومكيافيلي، رغم ما يبدو للعيان أن السّجان انتصرَ على الكلمة، فبعد صيحات الاحتجاج العالمية أُطلق سراحه، لكن ما لبث أن وافته المنية بعد خروجه بقليل، إلا أن ما خلّده من آثار ينفي هذا الزعم، رحلت الفاشية وتوارت وبقيت كتابات غرامشي شاهدًا عليها، بل وتدينها وتفضحها، كما أن موته بعد خروجه من السجن لأكبر دليل على بطشها.

صراع أبدي
ويبدو أن رهان غرامشي كان خاسرًا فعلى مرّ التاريخ قديمه وحديثه، ظلت دائرة المثقف / السُّلْطة في صراعها الأبدي، رغم أن الرَّجل قدَّم خارطة الطريق التي تجعل مِن المُثقف العضوي ليس لعبة في يد السُّلطة تعبث بها وقتما تشاء، العجيب أن غرامشي في فترة سجنه إلى جانب كتاباته المهمة في الحقول الفلسفيَّة المتعدِّدة، أبدع نوعًا آخر من الكتابات كان بمثابة الوسيلة التي اخترق بها حدود السجن الذي قبع فيه للأسف لمواقفه النضالية ضد الديكتاتورية، فقدم «رسائل السجن: رسائل أنطونيو غرامشي إلى أمه 1926- 1934» وقد صدرت نسختها الأولى في عام 1947، في ستة مجلدات تحوي 32 دفترًا، وها هي تصدر في طبعتها العربية بترجمة الدكتور سعيد بوكرمي عن دار طوى 2014، والجزء الأول الذي خصصه المفكر لأمه، هو جزء من مجموعة رسائل متفرقة صدرت من قبل وذاعت شهرتها.
رسائل السجن
مجموع الرسائل التي يحويها الجزء الأول حوالي سبع وثلاثين رسالة، تبدأ الرسائل في 20 نوفمبر 1926، وتنتهي في 8 مارس 1934، أقصرها الرسالة المؤرخة بـ 25 يوليو 1932. تبدأ جميع الرسائل بصيغة أليفة ومحببة تعكس حالة الافتقاد التي كان يعانيها المفكر داخل سجنه، وإن كانت الرسائل تظهر عكس ما كان يدّعي من «رباطة جأش» و«قدرة وتحمُّل»، فتنوّعت الصيغة ما بين أمي الحبيبة، أو أمي الغالية وأحيانا أمي العزيزة، وتتكرَّر نفس الصيغة داخل الرِّسالة الواحدة أكثر من مرّة، بالإضافة إلى توزيعه للقبلات الحارَّة لها، ولجميع مَن في البيت. أما الأم فيقول لها: «وأنتِ أقبّلك بحرارة» أو «أقبّلك بحنان» أو «ألف قبلة حنونة»، «لكِ منى أحرّ القبلات»، أو حتى «أعانقك». كما يأتي توقيعه للرسائل بـ «نينو» في معظم الرسائل وإن كان في القليل منها يأتي بتوقيع «أنطونيو».
يحضر المُرسل إليه الأم في الخطابات عبر صيغة الخطاب التي تعود إليها في جميع الرسائل، وأيضا عبر حضور رسائلها التي لا تحضر نصيًا بقدر ما يحضر أثرها المعنوي، وهو ما يعبّر عنه المؤلف بقوله «لقد استلمت رسائلك»، أو بانزعاجه عندما تتأخّر رسائلها، فيتوجه إليها باستفساره عن عدم وصول رسائلها، أو باستحضار صورتها في صيغة الخطاب المباشر كقوله «أعدك أني سأكتبُ لكِ على الأقل مرة خلال ثلاثة أسابيع وبمزاج جيد» ، أو بلفت انتباهها إلى شيءٍ مهمٍّ كأنّها ماثلة أمامه على نحو قوله: «بالمناسبة هل وصلتكِ صورة جميلة لدليو؟ من المفترض أن يكون قد أرسلوها لكِ. إذا وصلتكِ أتمنى أن تخبريني بانطباعاتكِ حولها». في كثير من الرسائل يسعى غرامشي لبعث رسائل الطمأنة إلى أمه عن أحواله كأن يذكر لها «أنا بحالة جيدة قدر المستطاع، لديّ عنبر… لديّ مرآة حيث أنظر إلى نفسي. ويصلني من المطعم وَجْبتان في اليوم. لديّ آلة وضعت رهن إشارتي لتسخين الأكل وإعداد القهوة». ومرة أخرى يقول: «حياتي تتدفق دائمًا بنفس الطريقة. أقرأ، آكل وأنام وأفكر»، وفي بعض الأحيان يتسرَّب بعض من قلقه لها كقوله «لا يمكنني الكتابة بالكثافة التي أتوقعها، أكتب رسائلي بطريقة غير منتظمة، أو من قبيل «لم أتلقَّ أي خبر عن جوليا والأطفال». أو من قبيل لكني متأكّد جيدًا أنني سأدان والرب وحده يعلم بكم سنه». أو ينقل لها قلقه مما يحدث في الخارج «منذ مدة طويلة لم أتوصل بأخبار عن جوليا، بالتحديد منذ ثلاثة أشهر لا أعلم عنها نبأ وكذلك الأطفال»، ثم بثه بعض حالة القلق والتغيرات التي لحقت به «في الآونة الأخيرة تخليت عن قراءة الجرائد».
المثقف العضوي
تنشغل الرَّسائل بالسؤال عن العائلة والزوجة والأولاد، وفي بعضها الآخر تنشغل بالاستفاضة عن أموره داخل السجن وحياته وكيف يجبر نفسه على التكيّف مع هذا الواقع، فينقل لها وقائع محاكماته، والسجون التي تردّد عليها كسجن ريجينا كولي وأوستيكا، ثم تورينو. وقد تتجاوز تساؤلاتها / تساؤلاته أحوال العائلة إلى السؤال عن الشأن العام، وهو ما يؤكد الدور الحقيقي للمثقف العضوي الذي دعا إليه، وتمثَّله جيدًا حتى وهو مُحاصر في زنزاناته، فيحرص على الاهتمام بالآخر وحثَّه على أن يكونَ مُندمجًا داخل تروس الحياة رافضًا العنف، كما يتابع ما يحدث من خلافات حدودية بين القرى، وكذلك إنشاء المساكن الجديدة للفقراء، وجمع الضرائب فتتوالى تساؤلاته: «إلى أين ستصرف وهل ستفرض ضريبة موحَّدة؟ وهل الضرائب التي سيدفعها ملاك غيلارزا الذين يملكون أراض في البلديات جميعها ستصرف على القرى الصغيرة أم ستستخدم لتلميع غيلارزا؟»، وتساؤلاته التي تعكس مدى اهتمامه بالطبقات الفقيرة على نحو «هل انتهت الأشغال مِن المشفى؟ وهل شُيدت منازل شعبيّة أخرى في كاريدو؟ هل يتحدون، كما أظن؟ أو يطلب من أمه في رسائلها أن تحكي «عن التوحيد بين غيلارزا وأبسانتا، دون أن يلجأ سكان أبسانتا إلى حمل السلاح؟»، وعندما يعلم بأمر انتشار الملاريا يتوجه بنصائحه «إنه من واجب المسؤولين أن يشيدوا قنوات الصرف كما فعل سابقوهم عندما بنوا القناطر». ومرة أخرى يتخذ من رسائله حوارًا مفتوحًا مع أمه ليناقشها فيما يحدث في الخارج قائلاً: «تكتبين لي أنهم سوف يضمون إلى غيلارزا ثماني بلديات أخرى، ولكن المدارس، على سبيل المثال، كيف سينظمونها؟ هل سيتركون في كل بلدية مدارسها الابتدائية أم أنّ أطفال نوربيلو ودوميسنوفاس سيضطرون للمجيء كل يوم إلى غيلارزا ونفس الشيء بالنسبة إلى الأقسام الابتدائية؟» وهذه المسؤولية عن الآخر تكشف الدور الذي يتسق مع وظيفة المثقف العضوي الفاعل والمتفاعل بما حوله، الذي دعا إليه في كتاباته. كما تكشف الرسائل عن فلسفته الحياتية والتي تأتي في صورة نصائح لأمه كأن يقول لها في معرض حديثه عن تصميمها على الحياة «وكلما تقنا للعيش، ازداد شغفنا بالحياة وطموحنا لتحقيق الأهداف المرجوّة، وازدادت مقاومتنا لكل العاهات والأمراض» ومنها أيضًا «أحيانًا يجب أن يتسبب الأبناء بأحزان كثيرة لأمهاتهم، إذا أرادوا المحافظة على شرف وكرامة الرجال».
الخيال والصور
يتخذُ غرامشي من الكتابة / الرَّسائل وسيلة «للتخفيف والطمأنة»، حتى أنه يطلب من أمه أن تحثَّ الجميع على الكتابة إليه ففي «كل رسالة تصلني (على حد قوله) تمنحني عزاءً كبيرا وبهجة عظيمة»، وقد يرى في «السجن وسيلة للمواجهة وليس وسيلة للترفيه» لذا يُصرِّح «لن أترك حياتي كلها تتعفن في السجن»، فبدأ كتابة دفاتر السجن التي وصل عددها حوالي 32 دفترًا والتي يعتبرها «بؤرة حياتي الداخلية». وفي رسائله لأمه يسعى لترميم ما غاب عنه بالخيال والصور (التي ترسل له)، فيتخيّل طول ابنه وحجمه بفعل الزمن ويتخيّل الأم وقد «صار لديها القليل من الشّعر الأبيض، وقسمات وجهها تبدو قوية». كما يوجد ثمة بوح لحالة من الافتقاد تعتريه لزوجته وطفليه رغم حالة التماسك التي يبثَّها في كثير مِن الرَّسائل عن قوته وقدرته على التحمُّل حتى أنه يقارن بما حدث له أثناء تظاهراته والآن وهو ما أكسبه قوة كافية على حدّ زعمه فقد كان من الممكن أن يقتل وها هو الآن حيّ على قيد الحياة وهذا بالفعل مكسبٌ لا يحصى فيقول «بين الفينة والأخرى يهزني الحنين إلى جوليا وإلى ابنيّ».
ومع حالة المعاناة التي يشعر بها إزاء المضايقة العمدية أثناء نومه بأمرهم الحارس «بفتح وإغلاق باب الزنزانة محدثاً ضوضاء مُتعمدة» إلا أنه في بعض الرسائل، يرفض العطف أو التعاطف أو حتى المواساة، كما تشعر في بعض الرسائل بحزنه «كنت مقاتلاً لم تتح له فرصة النِّضال المباشر والمقاتلون لا يمكن ولا يجب أن يكونوا محط شفقة من أي كان، عندما حاربوا لم يجبروا على ذلك ولكن لأنهم أرادوا أنفسهم». كما تشعر بأن ثمة حالة من الرضا لما يحدث أو سيحدث فهو يرى أنه سيُدان في هذه القضية لسبب بسيط وهو ليس مُتَعلِقًا بالضمير وإنما لأن التهمة تستند في الأساس «إلى تقرير للشرطة وتقديرات غامضة وغير دقيقة»، وإزاء هذا يخبر أمه بقدرته على المواجهة وأنه لا يمكنه الانهزام واليأس، كما يحذرها من «ألا تصدق العبث الذي تنشره الجرائد عنه»، لهذا يأتي إلحاحه على توصيف حالته بتكرار «أنا بخير، حياتي تمر بطريقة متشابهة (أقرأ وآكل وأنام وأفكِّرُ)» كنوعٍ من المقاومة التي مع الأسف انهارت بعد خروجه من السجن بالموت.
________
*العرب

شاهد أيضاً

في مديح الضجيج

*محمد إسماعيل زاهر ارتبط الضجيج دائماً بالإزعاج وبالأصوات الزاعقة، ومدافع الحرب وهدير آلات المدن الصناعية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *