الرئيسية / مقالات / فروق ليست طفيفة

فروق ليست طفيفة


*بسمة النسور
صدمة حضاريه حقيقية أصابتني، عندما أكدت لي الصديقة الإسبانية، في أثناء تجوالنا في المتحف المدريدي العريق، أن المشهد الذي أراه حياً أمام عيني مألوف وعادي جداً، وسوف يتكرر كثيراً في أروقة المتحف وأجنحته الباذخة. وهذا ما حدث فعلاً في تجوال دام ساعات أربع من تذوق خلاصة الفن والإبداع والجمال المتجذر في عمق التاريخ، متضمنا أعمال عمالقة الفن وعظماء البشرية، أمثال بيكاسو وجويا ورينوار وفان كوخ ودالي وشاجال وغيرهم الكثيرين، في واحد من أكبر متاحف إسبانيا وأكثرها عراقة. وأصرت الصديقة على أن الأمر لا يستحق كل ذلك الانفعال والتأثر الذي ظهر علي، وسألتني ببراءة: ألا يتم الأمر في بلادكم على هذا النحو كذلك؟ ما صعّد من إحساسي بالغيرة والحسرة.
وكانت الصديقة الإسبانية قد استجابت لطلبي تخليد لحظة الصدمة التي نويت مشاركة الأصدقاء فيها، فالتقطت بكاميراتها صورة لمجموعة من الصغار، لعلهم في الصف الخامس الابتدائي ليس أكثر، يفترشون الأرض، ويستمعون إلى شرح معلم الفن الذي اصطحبهم في رحلة مدرسية إلى المتحف، وانخرط في شرح دقيق لتفاصيل إحدى لوحات سلفادور دالي، مثالاً على المذهب السوريالي!
ما أثار غيرتي حقاً أن الصغار الذين تحمسوا لفكرة التقاط صورة لهم، من امرأة غريبة في أثناء الدرس، تابعوا إنصاتهم، وتفاعلهم الحيوي مع المعلم.
في تلك اللحظة، مرت قربنا سيده تجر عربة لرضيع.
شرحت لي رفيقتي أنهم يفعلون ذلك متعمدين، يعتاد الطفل على رائحة المتاحف وأجوائها الهادئة الصارمة، في سياق التدريب على الجمال، كما بينت أن أطفال إسبانيا يتعرضون، منذ وقت مبكر جداً، إلى أشكال الفنون كافة، من موسيقى كلاسيكية ومسرح وسينما، يتلقون هذه العلوم بشكل إلزامي في المرحلة الابتدائية، لتتشكل، فيما بعد، ذائقة الفرد الشخصية المستقلة، ولكن، المنطلقة من ذلك الإرث الفني العظيم. ولا أظن أن الحال يختلف في أي من دول أوروبا، القارة التي يكاد المرء ينكر تاريخها الدموي غير البعيد، حين يتأمل في مفردات الحضارة والثقافة والفن والجمال، المرمية في جنبات الشوارع.
تذكرت حصة الفن في مدارسنا، حيث كنا جميعا نحصل، وبقدرة قادر على تقدير جيد جداً، وكنا جميعا نرسم صورة رديئة واحدة ليس لها بديل، لبيت أوروبي قديم، ذي سقف قرميدي، تحيطه أشجار باسقة، ويمر من جنبه جدول ماء وشمس مشرقة، نلصقها في زاوية الصفحة من دفتر الرسم (أبو خمسة قروش)، وهكذا كانت تمر السنة الدراسية تلو السنة، من دون أن يتلقى الطالب منا أي معلومة فنية تذكر، ومن دون أي رعاية حقيقية لذوي المواهب الخام الذين كانوا يثيرون غيظنا، لمهارتهم في الخروج عن النمط. بطبيعة الحال، ومن المؤكد أن الحال اختلف كثيراً، أو هكذا نتأمل، غير أنه لم يصل بعد، كما أجزم إلى مرحلة إلزام الأطفال، في مراحل تعليمهم المبكر، على التعرض للمعرفة الفنية.
وسوف يمر وقت طويل، على ما يبدو، قبل أن يقف الناس في بلادنا طوابير، يدفعون رسم دخول من أجل زيارة معرض ما، لأن التدرب على الإحساس بالجمال ليس أمراً يسيراً، ويتطلب، إضافةً إلى التراكم المعرفي والحضاري، خطة نهوض حقيقية.
وعلى الرغم من كل تلك المعطيات غير الوردية، فإن الأمل سوف يظل معقوداً على الغد، لأن القادم ينبغي أن يكون أجمل دائما، هكذا، نحب أن نصدق، على الرغم من كل هذا السواد!.
_______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *