الرئيسية / إضاءات / سعدي المالح قبل رحيله : العربية كانت خياري الوحيد في ظل نظام شمولي ولغتي الأم هي السريانية

سعدي المالح قبل رحيله : العربية كانت خياري الوحيد في ظل نظام شمولي ولغتي الأم هي السريانية


حاوره : صفاء ذياب

 على الرغم من الرحلات الكثيرة التي قام بها الدكتور سعدي المالح على مدى 28 عاماً بين عدة دولٍ إجباراً واختياراً، إلا أن مدينة عنكاوا بقيت حاضرة في مخيلته، ثقافة وفولكلوراً وخيالاً، كتب عنها أكثر من قصة، واصدر كتباً، وأخيراً أصدر روايته «عمكا» التي تدور في فلك هذه المدينة.
المالح الذي رحل عن عالمنا يوم الجمعة الماضية (تولد عنكاوا 1951)، أنجز أكثر 25 كتاباً في القصة والرواية والدراسات الفكرية والأقليات العراقية، فضلاً عن ترجماته من اللغة الروسية والإنكليزية والفرنسية والكردية. أحب اللغة العربية وكتب فيها، على الرغم من أنه يقول إنه أجبر عليها في بداية الأمر لأن السلطات الحاكمة لم تكن لتسمح للسريان بالكتابة بهذه اللغة، ومع هذا بقي محافظاً على لغته الأم، فأنتج فيما بعد بعض المقالات والدراسات التي نشرت في المجلات والصحف السريانية.
كان هذا الحوار قد أجري معه قبل مدة قصيرة من رحيله في أربيل:

* روسيا، اوزبكستان، لبنان، ليبيا، الإمارات العربية، كندا، دول تنقلت وعشت فيها لأكثر من 28 عاماً.. كيف يمكن أن نفهم تأثير المكان والاغتراب في نصوصك؟ وإلى أي مدى غيَّر التنقُّل من لغة سعدي المالح؟ 

* المكان فضاء أساسي في أعمالي السردية، تظهر تمثلاته واضحة في كل عمل لي تقريباً، وأحياناً تجده مهيمنا على النص فيحوله إلى نص مكاني. المركز البؤري لهذا المكان هو عنكاوا، مسقط رأسي، كما في روايتي «عَمْكا» التي صدرت مؤخراً، لكن ثمة فضاءات أخرى من الأمكنة التي ذكرتها وعشت فيها مغترباً تجسدت في بعض أعمالي. وهذا أمر طبيعي بالنسبة للأعمال التي كتبت في هذه الأمكنة أو عنها. ذلك أن المكان الروائي ليس كتلة جامدة صامتة، بل هو ثقافة وحضارة وفن علاقات اجتماعية وعاطفية، وهو بالأساس بناء لغوي، يشيده خيال الروائي، والطابع اللفظي فيه يجعله يتضمن كل المشاعر والتصورات التي تستطيع اللغة التعبير عنها. على سبيل المثال احتلت بيروت الغربية في بداية الثمانينيات بأحيائها صبرا وشاتيلا، الفاكهاني، الجامعة العربية، أبو شاكر، الحمرا، رأس بيروت وغيرها، ومن خلالها، العلاقات الحياتية بين الفلسطينيين واللبنانيين والمتضامنين العرب الذين عاشوا معهم، وأجواء والموت والمعاناة، كل الفضاء المكاني في روايتي الوثائقية «يوميات بيروت» المنشورة بالروسية في الآداب الأجنبية في موسكو عام 1984، لأن أحداث هذه الرواية وشخوصها يتحركون ضمن هذا الفضاء. بينما تختار قصة «فتاة على كرة» و»الفأر» موسكو مكاناً أليفاً وفضاءً متفاعلاً مع الحدث. أنا شخصياً أتأثر بالمكان كثيراً وأجسده بدقة لكن على نحو فني ومتوائم ومتوافق مع عناصر السرد الأخرى.
مكانياً تتوزع أحداث روايتي «في انتظار فرج الله القهار» على رُقَع مكانية متباعدة لكنها موحدة ومتجانسة في المتن السردي، وتنتقل من العراق بشماله وجنوبه ووسطه إلى موسكو ويالطا وطشقند ومونتريال وبيروت وأبو ظبي. هذه كلها تأثيرات الأماكن التي عشت فيها في اغترابي وتمظهراتها في سردي الروائي والقصصي.

* منذ مجموعتك الأولى (الظل الآخر لإنسان آخر) وصولاً إلى (حكايات من عنكاوا) وأنت مرتبط بالموروث والذاكرة التي أثثت حياتك. ما المؤثرات التي أسست لنصك القصصي، وكيف استغللت الذاكرة في هذه النصوص؟

* أجزم أنك تقصد الذاكرة الإبداعية للكاتب وليس الذاكرة التقليدية، لأن لكل إنسان مخزنا واسعا من الذكريات القديمة التي يعود اليها أحيانا. أما الذاكرة الإبداعية للكاتب فتختلف، لأنها أولاً ذاكرة طويلة المدى، تختزن الخبرات الدائمة التي اكتـسبها خلال فترات حياته استناداً إلى خلفيته الثقافية والعملية ورؤيته المستقبلية، وهذا مرتبط شئت أم أبيت، بكل خزين الموروث الشعبي والميثولوجي والحكائي والحياتي، هذه الذاكرة تتفتق على كل هذا الخزين مع عملية الإبداع. وثانياً إن الكاتب يُخْضِع خزين معلوماته في الذاكرة إلى تصنيف واستدعاء من جهة، ويعمل على تحويله من خزين معلوماتي ثقافي إلى ذاكرة إبداعية من جهة أخرى. انطلاقاً من هذا أعمل على إعادة انتاج مخزون ذاكرتي الشخصية، والذاكرة الجمعية للسريان، بكل ما فيها من موروث تاريخي وديني وثقافي وميثولوجي وحكائي في أعمالي السردية، وهو موروث حضاري غزير ومهم ليس فقط للسريان الذين يعدّون من أصلاء العراقيين، وإنما لكل العراقيين بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية. هذا الموروث قلما تناوله الأدباء العراقيون، بمن فيهم السريان، في نتاجاتهم السردية الإبداعية. وهذا نقص كبير في المسيرة الإبداعية للأدب العراقي.
* هل يمكن أن نقول إنك تتميز من بين الأدباء السريان بتناولك للموروث الحضاري؟
* ربما أتميز عن الكثير من الأدباء السريان الذين كتبوا أو يكتبون بالعربية، ولا سيما الجيل الذي سبقني. لأن معظم أبناء الجيل الماضي لم يهتموا بهذا الجانب لأسباب مختلفة، بعضها سياسية وبعضها قومية وأخرى لمجرد نقص في المعلومات. على سبيل المثال لا تجد أثراً لهذا الموروث في نتاجات يوسف متي وإدمون صبري ويوسف الصائغ ويوسف يعقوب حداد وحازم مراد وبهنام وديع أوغسطين وإنعام كجه جي ما عدا البعض القليل في نتاجات المعاصرين كهيثم بردى وليلى قصراني وصموئيل شمعون. أنا أعمل على توظيف هذا الموروث الحضاري إبداعياً وأبني عليه في تصوراتي المستقبلية لمصير هذا الشعب.
* الرواية كانت عالماً مهماً في سرديات سعدي المالح. ما البناء الروائي الذي ميّز أعمالك؟ وهل تجد نفسك في القصة أم في الرواية؟ 
* النقد المعاصر، ولا سيما في الغرب، يجد صعوبة، في الوقت الحاصر، في تجنيس الأعمال السردية وتأطيرها بمسميات محددة مثلما كان يفعل في القرون الماضية، لا سيما أن معظم الأجناس الأدبية بدأت بالظهور ابتداءً من القرنين السابع عشر والثامن عشر. وأن النظريات السائدة حول قواعد وشروط كتابة الحكاية أو القصة أو الرواية أو المسرحية أو غيرها من الأجناس الأدبية تغيرت خلال هذه الفترات الزمنية المختلفة بتغيير نمط التفكير وبالتالي أسلوب الحياة. هناك الآن تداخل بين العمل الروائي والقصصي والحكائي واللغة الشعرية والحوار المسرحي والموسيقى والفنون التشكيلية والبصرية المختلفة.
فضلا عن ذلك لا يخلو الأدب العالمي من أجناس أدبية شهيرة غير ملتزمة بالنظريات السائدة التي تفرض على الأجناس الأدبية قواعد محددة وصارمة، مثلاً؛ ليس في «الألياذة» لهوميروس شخصيات بالمعنى الروائي أو الملحمي المعاصر المتعارف عليه، مثلما ليس في «الكوميديا الإلهية» لدانتي حبكة روائية ولا تسلسل أحداث تربطها علاقة سببية. والبناء الفني في «داغستان بلدي» لرسول حمزاتوف ليس بناء روائياً ولا لغتها هي لغة روائية. إن التغيير في أساليب القص أو السرد هو انعكاس للتغييرات في الطرق التي يفكر بها البشر او يرون بها العالم، وهذه هي ميزة الإبداع الأدبي دائماً.
شخصياً، لا يعجبني الالتزام بنظريات فنية محددة أو ببناء روائي أو قصصي مشخّص، أنا كاتب مغامر إلى أقصى حدود المغامرة الابداعية، أميل إلى التجريب، وعنيد في فرض تصوري الفني. لو لاحظت منذ بدايات وعيي الكتابي، لا سيما بعد مغادرتي العراق، لا أسمي «القصص» التي أكتبها «قصصاً» وإنما حكايات، لأن فيها عدم التزام أو خرق لمبادئ كتابة القصة المتعارف عليها. فضلاً عن ذلك جربت كتابة نوع من السرد أسميته السرد الوثائقي أو التسجيلي، وهو جنس أدبي يعد عملاً تجريبياً نادراً في الأدب العربي، وتدخل روايتاي «أبطال قلعة الشقيف» و» يوميات بيروت» ضمن هذا الإطار.
روايتي الأخرى «في انتظار فرج الله القهار» هي أقرب إلى نص مفتوح تجعل من الموسيقى الكلاسيكية ضابط إيقاع للسرد، تتحرك فيها الأحداث في زمن غير محدد وتتنقل الشخصيات عبر أزمان وأماكن متباعدة ومختلفة، بناؤها الفني يخرج كثيراً عن النسق الروائي المعتاد. أما روايتي الجديدة «عَمْكا» فهي نص سردي يتداخل فيها السرد السيرمكاني مع الحدث اليومي والنص الديني والميثولوجي وقصص الناس وحكاياتهم والبحث التاريخي والجغرافي واللغوي حتى أن البعض لا يصنفها ضمن جنس الرواية، لكن برأيي أن رواية ما بعد الحداثة، Metafiction، تتحمل كل هذا التداخل الأجناسي. أسعى في عملي السردي إلى هدم البناء التقليدي للعمل الروائي وإعادة خلق بناء جديد أكثر حرية وانفتاحاً على الحياة ومواءمة لروح العصر.
البناء الروائي التقليدي المتعارف عليه ليس قالباً مُنزّلاً لا يجوز تغييره، فقد تبلور الشكل الفني للرواية مع تطور الدولة البورجوازية في أوروبا، وها هو اليوم يتهدم أو يتغير أو يتخذ أشكالا أخرى مع قيام أنماط أخرى من العلاقات الدولية والاقتصادية والسياسية والمعرفية، في ظل ما نسميه اليوم العولمة.

* كان للترجمة حيز كبير في نتاجك الإبداعي، فاشتغلت في الترجمة عن الروسية والانكليزية إلى العربية، وغيرها من اللغات. إلى أي مدى أثرت الترجمة في لغتك وأسلوبك في القصة والرواية؟

* إن للترجمة عن الروسية إلى العربية أثناء تواجدي في الاتحاد السوفييتي السابق وعملي مترجماً محترفاً للنصوص الأدبية أثراً في تشذيب لغتي العربية وصقلها، ولا سيما كنت، في تلك السنوات، ما أزال شاباً، من خلال اكتشاف مفردات جديدة واستعمالات جديدة غير مستخدمة بالعربية فضلاً عن تعرفي على الأساليب الفنية لكبار الكتاب الروس والسوفييت الذين ترجمت لهم. بشكل عام للأدب الروسي تأثير على بداياتي، وقد استفدت أيضا من دراستي في معهد غوركي للأدب الذي يعد بمثابة مختبر الكتابة الإبداعية وهو من المعاهد المتميزة والنادرة في العالم، درس فيه عدد من كبار الأدباء العرب أمثال الشاعر السوداني جيلي عبد الرحمن والروائي الليبي إبراهيم الكوني والعراقيين الشاعر حسب الشيخ جعفر والروائي برهان الخطيب.
فيما بعد اكتسبت خبرة وأصبح لي أسلوبي ولغتي الخاصان ولم تعد الترجمة تؤثر في نتاجي. أنا الآن نسيج نفسي. 

* على الرغم من لغتيك السريانية والكردية ولغات أخرى تجيدها، إلا أنك اخترت العربية كلغة لنتاجك الأدبي. ما الذي أضافته لك هذه اللغات، وبماذا أثَّرت في نصّك السردي؟

* في الحقيقة لم أختر العربية بملء إرادتي، فقد فرضت نفسها علي فرضا، نتيجة الظروف التي عاشها السريان الكلدان الآشوريون في العراق، وربما فرضت على غيري من أبناء الأقليات على نحو مقارب. لغتي الأم هي السريانية، تكلمت بها منذ طفولتي وما أزال، في البيت وفي مجتمعي السرياني، أما في محيطي الكوردي فغالبا ما أتكلم بالكوردية، مثلما أتكلم بلغات أخرى كالروسية والانكليزية والفرنسية مع أبنائها. لكنني أكتب بالعربية لأنني تعلمتها في المدرسة ابتداء من الصف الأول الابتدائي. وكانت دراستي في جميع المراحل الأخرى باللغة العربية، ثم عملت في الصحافة باللغة العربية وتخصصت فيما بعد بالأدب العربي. هذا الواقع ليس غريبا عليّ، لأننا نحن السريان، حُرِمنا من التعلم بلغتنا القومية عقودا طويلة، وكذلك لم يسمح لنا بإصدار الجرائد والمجلات والكتب بالسريانية على الرغم من أننا كنا من أوائل الذين أنشأوا المدارس ودور العلم في العراق. أول صحيفة سريانية صدرت في المنطقة (زهريرا د بهرا- أشعة النور) سبقت الصحافة العربية في العراق بعشرين سنة. وأول مجلة صدرت في العراق (إكليل الورود) كانت باللغة السريانية.
بمرور الزمن أحببت اللغة العربية وأجدتها ولم أفكر بالكتابة الإبداعية بغيرها، ما عدا بعض المقالات والدراسات بالإنكليزية والروسية. ومن السهل عليّ، في كثير من الأحيان، عندما افكر بالسريانية أن أترجم ما أفكر به ذهنيا إلى العربية وأكتبه. وينبغي أن نعرف أن اللغتين العربية والسريانية من عائلة لغوية واحدة، وثمة الآلاف من جذور الافعال الثلاثية مشتركة بين هاتين اللغتين، فضلا عن 90% من القواعد اللغوية، وآلاف أخرى من المفردات والأسماء. بالطبع، اللغة السريانية أقدم من العربية بكثير، تسبقها على الأقل بألف سنة، ولهذا نجد تأثيرات ومفردات وصيغ قواعدية وأسلوبية كثيرة من اللغة السريانية في اللغة العربية- الفصيحة والمحكية- لا سيما في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، كما ويشير اللغويون إلى وجود أفعال ومفردات سريانية حتى في القرآن الكريم.
على هذا الأساس فأن اللغة العربية هي أقرب اللغات إلي، وإلى السريان عموما، ولذلك اهتم السريان والموارنة (وهم سريان أيضا) بالعربية اهتماما كبيرا، وعلى أيديهم كانت نهضتها في العصر الحديث. من أبرز هؤلاء الأب أنستاس ماري الكرملي (من أم كلدانية عراقية وأب ماروني لبناني) ولويس شيخو (بالأصل كلداني من ماردين) ولويس معلوف (ماروني لبناني) وغيرهم.
على العموم معرفة اللغات المحلية والأجنبية ثراء لغوي وثقافي ومعرفي يضيف كثيرا على ثروة الكاتب اللغوية من حيث المفردات أو استخدامها، وقد استفدت شخصيا من اللغات التي أجيدها.

* كان للثقافة السريانية دور مهم في الفكر العراقي القديم، إلا أنها لم تحضر بشكل واضح في الثقافة العراقية الحديثة، خصوصاً على مستوى الترجمة من اللغة السريانية إلى العربية. كيف نفهم هذه العزلة التي اختارتها هذه الثقافة؟ ولماذا؟

* هذا صحيح، لأن الثقافة السريانية هي امتداد طبيعي للثقافة السومرية والأكدية (البابلية – الأشورية) والآرامية الوثنية نظرا لما تركته حضارة العراق القديم من تأثير مباشر وبصمات على هذه الثقافة في مجالات اللغة والأدب والموسيقى والعلوم والرسم والميثولوجيا والطقوس وبقية صنوف المعرفة.
لقد تركت لنا الثقافة السريانية إلى جانب الأدب الكنسي والمزامير وتفاسير الكتاب المقدس وسير الشهداء والقديسين والتراتيل والمراثي والصلوات الفرضية لمدار السنة أدبا دنيويا كالملاحم والشعر الغنائي والسير وكتب التاريخ واللغة والعلوم المختلفة، والمئات من الشواهد المعمارية الجميلة التي لا تُضاهى بزخرفتها وفسيفسائها، وكمّ غزير من الألحان التي دخلت الكثير منها إلى ثقافات شعوب المنطقة، والآلاف من المخطوطات إن كانت بالسريانية أو الكرشونية (العربية المكتوبة بالابجدية السريانية) أو العربية.
عاشت الثقافة السريانية في القرون المسيحية الأولى وحتى القرن السابع عصرها الذهبي ولم تتمكن «الثقافة العربية الإسلامية» التي دخلت العراق آنذاك من النيل منها فظلت السريانية تقاوم لقرون، لأنها كانت ثقافة متأصلة في المجتمع من جهة ومدونة على الألواح الحجرية والرق والبردي والورق من جهة أخرى، وتمكنت هذه الثقافة أن تستميل إليها القادمين الجدد وتؤثر فيهم وفي الثقافة التي أنتجوها فيما بعد. التراجع الكبير كان بعد حملات المغول والتتر الذين ارتكبوا مجازر فظيعة بحق المسيحيين فتقوقعت هذه الثقافة في الأديرة والكنائس وصوامع رجال الدين. إلا أن أواسط القرن التاسع عشر شهدت نهضة ثقافية قومية تمكنت أن تعيد الروح إليها وتُزيح عنها عباءتها الكنسية وتدخلها الحياة العامة من جديد.
ومن رواد الثقافة السريانية في القرنين التاسع عشر والعشرين نذكر أفرام برصوم ونعوم فائق وتوما أودو وبنيامين أرسانيس وفريد نزها ويوسف قليثا وأوجين منا وبطرس نصري ويوسف إقليمس داود وجرجس قندلا وجرجس عبد يشوع خياط وادي شير ويوسف داود زبوني ونعمة الله دنو واسحق ارملة ويعقوب ساكا ويوحنا دولباني وبولس بهنام وفولوس كبرييل وعشرات غيرهم.
وفي تلك العقود ظهرت مطابع سريانية عديدة في العراق منها مطبعة الآباء الدومنيكان عام 1858 والمطبعة الكلدانية عام 1863 ومطبعة النجم لسليمان الصائغ في 1923، ومطبعة بنيامين أرسانيس في العشرينيات من القرن العشرين والمطبعة الآثورية ليوسف قليثا في الثلاثينيات منه. وقد أصدرت تلك المطابع كتبا ومجلات بالسريانية والعربية والتركية والفرنسية أسهمت إلى حد كبير في تعريف القارئ العراقي بالثقافة السريانية.
لكن هذه الثقافة عانت في النصف الثاني من القرن العشرين إهمالا كبيرا وإجحافا ومحاربة من لدن جميع الحكومات التي توالت على العراق، فاصابها الكثير من الجمود وانزوت من جديد في الكنائس والاديرة مرغمة، ولجأ أبرز ممثليها إلى خدمة الثقافات العربية والكردية والفارسية والتركية وغيرها من ثقافات المنطقة وأصبحوا روادا للنهضة الفكرية والثقافية والفنية والأدبية في المشرق منذ أواخر القرن السابع عشر. وقد أسهموا إسهاما كبيرا وفاعلا في نشأة المسرح والموسيقى والقصة والشعر والنقد والصحافة والترجمة واللغات والبلدانيات وأدب الرحلات وغيرها من المجالات الثقافية، بل وكانوا أول من أدخل العديد من الأجناس الأدبية والفنية والثقافية كالقصة والنقد والمسرحية وعدد من الآلات الموسيقية والطباعة والصحافة والمدارس العصرية إلى العراق الحديث. وظهر بينهم مبدعون كبار في معظم صنوف المعارف والعلوم يشار لهم اليوم بالبنان.
في السنوات الأخيرة أخذت المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في إقليم كوردستان العراق وبعض دور النشر على عاتقها مهمة التعريف بالأدب السرياني باللغتين العربية والكوردية وإقامة حلقات دراسية وامسيات شعرية وندوات ومؤتمرات، وترجمة كتب وطباعتها. لكن كل هذا لا يشكل إلا جزءا يسيرا مما ينبغي ترجمته أو طباعته أو التعريف به.
على العموم هناك نقص كبير في هذا المجال بين ثقافات المكونات العراقية كافة وخاصة الثقافتين السائدتين العربية والكوردية، إذ يكاد مثقفو الشعبين لا يعرفون نتاجات بعضهم البعض إلا لماما. 

* بعد عشرات الكتب القصصية والروائية والبحثية، ما الجديد الذي ستقدمه في المستقبل؟

* الجديد هو روايتي «عمكا» التي صدرت قبل أيام عن دار ضفاف للنشر في بيروت، وأنتظر رأي النقاد والقراء فيها. وكتاب بالإنكليزية عن «التراث الثقافي للاقليات في العراق» الذي سيصدر قريبا عن إحدى دور النشر في روما بإيطاليا.


– القدس العربي

شاهد أيضاً

مترجمون مصريون يقترحون حلولاً لمشكلات الترجمة من الروسية وإليها

*القاهرة: حمدي عابدين دعا مترجمون مصريون إلى البحث عن حلول لمشكلات ترجمة الأدب والثقافة الروسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *