الرئيسية / قراءات / آذر نفيسي تبوح بما سكتت عنه في سيرتها الأولى

آذر نفيسي تبوح بما سكتت عنه في سيرتها الأولى



*صادق الطائي

ولدت آذر نفيسي عام 1955 في طهران، وهي أكاديمية وكاتبة إيرانية استقرت في الولايات المتحدة الأميركية منذ سنة 1997 حيث هاجرت من إيران، وهي تعمل أستاذة زائرة ومحاضرة في “جامعة جون هوبكنز”، وقد تعرف القارئ العربي على نفيسي من خلال ترجمة كتابها الأول “أن تقرأ لوليتا في طهران: سيرة في كتاب” وقد ترجمته إلى العربية الشاعرة العراقية ريم قيس كبة ونشرته دار الجمل سنة 2009.

أرسلت آذر نفيسي للدراسة إلى لانكستر بأنكلترا في سن الثالثة عشرة. ثم سافرت إلى الولايات المتحدة الأميركية لتكمل دراستها الجامعية حيث نالت شهادة الدكتوراه في الأدب الأنكليزي من “جامعة أوكلاهوما”، وقد كانت في تلك الفترة من حياتها قريبة من التيارات اليسارية التي كانت منتشرة بين الطلبة الإيرانيين في الجامعة وعادت إلى إيران سنة 1979، حيث درّست لمدة قصيرة الأدب الأنكليزي في “جامعة طهران”، ثم لم يُسمح لها بالتدريس في الجامعة ذاتها لأنها رفضت ارتداء الحجاب الإسلامي الإلزامي عام 1981. ومن ثم شرعت تدرّس في “جامعة آزادي الإسلامية المفتوحة” و”جامعة العلامة الطباطبائي” الأدب الأنكليزي قبل هجرتها إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1997.
سيرة ثانية
نشرت آذر نفيسي سيرة ثانية بعنوان “أشياء كنت ساكتة عنها: مذكرات” (2008) والتي صدرت ترجمتها العربية عن دار “الجمل” سنة 2014 ، وقام بترجمتها علي عبدالأمير صالح، وتروي نفيسي في كتابها الثاني سيرة عائلتها، إذ أنها تنحدر من عائلة عريقة من ناحية الأب والأم “آل نفيسي” ينتهي نسبها بالعالم والفيلسوف ابن النفيس، لذا كثيرا ما كان رجال العائلة يمتهنون مهنة الطب مثل جدّها لأبيها عبدالمهدي نفيسي، وهي ابنة أحمد نفيسي، محافظ سابق لطهران في فترة الستينات من القرن العشرين، وكان أصغر رجل ينتخب لهذا المنصب من قبل نظام الشاه في ذلك الوقت، ووالدتها نزهت نفيسي، وهي واحدة من بين أوائل النساء اللواتي دخلن “البرلمان الإيراني” خلال حكم شاه إيران.
تناول عدد من المتابعين لأعمال آذر نفيسي السيرة الثانية لها، وقد ذُكر في أكثر من مكان أنها تبوح في الجزء الثاني من مذكراتها بما سكتت عنه في الجزء الأول من كتابها بسبب خوفها من القمع، وهنا يجب أن نبيّن أن هذا الأمر غير صحيح بالمرة لأن الكتابين كتبا في الولايات المتحدة وهي تملك مطلق الحرية في الكتابة، إلا أن الجزء الأول كُتب ووالداها على قيد الحياة، وأن أمها كانت ترفض “نشر غسيلنا على الملإ” كما عبرت عنه نفيسي بعد ذلك، كما أن الأب أحمد نفيسي كان قد نشر مذكراته في أواخر التسعينات، وتصفها آذر نفيسي بأنها نسخة مشذبة عن المخطوطة الأصلية للمذكرات التي احتفظت بها. وقد احتوت على الكثير من الأسرار الشخصية للأب مثل علاقته النسائية والتي نصحه بعض الأصدقاء بحذفها عندما أصدر مذكراته وهذا ما كان.
وقائع الطفولة
نستطيع أن نصف سيرة نفيسي في هذين الكتابين بأنها سيرة معكوسة تاريخيا إذا جاز التعبير، إذ تناولت في الجزء الأول “أن تقرأ لوليتا في طهران” سيرتها بعد الثورة الإسلامية في إيران 1979 عبر سرد قصتها بعد الثورة، بعد استقالتها من التعليم في جامعة إيران بسبب الضغوط التي مورست عليها، قامـت بجمع عدد من طالباتها، لمدة سنتين، في منزلها كي تجعلهن يكتشفن روائع الأدب الغربي، حلقة من الفتيات، نجد أن بعضهن يأتين من عائلات محافظة ومتدينة وبعضهن من عائلات “تقدمية” وعلمانية. تجربة فريدة سمحت لهن بأن يقرأن جملة من الأعمال، من بينها لوليتا لنابوكوف، لكن ما حصل خلال هذه القراءة، أن جميعهن بدأن بالتساؤل حول الوضع الذي أنتجته الثورة ليدخلن في طرح قضية الخيال وتأثيره على الحرية.
أما في كتابها الثاني فإن آذر نفيسي تسرد وقائع طفولتها وسيرة عائلتها من بدايات القرن العشرين حتى السبعينات، وأن الثيمة المسيطرة على سرد السيرة هي تضفير الشأن الخاص بالهم العام للبلد، وبالتالي فهي تقدّم صورة بلد عبر سرد سيرة عائلية إذ تقول: “لا أقصد أن يكون هذا الكتاب تعليقا سياسيا أو اجتماعيا، أو قصة حياة نافعة. أودّ أن أحكي قصة أسرة تتكشف إزاء خلفية عهد مضطرب من تاريخ إيران السياسي والثقافي”. من هنا ينبع الكتاب بالدرجة الأولى من ذاكرتها الشخصية.
كما نستطيع أن نقرأ التوتر الظاهر في علاقة مثلثة بين الأب والأم وابنتهما، إذ أن علاقتها بأمها دائما ما كانت متوترة بينما كانت علاقتها بالأب تتسم بنوع من الاتفاق السري مما أنتج علاقة خاصة بينهما، فهي تقول “في أحيان كثيرة كانت أمي تقول إنني عاندتها من لحظة ولادتي. في الظاهر أنني في لحظة الولادة تحديدا سعلتُ وأخرجتُ الدم من حنجرتي واستسلمتُ للموت. كانت تودّ أن تروي قصة كيف أنني خلال طفولتي رفضتُ أن أرضع، وفيما بعد رفضتُ أن آكل، ولم أستسلم إلا تحت تهديد إبر الأطباء”. أما علاقتها بأبيها فإنها تصفها بالقول “كوّنا أنا ووالدي لغة سرية. اختلقنا قصصا كي نفشي مشاعرنا واحتياجاتنا، وبنينا عالمنا الخاص بنا. في بعض الأحيان كانت القصص التي اخترعناها دنيوية جدا. كلما فعلت شيئا ما لم يكن يوافق عليه، يفصح عن عدم موافقته بشكل قصصي، فيقول، على سبيل المثال: “كان هنالك رجل أحب ابنته حبا جما، لكنه شعر بأذى شديد حينما وعدته بألا تتخاصم مع المربية.. في هذا العالم السري لم يكن لأمي دور فيه. بتلك الطريقة انتقمنا من أعمالها الاستبدادية. وسأتعلّم بمرور الزمن أنه بوسعي دوما أن أجد ملاذا في عالمي المتخيَّل”، وهكذا تسيح آذر نفيسي في عالم الخيال لتصل إلى واقع البلد الذي أحبته وأرادت أن تصفه عبر المرور بحياتها العائلية في سيرتها الثانية “أشياء كنتُ ساكتة عنها”.
_______
*العرب

شاهد أيضاً

رواية “المبعوث” تنقل سخرية لاسعة ذكية ليابان اليوم

خاص- ثقافات *مراجعة: اندرو هنجيت/ ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو تأخذ رواية “المبعوث” الساخرة الذكية والبائسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *