الرئيسية / قراءات / قصة عن الحب والظلام.. رحلة إسرائيلي من بولندا إلى القدس

قصة عن الحب والظلام.. رحلة إسرائيلي من بولندا إلى القدس



*إبراهيم غرايبة

تبدو رواية عاموس عوز “قصة عن الحب والظلام” في ترجمتها العربية وكأنها كتبت بالعربية، أو أنها موجهة إلى العرب، فهي تخلو من التمجيد أو الانحياز السياسي لإسرائيل، وربما تعكس التحولات الفكرية التي مر بها عوز وما وصل إليه، ولكن هذا ليس مهمًا أهمية جمال الرواية ومستواها الفني والفلسفي المتقدم، هي قطعة فنية مؤثرة، واستوعبت على نحو بالغ التعقيد فنون الكتابة والتعبير لدرجة يصعب تصنيفها! ليست رواية مرتبة زمنيًّا، ولا سيرة ذاتية تشبه السير برغم أنه وأسرته يمثلون عمودها الفقري، هي على أية حال نص بالغ الثراء والجمال!

يمكن النظر إلى الرواية على أنها سيرة ذاتية يعرض فيها عوز سيرته وسيرة عائلته، الأجداد الذين عاشوا في بولندا، ثم هجرة الآباء إلى فلسطين، حيث ولد هو في القدس عام 1939، وطفولته في القدس وقصة والديه، ثم حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل، ثم التحولات الكبرى التي مر بها عوز، وكيف انتقل من أسرة تنتمي تاريخيًّا إلى “حيروت” وتستلهم “جابوتنسكي” إلى حزب العمل، ولينضم في صباه للعيش في كيبوتس ينظمه حزب العمل، .. لكنها تبدو أيضًا ليست سيرة ذاتية إلا بمقدار الحاجة لبناء الأفكار والأسئلة.
وبالطبع فإن أهم حدث في الرواية هو وفاة أمه انتحارًا عندما كان عمره ثلاثة عشر عامًا، وكان عمرها ثمانية وثلاثين عامًا، ويبدو مدهشًا ومؤثرًا قدرة عوز على التعبير عن المسألة وتذكرها وعرضها بعد خمسين سنة من وقوعها، وكأنه مازال ذلك الطفل الذي يعيش الصدمة، وكأنه مازال يعيش الأيام القليلة التي أعقبت المصيبة.
“ولا زلت أحيا مصيبتي، اتهمت نفسي: فلو كنت أنا أفضل من ذلك، ومخلصًا، لم أكن لأبعثر ملابسي على الأرض… “. ويختم الرواية بالقول: “لو كنت هناك بجوارها في تلك الغرفة المتجهة ناحية الفناء الخلفي في شقة “حيا” و”تسفي” في تلك الساعة، في الثامنة والنصف أو التاسعة إلا ربعًا في عشية يوم السبت؛ لكان من المؤكد أنني سأحاول بكل قوتي أن أشرح لها لماذا هذا ممنوع. وإذا لم أنجح في أن أشرح لها ذلك لفعلت أي شيء لكي أثير بداخلها الشفقة، لكي تشفق على ابنها وحيدها. كنت سأبكي وأستعطفها بدون أي خزي، وكنتُ سأعانق قدمها، وكنتُ سأضرب وأخربش نفسي حتى يسيل الدم كما رأيتها تفعل ذلك في لحظات اليأس..”.
وبالنسبة لقارئ الرواية فإنه يصاب أيضًا بالصدمة، فهو يعيش في أسرة تبدو مثالية مثقفة متماسكة ومحبة لبعضها، وتنتمي إلى عائلة عريقة من الثقافة والعلم، وبالطبع فإنه لمن يعرفون عن الانتحار يدركون أن بعض الناس يمكن أن يقدموا عليه بدوافع مثالية وتفاعلات معقدة ومتراكمة يصعب جدًا تحليلها..
يبدو عوز في الرواية وحيدًا، ليس له أصدقاء، كأنه لم يتعلم في مدرسة ولم يلعب مع أحد، ثم وفي المراحل اللاحقة بقي وحيدًا، ولكن من المؤكد (لي على الأقل) أن قصة عن الحب والظلام ليست سيرة ذاتية، ولذلك لا يشغل عوز نفسه بذلك، ولعله يقصد هذه الوحدة، ومن يقرأ الرواية على أساس أنها سيرة فسوف يخرج خالي الوفاض، وهي أيضًا ليست حكاية مسلية، برغم أنها على ضخامتها رواية مؤثرة لا يمكن لقارئها (أظن) إلا أن يقرأها كاملة ويعيد قراءتها، وأن يجد نفسه بعد قراءتها أنه ليس هو قبل قراءتها، فهي تتغلغل في نفس القارئ ومشاعره ولا تفارقه، الحياة والموت والإنسان الوحيد، والشعوب التي تسعى أن يكون لها دولة، فتكون ضحية للقوى والدول الكبرى.. “. ربما هكذا هي الأمور التي بين العربي واليهودي منذ مائة عام: أوروبا التي نكلت بالعرب، واستغلتهم بواسطة الاستعمار، والإمبريالية، والاستغلال، والاضطهاد- هي نفسها أوروبا التي طاردت واضطهدت اليهود كذلك، وفي النهاية سمحت أو ساعدت الألمان لاقتلاعهم من كل أطراف الأرض وقتلتهم كلهم تقريبًا. ولكن العرب ينظرون إلينا ويرون أمامهم ليس سوى حفنة من الفارين، بل رافدًا جديدًا ومتعجرفًا لأوروبا الاستعمارية… أما نحن، من جانبنا، نظرنا إليهم ووجدنا أمامنا أنهم ليسوا ضحايا مثلنا، وليسوا إخوةً في الضائقة..”.
يصف عوز مكتبة يوسف كلاوزنر، أخو جده لأبيه، والأديب وعالم اللغة المشهور في الثقافة الإسرائيلية “مكتبة العم يوسف بدت لي ممرًا إلى هياكل الحكمة: أكثر من خمسة وعشرين ألف مجلد، همس لي أبي ذات مرة، هنا في مكتبة العم الخاصة، كتب قديمة وثمينة، مجلدات هربت بالخديعة، كتب علمانية ودينية، كنوز التراث اليهودي وتراث الشعوب، كتب لا مثيل لها إلا في مكتبة الفاتيكان، عبرية وآرامية وسريانية ويونانية قديمة وحديثة وعربية وإسبانية وبولندية وروسية وإنجليزية وألمانية وفرنسية وإيطالية.. ولغات ولهجات أخرى لم أسمع بها مثل الأوغريتيية والسلوقية والكنعانية والمالطية ..”. ويستحضر في وصفه قصيدة بياليك “قم يا بني اهرب” “رجل مثلي لا يهرب، بقري علمني أن أمشي الخطوات هوينا”.. والملفت أنه يروي قصصًا عن “الرواد الطلائعيين” كما يسميهم ويسمون في إسرائيل في الإخلاص والتضحية هي نفسها تقريبًا القصص التي تروى في التراث العربي عن الرموز والأبطال، مثل قصص عمر بن عبد العزيز!
الأفكار والقيم التي يعرضها عوز في تنشئته وعالمه تبدو مثالية ومدهشة، وفيها ثراء إنساني عميق .. “الإهانات في اليهودية أسوأ من القتل، وقد كان جدك إنسانًا لا يهين أحدًا مهما كانت الأسباب والظروف..”، “أمك كانت متسامحة أكثر من اللازم، لم ترفع صوتها ولو مرة واحدة، لم توبخ أحدًا..”.
وفي حديثه عن القصص التي كانت تروى للأطفال يختار واحدة مشحونة بالرموز، وربما تعكس بنسبة كبيرة رؤيته للمسائل، قصة عن ملك عجوز يختار طفلاً “أهبل” ليكون ملكًا بعده عندما رآه يسد حاجز الماء بخبزته التي هي كل ما يملك من غذاء يومه، ولكنه بذلك حمى المدينة من فيضان، وعندما صار “يانوشكا” ملكًا بدا أحمقَ، ولكن البلاد ازدهرت في عهده ولم تحدث حروب، ثم قتله الجنرالات واستولوا على الملك، ودخلت البلاد في حروب ودمرت وشرد أهلها…
تعلم والدا عوز في الجامعات البولندية قبل أن يهاجرا إلى القدس في أوائل الثلاثينات، كما هو شأن الأسر اليهودية في أوروبا الشرقية، خالته تقول له: “كان الأغيار (غير اليهود) يقولون عنا الدبلوم هو دين اليهود”، وفي ذلك الحين كانت نساء قليلات يمضين في التعليم أبعد من حده الأساسي.
ويبدو الأمر في النهاية وكما قالت خالته برغم أنها عبارة وردت في الثلث الأول من الرواية (ص273) “كل العالم إذا نظرنا إليه لن يستمر دهورًا طويلة، يقولون بأن الشمس ستنطفئ ذات يوم، والظلام سيعود ليسود الكرة الأرضية، إذن علام يذبح الناس بعضهم بعضا على امتداد التاريخ، ما هو الشيء المهم إلى هذا الحد، أيهم يحكم كشمير، أو المغارة التي تحت الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل؟ بدلاً من أن نأكل تفاحة من شجرة الخلد أو شجرة المعرفة، يبدو أننا أخذنا من الأفعى تفاحة سامة من شجرة الشرّ وأكلنا بشهية، هكذا انتهت الجنة وبدأ الجحيم!”.
ولكن بما أنه لم يختم ومضى في روايته فلا مفر من صحبته، تروي له خالته قصة العائلة وتحدثه عن أمه، وفي أثناء ذلك يقول/ تقول: “الملوك والنبلاء لا يشفقون على أحد، ونحن أيضًا لا نشفق كثيرًا على الآخرين: فنحن لم نشفق على البنت العربية التي ماتت عند الحاجز في الطريق إلى المستشفى، لأنه وقف هناك على الحاجز جندي بلا قلب، مثل “الكاردينال ريشيليه”، من هو “الكاردينال ريشيليه”؟ لا أعرف ليس مهمًا أن تعرف كل الكرادلة يكرهون شعبنا، وأنا لم أرَ صورة البنت التي ماتت والتي يجب أن تمزق عيونها نفوسنا جميعًا حتى لا ننام طوال الليل، لأنهم في جرائدنا لا يظهرون إلا صور ضحايانا، ولا يظهرون ولو لمرة واحدة صور ضحاياهم”.
الخالة تحكي له طويلاً عن اليهود في بولندا، وتعلق أخيرًا بالقول: “أنتم يا من ولدتم في هذه البلاد لا يمكنكم أن تفهموا كيف أن هذا التقطير البطيء (بعد عرض طويل السلوك اليهودي الحذر والمتحفظ والباطني لتجنب العداوة والأذى) يثني ويلوي لك الأحاسيس، كيف أن هذا يبدو كالصدأ الذي يجعل صورتك البشرية تتآكل، رويدا رويدا، بكل بساطة تتحول يحولك هذا إلى كذاب منافق ومحتال، ومراوغ مثل القط، أنا شخصيًّا لا أحب القطط، والأمر نفسه ينسحب على الكلاب أيضًا، ولكن إذا كان لا بد من أن أختار فأنا أفضل الكلب، الكلب مثل الأغيار، يمكنك أن تلاحظ مباشرة وفورًا بم يفكر وبم يشعر.
كنا نعرف -يتحدث على لسان خالته- أن البلاد فقيرة أغلبها صحراء، ونعرف بوجود عرب فقراء في القرى، وكنا متأكدين بأنه يوجد مكان كاف لعدة ملايين من اليهود، وبأن العرب حتى لو كانوا مشحونين ضدنا بالكراهية فمن الممكن أن نقنعهم أن وجودنا يسبب لهم الخير والنعمة الاقتصادية، وسنكون قدوة للعالم.. واليوم بعد سبعين سنة أتلوع وأتفجع على الصور الجميلة التي كنا نرسمها لأنفسنا ومحيت!”.
لا يكاد يوجد للفلسطينيين حضور في حياة وذاكرة عاموس عوز، كأن أحدًا من العرب واليهود لم يكن يقابل الآخر، يتذكر أنه في طفولته تاه في متجر عربي وكان برفقة جليسة أطفال، وساعده رجل عربي بحنان لا ينساه أبدًا، .. الرجل الذي وجدني من يدري ما اسمه؟ وهل مازال حيًّا؟ أم في خضم الغبار والفقر في أحد مخيمات اللاجئين، ويتذكر طفلة لعبا معًا في بيت أحد الأثرياء العرب، ثم يتساءل إن كانت اليوم تعيش محرومة في أحد مخيمات اللاجئين!
تبدو في حياة عوز امرأتان في سن والدته؛ معلمتان، “زيلدا” التي أحبها مثل عاشق وهو في الثامنة، ثم ابتعد عن القدس كما يقول وأراد أن يمحوها، وهي صارت شاعرة مشهورة ونالت جوائز أدبية، وجاء إلى زيارتها بعد ثلاثين سنة، ويصف ذلك في مشهد طويل ومؤثر، والمعلمة أورنا في الكيبوتس، ويتحدث عن علاقة جنسية حدثت بينهما، وهو المشهد الجنسي الوحيد في الرواية، كان عمره ستة عشر عامًا وعمرها خمسة وثلاثين، وهي متزوجة من ضابط في الجيش، .. ثم وبعد سنوات طويلة رأى أورنا في الولايات المتحدة في حفل استقبال حاشد، فمضى إليها مندفع يقبلها بتهور، ولكنها ردته بلطف وقالت: أنا لست أورنا أنا ابنتها، وهذه أمي، كانت عجوزًا تجلس على كرسي متحرك، لم تكن تستطيع الكلام ولا تتذكر شيئًا” وقد يطيب للقراء والنقاد أن يردوا ذلك إلى قصص أوديب، أو الأثر الطاغي الذي لا يمحى في ذاكرة عوز ومشاعره تجاه أمه التي ماتت وعمرها أقل من أربعين عامًا..
الرواية طويلة ومليئة بالمشاهد والأسرار، ولا يمكن استيعابها في مساحة محدودة، ولكن ربما يكون أفضل ما يختم به هذا العرض حديثة عن الفترة التي سبقت وفاة والدته، وكيف تبدلت حياتهم “كأن حوّاما بحريًّا كبيرًا جرفنا نحن الثلاثة، قربنا وأبعدنا، رفعنا وحركنا دورنا حتى ألقى بكل واحد منا على شاطئ ليس له، كنا متعبين جدًا،.. كنا في ذلك الخريف مرتبطين وملتصقين مثل ثلاثة أشخاص محكومين داخل حجيرة واحدة، ومع ذلك كان كل واحد منا مع نفسه،.. لم يخمن والداي أي شيء، ألف سنة ضوئية كانت تفصل بيني وبينهما، ولكن ماذا عرفت أنا عن معاناتهما؟ وهما؟ كلاهما؟ هذا مقابل الآخر؟ ماذا عرف أبي عن مصيبتها؟ ماذا فهمت أمي عن معاناته؟ ألف سنة ضوئية فصلت بين كل منهما والآخر، .. في صباح ذلك السبت عندما جلست أمي مستندة إلى جذع شجرة، وأنا ووالدي وضعنا رأسينا على ركبتيها، وكانت هي أمي تربت على رأسينا، حتى في تلك اللحظة التي كانت أعزّ من كل لحظات طفولتي، كانت تفصل بيننا ألف سنة ظلام”.
_________
*مجلة”المجلة”

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *