الرئيسية / وقتٌ لاختراع العالم لـ” شَلْ أسبْماركْ”

وقتٌ لاختراع العالم لـ” شَلْ أسبْماركْ”


*تقديم وترجمة – جاسم محمد*

أستاذ جامعي وباحث، وهو عضو الأكاديمية السويدية التي تمنح جائزة نوبل للأدب، وهو الروائي أيضاً، لكن شِعره يبقى الأهم رغم قوله تواضعاً بأن الشعر شخبطات على حاشية التاريخ. أعني هنا الشاعر السويدي شَلْ أَسبْماركْ الذي بدأت الأضواء الأدبية العالمية تزحف نحوه، أخيراً.

في سابقة قلما يحصل مثيلها في عالم الشعر سيصدر ديوانه القادم (فضاء داخلي) في خريف هذا العام بعدّة لغات منها الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والعربية تزامناً مع صدوره باللغة السويدية.
ملفت للانتباه أن البساطة سِمة لقصيدته، إذ تبدو كأنها قطرة حبر صغيرة على صفحة شاسعة، لكنها في ذات الوقت ثقب في جدار الزمن، يمنحُ الأمواتَ حياةً أخرى والأحياءَ موطناً في ذاكرة أكبر وأشمل. إنها بقعة تفضي إلى التاريخ الإنساني، هي توقفٌ في عصر متسارع قلما يمنحُ المرءَ فرصةً للإحساس بالزمن.
وكزميله الشاعر توماس ترانسترومر يؤمن أسبمارك أيضاً بأن القصيدة لا تنتهي بعد أن تترك طاولة الشاعر بل تبدأ رحلةً أخرى عبر القارئ. إن نمَّ هذا عن شي فإنما ينم عن إيمان الشاعر بعلاقة متكافئة مع القارئ:
«نصف الرسالة يكتبه المرسَلُ إليه./ وأنت الذي تنتظر سطوري لهفة/ تعرف ما لا أعرف عني لقربه مني…»
وما لم يقله أو ما لم تسمح له فسحة الشعر بقوله في 13 مجموعة شعرية التي استهلها بـ (مقتل بَنجامين) عام 1956، قاله في رواياته العشر، بالأخص في سباعيته الروائية (زمن النسيان) التي ألَّفها في الفترة ما بين نهاية عقد الثمانينات ونهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي، والتي تُعتبر من أكثر الأعمال السويدية عتمة وصرامة في تناولها المجتمع السويدي. بلغتنا صدرت له مختارات شعرية عن دار نون الإماراتية بعنوان (الضرورة الوحيدة)، تتضمن قصائد من أغلب مجموعاته.
هذه قصائد من مجموعته القادمة، تُنشَرُ هنا لأول مرة.
ضبابٌ كما في فجر الزمان
وفوق الخليج نَصٌ زمهريرٌ يرحل
تموجاً إثر تموج.
وذاك الذي يبدو كأنه مالك الحزين
يجرّبُ جناحيه ويعلو. هكذا يوفي بالوعد
بأوراق في التيجان.
أنهضُ ببطء
مِن الرجلِ المنهارِ على المسطبة.
لقد حان وقتُ اختراع العالم.
◆◆◆
كما آن تسلقتَ ذات جمعة خارجاً
من حوضِ المسبحِ مستعيناً بركبتين وغدتين
واختبرتَ البلاط بقدمكَ
وسخريةٌ على ما تبقى من شفتيكَ،
تجرجرُ الآن خطاك خارجاً من البحر الأمِّ
وتسير حذِراً بين صخور الشاطئ
سمكةً منقرضةً تستنشقُ الهواء مذهولةً
وتتمددُ في الكفين والقدمين.
بوسعكَ الآن أن تساهمَ في محاولةٍ جديدةٍ
لتحقيقِ الخِطّةِ الكبيرةِ
فرأسُك مليءٌ بالذكريات
من كل ما لم يحدث بعد.
◆◆◆
ها أنا ثانية في (لاوكوس).
أقف على عتبة باب الأرض،
شقُّ متواري خلف جميمٍ شائك.
آثارُ قدميَّ على الطريق إلى هنا
باقيةٌ في الرمل!
لكنني أرى هذه المرَّة شيئاً آخرَ
غير نقطةِ بدءِ حياةٍ ثانيةٍ.
يقال إن مملكةَ الغربِ تبدأُ من هنا.
البحرُ شمسٌ مبهِرةٌ
يخفي السفنَ الماخرة عباب القرون.
الظلام المتدفق من بوّابة هاديس
يُجْبِرُ الفلسفةَ على الخروج الى النور.
والهوة التي ستطيحُ (سافو) بنفسها منها
تغوي الدُّوَارَ في قصيدتها.
◆◆◆
ذاكرة عائلتي تُخفي في طياتها سيماءَ الأسطورة.
في الذاكرة إياها تقف زوجةٌ على ساحل المضيق
وبيدها رسالة عفوٍ من الملِكِ.
القدمان أدماهما ترحالٌ حافٍ
من (استوكهولم) حتى (رُود أَون) شمالاً.
حُبُّها يعتقدُ أنه أنقذ الزوجَ
من قطع الرقبة
ومن تعليقه أمام الملأ أشلاء
بيد أن القوارب لم تكن في ضفتها –
إذ عبر الجميع إلى الجانب الآخر كي يروا
ما يؤول إليه حالُ ذاك
الذي مجَّدَ الملكَ الخاسر.
لذا ليس لها سوى أن تقف في هذا الجانب من الماء
والبعيدُ يرى رأسَ الزوجِ يسقط.
إنها تبدو للتاريخ صورةً مُحَسَّنةً
كي تتأكدَ الأكواخُ الكالحةُ هنا واليافعون المسلولون
من عجز الحبِّ
ولتترسخَ لغةُ الأحناكِ المطبقةِ.
◆◆◆
أبحثُ عن دليل منذ ثلاثةِ قرونٍ.
ثمة زوجةٌ لا تزالُ تصرخُ في كوخِ التخميرِ،
وحدَها مع النار.
البابُ مقفلٌ بمزلاجٍ سقط لسانُه بالكلاّب عمدا أو سهوا؟
الفلاحُ مالكُ الأرضِ، وشعاعُ النار باقٍ في لحيته،
أُطلقَ سراحَهُ.
لكن التهمةَ باقيةٌ.
وكأنني مُدّعٍ عام مهووس
أبحث في الأعوام الأخيرة
عن الحفيد الذي يختبئُ فيه الفلاحُ.
أنتظرُ زَلَّةً واحدة منك
تُثْبِتُ إدانته.
◆◆◆
في بيتٍ ملحقٍ على مرتفعات (ليستاروم)
يقف (يعقوب رُوس) وينحت بإزميل
ومطرقةٍ أسداً بابلياً.
براعتهُ تعبر جيلين
وتصلُني، أنا الذي ينحت نَصَّهُ.
القبةُ السماوية من مرمر (كومستاد)
لا تزال تحتفظ بآثارِ عُدَّتهِ.
أغنية الشحرور نحتٌ ملموسٌ
وحولَها تتموجُ أوراق أشجار
من حجر.
◆◆◆
نجوبُ غاباتِ البتولا
على امتداد ما سمّوه وادي الماء
كي نجدَ مرتفعا مناسبا لقريتنا،
ولا تزال في خطواتِنا
خطواتُنا الأولى عبر السفانا.
◆◆◆
فكَّرت مليئا بالمُذنَّب الكبير
الذي مكث طويلا في سماء العام الماضي.
أهو الذي أخذ معه (مَريث) الصغيرة؟
لا أحسب ذا عقابا.
فلم أفعل شيئاً أندمُ عليه.
كنت أقرأُ كلَ مساء في الكتاب البُنيِّ
الذي في طياته تكمن كل معارف الإنسان.
كنت أُؤدي واجبي بتربية أحفادي
الذين لم يولدوا بعد
والذين سيكملون الطريق
في المعهد العالي الحقيقي للحياة.
إذ حين أنفصلُ عن جسد الفلاح يوما ما
وأحلِّق فوق هضاب (هوتاغ)
لا يُثقِلُ تقصيرٌ ولا خطايا.
لا أخافُ إلّا من عجز يوم الحساب
أن يسمي نفسه عدالة.
◆◆◆
صُرِّحَ لي أن أداهم المنزل
فركلتُ بابَ البيت
حيث والداي منشغلان منذ ثمانين عاماً
بشجارٍ حول النقود.
أريد أن أعرف بأي حق
يعطلون قوانين الطبيعة
ويحيلون الثِقَةَ مَزحةً مُرّةً
إنهما يتشاجران كآلهة الأولمب
بالبشر سلاحاً.
لكن الوالدين يحدقان ذهولاً
بابنهم الذي شاخَ غفلةً
والذي الآن يقف وتصريحُ المداهمة يرتجف في يده.
لكنهما ينهمكان ثانية في الشجار،
دون أن يريا كيف تُحَطِّمُ الكلماتُ المشحوذةُ
الآن بضعةَ حيوات بشرية.
◆◆◆
أكنتُ أنا أصغرَ أولادِ فلاح بلا أرض
ونُذِرتُ لدراسة اللاهوت كي أصبح قسيسا؟
أشعرُ أنني خَذلتُ والدي ومعتقداته.
ربما كنت سأصبحُ طبيبُ أسنان.
يذكرني الأبدي أنني كانت لي بضعة أعوام ألمانِيَّة
آلت إلى إعجابٍ بمملكة هتلر،
الأبديُّ الذي هو عقابي:
تلك التمتمة الجائعة القادمة من أكواخ المخيَّم.
يبدو أن أطفالي قد تخلّوا عني.
وهناك ثمة زوجتان كرجعٍ باهتٍ،
واحدةٌ بكاءٌ وتضحيات،
والأخرى سُخريةٌ وكي ملابس.
الذكرى الحقيقية الوحيدة التي أعتني بها
مساءٌ على هضابٍ صامتة
بعطر الشمعاء ومستنقعات فريز السحاب.
وفوقي يَمُرُّ طائرُ الغواص صامتاً.
◆◆◆
دعنا نتمعن بصورة مبكرةٍ.
الشعاع في الغرفة المقابلة للبحيرة كثيفٌ
حدَّ أنه يُضيءُ أحشاءَ الصِبْيَةِ.
الطفلُ، الذي كان ذلك اليوم عيدُ ميلاده، خفيٌ_
ليس بوسع العين أن ترى إطارَها.
الشاحنةُ التي نُجِرَت لأجْلِ عيد الميلاد الرابع،
كبيرةٌ، سوداءُ كالقدر،
بوسعها أن تحمل كلَ من يتجرَّأ السفرَ على ظهرها
قاصداً مستقبلاً مجهولاً.
هنا ما سيحدث سيحدث بعد برهة.
كلُ التفاصيلِ تُدوَّنُ!
بصمات الأصابع على مِقبَض الباب
ستظهرها بعناية فُرْشاةُ البصماتِ.
◆◆◆
أعتقد أن قدومي إلى الحياة لم يكن مرحبا به،
زواجٌ مؤقتٌ في الواقع.
كل ما أتذكره ضربات المِعوَلِ خوفاً –
من أن أُجْبرَ على إيذاء أولادي،
أولئك الذين سيعيدون لي اعتباري.
أطعمتهم حدَّ الشبع احتقارَ ذاتي
لكنني رغم هذا دفعتهم الى أعمال ذات شأن.
ليت أعينهم لم تصبح
شظايا نافذةَ البَصَرِ
من نفس الحجر الرصاصي – الأسود
الذي هو أنا!
هنا أيضاً ليس مُرَحَّبا بي،
في هذا البلد المجبول من صمتٍ وظلالٍ مرتبكة.
محاولاتي أن أنفصل عن الإرث الحجري
كي أتواصل مع أولادي بدفءٍ،
تخيفُ المقيمين سواي في البرد هنا.
◆◆◆
ما الذي جعلَ السماءَ فوق (سترومسونْد)
ذاتَ يومٍ من ربيع عام 1934
تتشققُ فجأةً
ومنها تنفصل كتلةٌ زرقاءٌ كالثلج
وتسقط فُتاتاً على السقوف؟
مبهمٌ أيضا هو اسمي الذي كان مدعاةً لتلاسن والديَّ،
بيد أن النتيجةَ التي آلا إليها
غيرُ صالحةٍ خارج البلد.
رغم ذلك اتفقا على وجهٍ
يجذبُ إليهِ سوء الفهم _
إذ في عامي الثامن
حُكِمَ عليَّ بسجن مؤجلٍ.
والطفولة التي طيشاًَ أجبروني عليها
تُفَتِّقُ شقوقا في حياتي اللاحقة.
◆◆◆
حين سمعتُ أن دستويفسكي أُطلِقَ عليه الرصاصُ،
موتٌ وهميٌ برعب حقيقيٍّ،
تذكرت حالةً مماثلة.
حين خرَجَت والدتي ملتاعةً
كي ترمي بنفسها من على أقرب جسرٍ.
تهديدُها كان وهمياً،
بيد أن ذعري كان حقيقياً.
◆◆◆
نَصَبْنا خيامَنا عند البحيرة الجبلية، أبي وأنا
السماءُ بيضاء، وليس هناك من يعينها على كتابة نصٍّ.
كل ما يطرق السمعَ ليس سوى بعوض مرتبك،
وطقطقة وحسيس النار
حين يشوي والدي سمك السلَمون مغلفا بالورق.
الصمتُ في الهضاب
يضمُ اليه أعوامنا الصامتَة وفراقها –
أعوام يَعتقدُ أنها بلا شأن.
غياب اللغة يطلق العنان ليديه –
مجتهداً كي يجد كلماتٍ تُصلِحُ
ما تَعَذَّر إصلاحه.
نحن عتمةٌ في الليلة البيضاء هذه
كأننا صورةٌ سالبةٌ.
على شفتيه ما يشبه ابتسامةٌ حين يقدم إليَّ القهوةَ.
بيد أن عينيه بزرقتهما الباهتةِ ينمان عن عجزٍ.
____________
◆شاعر عربي سويدي/الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *