الرئيسية / إضاءات / حوار مع ألبرتو مانغويل: الرجل المكتبة وعاشق الكتب

حوار مع ألبرتو مانغويل: الرجل المكتبة وعاشق الكتب


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

ألبرتو مانغويل الكاتب الذي يوصف عادة بأنه ( الرجل – المكتبة ) أرجنتيني ولد في 1948 وأمضى معظم طفولته في بوينس آيرس ثم حصل على الجنسية الكندية عام 1985 ، و هو مؤلف الكتب الشهيرة التي تتناول المكتبة والقراءة . وقد أوقف كتاباته وأحلامه على هاتين الأيقونتين الفريدتين في عالم الفكر والأدب .و من أبرز كتبه في هذين الميدانين ( تاريخ القراءة ) 1996 ، ( المكتبة في الليل ) 2007 ، ( الأوديسا و الإلياذة هوميروس : سيرة ) 2008. ويوصف كتاب مانغويل البارع ” الإلياذة والأوديسة ” بأنه الكتاب الذي هز العالم ، فهو يتحدث عن المكانة العظيمة والأهمية الفريدة لملحمتي الإلياذة والأوديسة على مر الزمان ، بعشقه للكتاب يقاوم مانغويل عالم الاستهلاك الذي صار هو الحاكم والمحرك للحياة على كوكب الأرض وينعى انصراف الناس عن القراءة وتحولهم إلى كائنات استهلاكية تشتري وتشتري وتلهث وراء كل منتج جديد باستثناء الكتب هو الذي صرح في أحد حواراته :

” إننا بحاجة إلى نشر الكتب حتى تلك التي لا تباع ، لأنك إذا تعاملت بمنطق الاستهلاك مع الأدب، فلن يكون لدينا «هوميروس» مثلاً وهو الذي يبيع ألف نسخة في العام بينما يبيع دان براون 10 ملايين، فليس على هذا الأساس تقوّم الكُتب.”
ولم يتوقف جهد مانغويل عند عشق القراءة والمكتبات فقد كتب طرزا متباينة من الكتب ،من بينها رواياته المعروفة : العودة ، كل الرجال أفاقون ، أخبار آتية من بلاد غريبة ، ستيفنسون تحت أشجار النخيل، العاشق المميز ، ومن أغرب ما كتب مانغويل كتابه” أرض ساحرة من الألعاب ” يعرض فيه بأسلوب شيق كعادته أكثر من 500 لعبة نادرة وشهيرة في مجموعة متحف الفنون والزخرفة في باريس، و يمزج مانغويل في حكايته عن الألعاب بين الهزل والمتعة والكتابة الجادة ، أما كتابه الممتع الآخر فهو كتاب “قراءة الصور” الذي يقدم فيه قراءة باهرة تكشف عن غنى الذائقة البصرية والفنية لدى مانغويل ومدى اطلاعه على تاريخ الفنون الغربية من لوحات شهيرة ومنحوتات ، ولم يكتف ِ مانغويل بتحريضنا على حب المكتبة والقراءة بل عمد إلى كتابة كتاب بعنوان ” قراءة يوميات ” ظهر عن دار المدى 2008- دوّن فيه ملاحظاته عن قراءاته وهو أقرب إلى مفكرة شخصية تنطوي على أسرار ممتعة للقارئ المتمرس .مانغويل يلخص فيها قراءاته عبر سنة كاملة من (2002 إلى 2003) قرأ خلالها اثني عشر كتابا علق عليها وكتب ملخصات لها . وحصل الكتاب على جائزة أدبية سنة 2007، ويعتبر مانغويل المكتبة بيته الروحي وملاذه وعشقه الكبير شأنه شأن الكتاب المولعين بالكتب والمكتبات في زمن أضحى فيه ” المركز التجاري” محور الحياة المدينية كما قال مانغويل في احدى محاضراته ،بدل ان تكون المكتبة معبد الحياة ومحورها الذي يجدد الحياة ويساند أرواح البشر ويحول بينها وبين التحول إلى غول استهلاكي ، أستطيع القول إن مانغويل بأفكاره ومواقفه المنحازة للإنسان والروح ورفضه للعالم الاستهلاكي يشكل ثلاثيا إنسانيا وثقافيا فريدا مع الروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو والكاتب الأوروغوياني أدواردو غاليانو ..

أنقل في ما يأتي ترجمة لحوار قصير مع مانغويل أجراه القسم الثقافي في صحيفة (New Statesman) البريطانية المرموقة .
* إلى أي حد أنت متفائل في ما يخص مستقبل الكتاب ؟
– لا أظن أن الكتاب الورقي سيختفي يوما طالما قبلنا بتعايش التقنيات . ففكرة ان تقنية ما يجب ان تستبدل تقنية أخرى و ان تظل وحيدة في الساحة على سطح الكوكب الأرضي هو بالضبط ما لم يحصل من قبل ، فلم يتحقق هذا مع تقنيات الرسم و التصوير ، و مع الفيلم و المسرح ، ومع الفديو و الفيلم و لا أظنها ستحصل مع التقنية الرقمية و الورق المطبوع . كنت سعيدا للغاية منذ بضع سنوات خلت عندما بشر ( بيل غيتس ) بنهاية عصر الكتاب الورقي المطبوع و لكنه في النهاية نشر كتابه النبوئي في هيئة كتاب مطبوع ! وأظن ان كتابه يقول الكثير في هذه المسألة
* إذن انت لا تقرأ الكتب الإلكترونية ؟
– نعم لا أقرأها و ليس لدي ما أقوله بالضد من الوسائل الإلكترونية و لكنني ببساطة استخدم منها ما أراه اكثر فائدة لي ، بالضبط مثلما اجد السيارات مفيدة للغاية رغم إنني لا أقود سيارة .
* أية فسحة منحتها حضارة اليوم للكتاب برأيك؟
– نحن أزحنا المكتبة و استبدلناها بـ ( البنك ) الذي وضعناه في المركز من حياة مجتمعاتنا القائمة اليوم .وتكمن الإشكالية الكبرى في ان هذين المفهومين غير قابلين لتبادل الأدوار، في عصر صرنا نرى فيه ان ” القيمة ” أضحت تجارية ، فلو كنت تبغي الحصول على ربحية مالية فستخاطب نفسك ” كيف يمكن للقراءة ان تحقق ربحا ماليا ؟ ” و سيأتيك الجواب حتما ” لا يمكن للقراءة ان تحقق هذا ” ، و قد ترتب على هذه الإشكالية ان القراءة انزوت في أركان بعيدة في مجتمعاتنا ، و ترتب على هذا أيضا ان يجد القراء انفسهم معزولين عن المجتمع وهكذا نشأت مفردة ( البرج العاجي )، و ثمة فكرة أخرى ملازمة لهذه الإشكالية و هي ان الفرد القارئ لا ينخرط في الفعاليات الاجتماعية و السياسية السائدة رغم إنني أرى انه لا يفعل هذا في الغالب بسبب ان فعل القراءة لا يوفر له المال الكافي للانخراط في هكذا فعاليات .
* كتابك الأحدث ( ملاحظات قارئ عن القراءة A Reader on Reading ) يضم مقالة معنونة ( ملاحظات نحو تعريف للمكتبة المثالية ) . أية مكتبة في العالم تراها اقرب إلى ان تكون مكتبة مثالية ؟
– ثمة واحدة فحسب تبدو لي مثالية تماما وأراها تعاني خطر الاندثار و أعني بها مكتبة ( أبي ووربرك Aby Warburg ) في معهد ووربرك في لندن ، فهذه المكتبة كما أراها – تأسست كصورة لما يدور في ذهن المرء ، أقصد : طبقا لما يفكر فيه المرء و كيف ترتب الكتب حسب لموضوعاتها المشتركة و ليس طبقا لأي اعتبار آخر و ليس هناك من زوايا فيها ، لذا لا يرى فيها المرء أية انقطاعات خادعة و هو ما يبدو لي أقرب إلى ما أريد توفره في أية مكتبة مثالية ، و من المحزن ان اسمع انهم قد عهدوا بهذه المكتبة مؤخرا إلى جامعة لندن التي تسعى لتفكيكها ،و لو حصل و فعلت الجامعة هذا – حقا فسأعتبر هذا الفعل واحدا من الجرائم الكبرى في هذا العصر .
* لديك مكتبة ضخمة في منزلك بفرنسا تضم ثلاثين ألف كتاب ، أي نظام تصنيفي للكتب تعتمد في مكتبتك ؟ 
– ابتداءً أقول إن مكتبتي و بسبب كونها مكتبة شخصية فبإمكاني ان افعل بها ما أشاء ، لذا فأنا أتبع فيها تصنيفا واحدا للكتب : التصنيف القائم على أساس اللغة التي كتب بها الكتاب ،لأن هذه اللغة هي العنصر الأول الذي جمعني مع أي كتاب أقرأه حيث يمكنك ان ترى تحت كل لغة – الإنكليزية مثلا – المؤلفين موزعين حسب ترتيبهم الألفبائي ، كما يمكنك ان ترى مجاميع المقالات و الروايات و الشعر مرتبة مع بعضها ، غير أن هناك استثناءات محددة ،فهناك مجالات أجدها تمتعني بذاتها : التاريخ العام منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم ، و العصور الوسطى ، ثم تجد أيضا أقساما للكتب التي تدور حول الكتاب المقدس The Bible و القرآن والتصوف اليهودي و أسطورة ( دون خوان ) و أسطورة ( اليهودي الجوال ) و حقل الأسطوريات و رواية الجريمة و كتب الطبخ و الاهتمام بالحدائق و السفر …..
* سافرت كثيرا عندما كنت طفلا لأن أباك كان يعمل في الحقل الدبلوماسي و لا تزال تجوب الأرض حتى اليوم . هل شكلت مكتبتك دوما موضع السكينة لديك ؟
-أظن ان الكتب هي ما تدعوني إلى السكينة دوما . أذكر عندما كنت طفلا أن حجم الإرباك الذي كان يجتاحني عندما أعرف أجواء المكان الذي يفترض بي ان أمضي ليلتي فيه و تلك تجربة مؤذية للطفل في أي وقت و أي مكان ، و كانت ردة فعلي ان أهرع إلى كتبي و أعاود قراءة ذات المقطع وأغوص بذات الصور التي كنت معها قبل ان أنام ، و سرعان ما أجد نفسي مغمورا بشعور دافئ من الهدوء التام . مكتبتي هي بيتي الذي أجد فيه سكينتي الكاملة.
_______
* روائية ومترجمة من العراق/المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *