الرئيسية / قراءات / أمين الزاوي في شارع إبليس ينتقد الثورات العربية وكافة المسلّمات

أمين الزاوي في شارع إبليس ينتقد الثورات العربية وكافة المسلّمات


*

“أيتها الطهارة إنك موجعة نازفة”..

نحن في آخر عام سيلتحق لا شك بجحافل الأعوام التي سبقته والتي ستأتي بعده، مشكلة محيط الأزمان المندفع صوب المجهول. لا مشاعر ولا طعم إلا طعم الخسارة والخذلان، طعم الغدر والزيف الذي يجود به زمن الانحطاط الكاسر على الأرض العربيّة.
لا شيء غير هذا الارتطام العدمي الكبير بجدار التاريخ والزمن، وهما الأكثر مرارة وعقاباً خاصة حين يعيش الإنسان في هكذا برهة، لا تتكشف خباياها إلا عن كل ما هو قبيح ومتضع ولا إنساني..
ونفاجأ، أو لم نعدْ نفاجأ، حين يجرف هذا الطوفان الانحطاطي بشراً، كنت تظن بهم غير ذلك، كنت تعلق عليهم قشة الأمل الأخيرة..
رواية الجزائري أمين الزاوي “شارع إبليس” تندرج في هذا السياق الارتطامي، الذي لا يساوم ولا يلّطف ولا يستطرد فيما لا طائل له، إنه يأخذ قارئه على نحو صاعق ومباشر، مباشرة الفن الأساسي الذي يحرق صانعه من فرط صدقه ويحرق تاريخه المتخثر، لمقاربة الحقيقة المغيبّة دوماً، خلف حُجب المسلّمات والقيم التي أضحت ثابتة في وعي المنظومات والأفراد، وان قُوربت فعلى خَفر ومواربة وترميز معظمه يسبح في الغموض، اللامقنع ابداعاً وتاريخاً..
أمين الزاوي ينقض على تلك القيم والتصوّرات التي شكلت منظومات الوعي العربي المعاصر، من جزائره إلى مشرقه، وفي يده معول النقض والتهشيم.. لم يعد شتم الاستعمار بديلاً مجدياّ، على ما ألحقه من خراب، عن مساءلة الداخل، مساءلة كيانية تصل الى مشارف “الخيانة” بمعناها الخلاّق.
مساءلة “الثورات”، الوقائع والمفاهيم، انطلاقاً من الثورة الجزائريّة التي ينزع عنها الزاوي، كل تلك الهالة المقدسّة، حتى دمشق وبيروت المسرح الواقعي والمتخيّل لهذه الرواية الفريدة.. حتى الثورة الفلسطينية والايرانية، ومجمل النسيج الاجتماعي الذي يشكل المرحلة الحاضرة.
ولكي يقول الزاوي، كل تلك الأشياء المصنوعة من الجحيم والمفارقة المأساوية، كان عليه أن يهضم أدوات تعبير وتجريب استقاها من أكثر من مصدر، لتشكّل لُحمته الخاصة التي يستطيع من خلالها أن يسجل هذه الشهادة، ليس بالمعنى الوثائقي بالطبع، وإنما بأدوات الفن وسحره الآسر.
شخصيات تظهر وتختفي، بعضها لصفحات قليلة لكنها ضمن النسيج العام للرواية تترك أثراً في نفس القارئ، تترك جراحاً. وهي في غمرة عبورها السريع تضيء مسرح الأحداث، كما الأحلام الثوريّة والثقافية والعاطفية، أحلام الطفولة والعمر الهارب. أحلام ذلك الجيل أو الأجيال التي ضحّت وشقت أيما شقاء وتضحية لتجد نفسها آخر المطاف في أرض مضروبة بزلزال الفساد والقذارة، يسومها النخاسة والانتهازيون الجهلة “الرخاص” بالدارجة الجزائريّة.
رغم كل ذلك الضوء الكاشف الذي من فرط كثافته يبلبل البصر والبصيرة، الذي يسلطه الروائي الجزائري على ما آلت إليه أمور الراهن العربي ومن زوايا ونوافذ متعددة تستدرج دوماً نحو القعر الأقصى للدمار الإنساني، يمضي قارئ “شارع ابليس” في الرواية بمتعة جماليّة عالية، كل العناصر موظفة في سياقها المقنع فنياً، كل شيء له مكانه وسط هذه الفوضى والانهيار الشاملين.
_____
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *