الرئيسية / إضاءات / جدل الانفتاح الفكري في تاريخ المسلمين

جدل الانفتاح الفكري في تاريخ المسلمين


*مشتاق بن موسى اللواتي

 ظهوراتجاه وسطي  سمح  بفتح الباب لإمكانية الإفادة من معطيات المنطق والحكمة سواء في مناهج الإستنباط الفقهي أو في مناهج الرد على الشبهات العقدية ومنافحة التيارات الفكرية التشكيكية في المعتقدات الدينية للمسلمين. وذلك في ضوء المرجعيات الإسلامية بحسب الاجتهادات والمنظورات المتعددة. وبذلك فقد وضع حد للقطيعة التامة بين المناهج الدينية والمناهج المنطقية والفلسفية وتحقق نوع من المصالحة بينها.
ويرى بعض الدارسين لهذه التطورات الفكرية، ان موجة تأثير علوم اليونان لم تقتصر على الأصوليين والمتكلمين بل تعدتهم لتشمل أحد أشد خصوم “العلوم الدخيلة”. واذا كان قد حدث ذلك – في بعض الأدوار الفكرية – عبر المنطق الصوري بدعوى كونه منهاجا محايدا في تنظيم التفكير – كما قرر بعضهم -، فقد ظهر التقارب هذه المرة خلال بعض النظريات الفلسفية التي وقع خلاف عقدي حولها. ومن أمثلته ما تجلى في بعض آراء ابن تيمية الحراني.
فبالرغم من المواقف الشديدة التي أبداها ابن تيمية في مناهضة الفلاسفة ومرتكزاتهم ومناهجهم، لم تمنعه من الاقتراب منهم في بعض الآراء، الأمر الذي يعتبر تطورا لافتا في هذا السياق في تاريخنا الفكري. فمع استنكاره الشديد على الفكر الفلسفي اليوناني وقسوته في أحكامه على أصحابه، نجده يقترب من بعض المبادئ الفلسفية التي رفضتها اتجاهات الجمهور ورأت بانها تخالف العقيدة الصحيحة. فقد أقر بمبدأ العلية والسببية في الخلق مع بعض القيود مخالفا في ذلك اتجاهات الجمهور التي تذهب الى أن الأسباب والمسببات ما هي إلا اقترانات وعوائد. وصرح بأن من جملة ما خلق الله تعالى الأسباب والمسببات. وان الله سبحانه وتعالى ربط الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما ولو شاء ان لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل. وصرح في الرد على المناطقة بأن في النار قوة تقتضي التسخين وفي الماء قوة تقتضي التبريد وفي العين قوة تقتضي الإبصار. ونقد نفاة الأسباب لأنهم يقولون ان الله يفعل عندها لا بها فهو لا يشبع بالخبز ولا يروي بالماء ولا ينبت الزرع بالماء بل يفعل عنده لا به وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة واجماع السلف.
ففي هذا النص يقرر بوضوح لا يقبل التأويل بإيمانه بقانون العلية والسببية ويصرح بالخواص التي أودعها الله تعالى في العلل و يؤكد تأثيراتها. ولا يجد في ذلك أي تعارض مع عقيدة التوحيد ولا تقليلا من فاعلية الله تعالى في الكون، كما ذهبت بعض اتجاهات الجمهور.
من ناحية أخرى، يرى بعض الباحثين ان ابن تيمية تبنى أيضا عقيدة القدم النوعي. ويقصد من القدم هنا حسب توضيحه في “الصفدية” بمعنى الشيء المتعاقب شيئا بعد شيء، أي انه مسبوق بالعدم من حيث عين الفعل والمفعول ولكنه متعاقب ومستمر فيطلق على الفعل المتعاقب والمفعول المتعاقب انه قديم أيضا، لكن من حيث النوع المتوالي وعدم سبق العدم عليه، لأن لازم ذلك ان يكون الرب معطلا ثم خلق.
ونقل عنه انه ذكر في “نقد مراتب الاجماع” ضمن رده على ابن حزم: أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على ان الله وحده خالق كل شيء فهذا حق، ولكنهم لم يتفقوا على كفر من خالف ذلك… وليس في خبر الله انه خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ايام ما ينفي وجود مخلوق قبلهما ولا ينفي انه خلقهما من مادة كانت قبلهما، كما أخبر انه خلق الانسان وخلق الجن، وانما خلق الانسان من مادة وهي الصلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار… ولما خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان العرش موجودا قبل ذلك وكان الماء موجودا قبل ذلك.
وأثار هذا الرأي جدلا بين الناقدين له والمدافعين عنه. فرأى بعضهم بأنه تبنى ما قرره الفلاسفة من ان الاشياء حادثة بالعين والجزئيات ولكنها قديمة بالنوع وسلسلة التوالدات، كما يؤكد كلامه: ولكن فرق بين حدوث الشيء المعين وحدوث الحوادث شيئا بعد شيء. أي فالاول هو الحادث بعد ان لم يكن، أما سلسلة الحوادث المتوالدة شيئا بعد شيء فهي قديمة مستمرة.
ورد المدافعون عنه بالتفريق بين إثبات قدم نوع الحوادث واثبات قدم أعيانها، وان الأول هو مقتضى اثبات الفعل والارادة والكلام لله تعالى أزلا بل هو مقتضى الحياة. وقد لوحظ الغموض والارتباك على هذه التوضيحات، ولم يقتنع بها حتى محدث السلفية الألباني. ووجه نقده عليه في “السلسلة الصحيحة” ونسب اليه محاولة اثبات حوادث لا أول لها وانه جاء بما تحار منه العقول. واضاف الألباني: بأنه – ابن تيمية – مع تصريحه بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث الى ما لا بداية له، وبتسلسل الحوادث الى ما لا نهاية وهو قول غير مقبول ومرفوض وهو شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه.
وسواء كان هذا التوافق نتيجة لانفتاح ابن تيمية على الفكر الفلسفي أم لانفتاحه على أفكار العدلية من معتزلة وإماميه أو لكلا العاملين معا أو غير ذلك من الأسباب، فانه في النهاية يدلل على انه تبنى فيها مذهبا أقرب الى الفلاسفة منهم الى الجمهور. فان اتجاهات كثير من متكلمي الأشعرية تميل الى تفسير العلاقة بين العلة والمعلول بالعادة والاقتران وتنفي أية علاقة حتمية بينهما، مؤكدة بأن الله تعالى هو المؤثر المباشر بما ينتج من التقارن المعتاد بينهما. وهكذا الحال بالنسبة لقضية القدم النوعي فقد توافق رأيه فيها – في الجملة – مع بعض اتجاهات الحكماء الذين يذهبون الى قدم الإرادة الإلهية واستمرار الفيض الإلهي.
ان السجالات الفكرية بين اتجاهات المسلمين المتنازعة في المناهج المعرفية كشفت عن وجود خطوط للالتقاء حتى مع بعض أشد المعارضين. فالكندي وافق المتكلمين في حدوث العالم وفي نفس الوقت أقر بالسببية والعلية. وابن حزم الظاهري رغم رفضه العمل بالقياس التمثيلي الأصولي في أصول الفقه معتبرا نتائجه ظنية، انفتح على علوم اليونان من فلسفة ومنطق ولم يمانع من الافادة منها وتقبل القياس المنطقي. ورجع ابن سينا في كتاب “المبدأ والمعاد” الى النص الديني وبما بسطته الشريعة الحقة المحمدية في أحوال المعاد الجسماني معترفا بعجز ادراكه بالبرهان العقلي. واعتمد الغزالي على المنطق الأرسطي في الاجتهاد الفقهي الشرعي واقترب في بعض مراحله الفكرية من الفلاسفة الفيضيين في مسائل النفس واقسام العقول. وخالف ابن رشد بعض الفلاسفة في نظرية الفيض والصدور ولكنه دافع عن حكمة اليونان وتبنى آراء أرسطو في العلية ونشأة العالم. وترددت آراء الرازي والنصير الطوسي حول نظرية الفيض وكيفية صدور الكثرة من الواحد. وابن تيمية آمن بدوام فاعلية الله سبحانه وتعالى وعدم تخلف المراد عن الإرادة وبالقدم النوعي لسلسلة الحوادث واعتقد بقاعدة العلية والسببية. وتحفظ ابن خلدون على التفلسف العقلي في العقيدة الدينية ولكنه مال الى المنهج التعليلي في بحوثه الاجتماعية والتاريخية. وكيف ما كان فان الجدال والبحث المتواصل بين مختلف الاتجاهات الفكرية قربت بين الفلاسفة والمفكرين والمتكلمين.
وفي النتيجة ان بعض كتب التراث الكلامي والفلسفي والأصولي التي أفادت من المنطق الصوري وتأثرت بالفكر الفلسفي اليوناني لا تزال تدرس أو تعتبر مراجع علمية في بعض الجامعات الدينية والحوزات العلمية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق الصوري، فرغم النقود والحملات المضادة الموجهة إليه قديما وحديثا، فانه لا يزال يدرس في بعض الجوامع العريقة والحوزات العلمية المختصة بالدراسات الاسلامية، بل لا يزال يعتمد على أقيسته في الدراسات الفقهية والفلسفية. ان الاطلاع على المناهج الأخرى والانفتاح على الفكر الآخر وان كان مدفوعا بمنطلقات أيديولوجية رافضة، فإنه قد يقود الى نتائج فكرية تسهم في المحصلة النهائية في تلاقح الأفكار وتمازجها وينتهي بالتالي تجددها وتمددها.
_____
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *