الرئيسية / مقالات / الكاتب الدوبلير

الكاتب الدوبلير


*مرزوق بشير بن مرزوق


يُعرف (الدوبلير) بأنه ذلك الشخص الذي ينوب عن الممثِّل الأصلي في الأفلام السينمائية، ويقوم بالأدوار التي تستعصي على هذا الممثِّل، أي أنها استبدال الأصيل بالمزيَّف، ولا يقتصر مفهوم الدوبلير على ممثِّلي الأفلام السينمائية، بل إن هذا المفهوم يمتدّ إلى مجالات أخرى عديدة، فهناك الدوبلير الذي يستبدل بالشخصيات العامة المهمّة مثل رؤساء الدول، أو رؤساء المؤسَّسات العالمية الكبيرة، حيث يتمّ اختيار شخص يحمل الملامح المتطابقة مع ذلك المسئول نفسها، ويتولّى جهاز خاص تدريبه على أدقّ التفاصيل لتلك الشخصية الهامة، ومن ثم يدفع به إلى الاجتماعات والمواكب العامة التي يرى أمن الدولة بأنها خطر على الشخصية الرئاسية.
هناك أيضاً الدول (الدوبلير) وهي الدول التي تتولّى مهام المفاوضات والاتفاقات بديلاً عن دولة أخرى لا تريد أن تكون في الواجهة، وتتحمَّل الدولة الدوبلير المهام الصعبة بل ونتائجها السلبية، وتتقبَّل الانتقادات الحادّة العلنية بدلاً عن تلك الدولة التي تلعب دورها، بل قد تقوم الدولة (الدوبلير) بالحروب عن الدولة الأصل، وكلنا يعلم عدد المرات التي كانت تكلِّف فيها الولايات المتحدة دولاً أخرى في المنطقة بشراء صفقات أسلحة لدولة ثالثة حتى لا تتعرَّض الدول الأميركية إلى مساءلات في الكونجرس.
وفي مجال الكتابة الإبداعية أيضاً نجد (الدوبلير) وهو الشخص الذي يكتب القصائد والروايات، والكتب العلمية، والأغاني، والمسرحيات، والمقالات الصحافية، ورسم اللوحات الفنية للأخرين.
ويبدأ دور (الدوبلير) من أيام الدراسة الأولى عندما يقوم طالب موهوب في أي مجال من مجالات الإبداع الفني بتأجير قلمة وموهبته لطالب أخر، خصوصاً في درس مادة الانشاء والتعبير، حيث يقوم الطالب (الدوبلير) بتجهيز مقال إنشائي لطالب أخر، ولا يتوقَّف الأمر هنا فقط، بل مع الأيام يتوهَّم الطالب الذي اعتمدت كتاباته على (الدوبلير) بأنه كاتب حقيقي، وبأنه كاتب موهوب، ويتضخَّم الوهم لدية لدرجة أنه يبدأ بعد ذلك بتصدير دواوين شعر كتبها له شاعر آخر، أو يقيم معرضاً فنياً رسم جميع لوحاته فنان تشكيلي (بديل)، وتبدأ وسائل الإعلام المختلفة بالترويج لهذا الكاتب المصطنع، وربما يترشَّح إلى جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية، لأعمال لم يخطّها قلمه، ولا تنتمي لأفكاره.
على مستوى الصحافة هناك رؤساء تحرير يأتون بـ(دوبلير) للكتابة عنهم، ولكي تتصدَّر مقالاتهم الصفحة الأولى على أساس أنها بقلم رئيس التحرير فلان الفلاني، وأذكر عندما سئل أحد رؤساء التحرير عن تلك الشاكلة: هل فعلاً هذا المقال بقلمك؟ فأجاب: نعم إنها بقلمي الخاص الذي استخدمه (الدوبلير) ليكتب بواسطته مقالتي.
تشبه الكتابة البديلة، الأم البديلة في وقتنا الراهن، حيث تتولّى هذه الأم حمل طفل غيرها في (رحمها) لتلده في النهاية لعائلة أخرى، طبعاً المسألة محيَّرة. هل هذا الطفل ينتمي إلى والديه اللذين استعانا بامرأة أخرى، أم هو ابن المرأة التي حملته، وعانت ما عانت من آلام على مدى فترة الحمل؟ 
وكذلك الأمر، عندما تدفع قبيلة كاملة أموالاً لشراء قصيدة شعرية، وتوقِّع عليها باسم القبيلة، والسؤال: مَن الأب الشرعي لهذه القصيدة؟
والسؤال اليوم: هل كل ما نقرؤه، ونشاهده، ونستمع إليه هو ابن شرعي لمبدعه المعلن؟ أم هو ابن (الدوبلير) الذي قبض ثمن إبداعه، واكتفى بذلك؟.
_______
*الدوحة

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *