الرئيسية / مقالات / الماء مطهّر الحيِّ والميت!

الماء مطهّر الحيِّ والميت!


*أمجد ناصر

تعود، أحياناً، إلى بيت العائلة في الصيف. حيث يبلغ الجفاف الحناجر. الجفاف نفسه الذي تذكَّرَتْك، في طقطقة عروقه، شاعرة في حلم أو ما يشبهه. تفعل هذا بعد انقطاع قسري طويل. يكون «أحمد» في انتظارك في المطار. إن كنت قادماً على إحدى طائرات «الملكية» تصل منتصف الليل. أما إن كنت قادماً على خطوط أخرى (البريطانية مثلاً) فتصل عصراً. يمكنك أن ترى، والحال، بالقرب من الطريق، العارية من أي ظلٍّ، ما تبقّى من الرعاة يتدثّرون بالمعاطف في عزّ الصيف. رؤوسهم مغطّاة، دائماً، بالكوفيات الحمر التي يحلو للبعض اعتبارها فارقاً حاسماً يميِّز بين الأردنيين والفلسطينيين. معروف أن «رَبْع الكفافي الحمر والعقل ميالة»، على حد تعبير أغنية لم تعد تُسمع هذه الأيام، هم أفراد الجيش الذي شكَّل البدو نواته الأولى، بينما يرتدي الفلاحون الأردنيون والفلسطينيون الكوفية «الزرقاء» (الأردنيون يسمونها شماغاً. ولا تدري لماذا يصفها البدو بالزرقة، رغم أن خيوطها سوداء!) كتلك التي كان يرتديها ياسر عرفات، وصارت رمزاً للهوية الفلسطينية. ولكن يبدو أن البدو يفضِّلون اللون الأحمر على غيره، ويعتبرونه لوناً أرستقراطياً فيقال، والعهدة على رواة واسعي الذمة، إن أحد شيوخ العشائر باع سبع دساكر مقابل «بوت» أحمر!

***
قرأتَ مرةً مقالاً في مجلة يتحدث كاتبه عمَّا سمَّاه «حكمة» ارتداء البدو أغطية الرأس والثياب الثقيلة في الصهد. شرح الكاتب، علمياً، ما يبدو غريباً لمن يرى تلك الأغطية والثياب الثقيلة على أجساد البدو في عزِّ الصيف. راوغ أبناء الصحراء، بأبسط الطرق، شمسها العمودية المسلطة على الرؤوس والأجساد من خلال ثيابهم القليلة المتقشِّفة. عملية معقَّدة في حفظ السوائل وتبخُّرها تجري بين أجسادهم وثيابهم. العيش، طويلاً، في مناخ قاس مكَّنهم من التحايل عليه، فهذه الثياب تقيهم من لفح الشمس، والأهم، تحتفظ بالعرق الذي تشبه طريقة تبخُّره نظام التبريد. البدوي الذي يعتبر العثور على الماء مسألة حياة أو موت، لفرط ندرته، يمعن في تقنينه. ومن دون أن يعرف شيئاً عن مبادىء علم الفيزياء، نظرياً، أوصلته بيئته وطراز حياته إلى معرفة تطبيقاته. كل حركات البدوي وسكناته مصمَّمة على أساس الاحتفاظ بالماء لا صرفه. ألا توحي لك رقصات البدو البطيئة بخوفهم من تبخُّر سوائلهم الثمينة؟ هناك رقصة واحدة يستهترون فيها بنسغ أجسادهم. يهدرونها تدريجاً. ثم دفعة واحدة. وتلك رقصة تعرفها وليس مستبعداً أن تكون شاركت فيها. إنها «الدحْيِّة» التي تبدأ بطيئة، مملة، منعقدة على كلمة واحدة من أربعة أحرف، متكررة بلا نهاية، ثم تتصاعد، مع تحرُّك المرأة الوحيدة الملثَّمة (الحوشي) في وسط الحلقة، على شكل حمحمةٍ حلقية. يقفون، كقوسٍ متوتِّرة، متلاصقي الأكتاف، مائلين قليلاً صوب مركز الجاذبية المتنقل بمغناطيسه المحجوب. يتسارع خبط الكفِّ بالأخرى حدّ الإنهاك، وتمحو الحناجر الصاهلة الحروف الثلاثة مبقية على «الياء» المشدَّدة، كتعزيم سحريٍّ شبق. إنها رقصة متهورة. رقصة الفوز بـ «الحوشي» التي تضرب صفحاً، أمام تخطّر المرأة بسيفٍ ولثامٍ وخصرٍ يطوَّق بيدٍ واحدةٍ، عمَّا في الجسد من ماء قليل. 
عدا ذلك صرف الماء يكون بمقدار حفنة يد. «عرام» من الماء يكفي. «حسوة» تفي بالغرض. دمعة. قد يكون غسل اليدين، مثلاً، بعد الأكل ضرورة للمديني أو الفلاح لكنه ليس كذلك للبدوي، اللهم إلاَّ لضيفه. يمكنه أن يستعيض عنه بفرك يديه بالرمل أو بأعشاب الموسم، وغالباً ما تكون لهذه الأعشاب رائحة زكيّة أو نفّاذة تزيل عن اليد أية رائحة أخرى. 
تذكّرتَ جدّتك، التي تنتمي إلى آخر جيلٍ بدويٍّ حقيقيٍّ في عائلتك. كانت تفعل ذلك مراراً رغم أن الماء الجاري كان متوافراً في بيتكم. لا بد أن يكون ذلك استمراراً لعادة قديمة أكثر منه افتقاراً إلى الماء، أو لعله مُجَرَّد استعادة لعلاقتها بالأرض والطبيعة التي أخذت تنقطع تدريجاً مع زحف الباطون على البوادي والأرياف سواء بسواء. تذكرتَ، أيضاً، أن أمك كانت تعيد غسل مواعين غسَلَتها، من قبلُ، جدّتك التي تؤمن بالقدرة التطهرية للماء وحده. الماء من دون صابون. من دون «سيرف» أو «تايد». قد تستعين ببعض الرماد ولكن ليس بمواد التنظيف الكيماوية. ألم تكن تردِّد على مسامعكم، دائماً، تعويذتها الشهيرة: الماء يطهِّر الحيِّ والميت؟
_______
*مجلة”الدوحة”

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *