الرئيسية / مقالات / جدوى الحوارات

جدوى الحوارات


* أمير تاج السر

على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، لا يمرّ يوم من دون أن أجد أسئلة في بريدي تبحث عن أجوبة، رجاءات بالموافقة على إجراء حوارات، أو أقلها تجميعات من حوارات سابقة، وأسئلة لم تُطرَح عليّ من قبل، تمَّت الإجابة عنها نيابة عني، ووضعت في الصحف، سواء تلك الورقية منها أو الإلكترونية، ولدرجة فقدت فيها أي رغبة في الكتابة، لا أستطيع التفكير بصفاء، ولا أستطيع أن أعثر على بداياتي ونهاياتي، ونصوصي التي أحبّ كتابتها، وتحبّ هي أن أكتبها، برغم كل ما يسبِّبه كل منها للآخر من كآبة، وعلى هذا النهج يوجد كثير من الزملاء، يواجهون الشيء نفسه، بينما مبدعون أفضل منا، لا يعثرون على حوار يتحدثون فيه.

في رأيي أن إشغال الكاتب في حوارات متتابعة، يتحدث فيها الحديث نفسه، يروي الذكريات نفسها، ويضيء عدداً من نصوصه، الإضاءات نفسها لا يضيف كثيراً إلى تجربته الإبداعية، لا بأس من حوار أو حوارين في السنة، ويكون ذلك بمناسبة صدور كتاب جديد للكاتب فيه اختلاف عما كتبه سابقاً، وأن يكون الحوار منصَباً على تجربة الكتاب الجديد فقط؛ بمعنى أن يكون المحاور قارئاً للنص في الأول، وقادراً على استخراج ما يظنه معتماً منه، ومن ثم طرحه على الكاتب، حتى يحصل على الإضاءة اللازمة. هذا يفيد الكاتب والقارئ معاً، أحدهما يبين ما خفي من تجربته، والآخر، يتلقَّف ذلك الإيضاح، ويدخل به إلى القراءة.
لا أعتقد أن القارئ معنيّ كثيراً بذكريات الكاتب ومعاناته الطويلة، حتى استطاع الوصول إلى صفحات الحوارات، ماذا يعني أن كاتباً تشرَّد كثيراً، ماذا يعني أنه نام في الطرقات، ولم يعثر حتى على شطيرة فول يسدّ بها جوعه. هذا الكلام يكتب في السيرة الذاتية للكاتب، أو في رواية بطلها شخص مشابه للكاتب، ويوجد قرّاء كثيرون، أنا منهم، يعشقون قراءة السير الذاتية. ومن الطرائف التي صادفتني، أن محاوِرة قدَّمتني مرة باعتباري صاحب مئتي رواية، وطبعاً هي لا تعرفني من قبل، وما سمعت بي إلا يوم أعدَّت لها فقرة عني، وكان عليها تقديمها من دون أي تقصّ، وهي صاحبة برنامج ثقافي، ويفترض بمُعِدّ أومقدِّم البرنامج الثقافي أن يكون ملمّاً حتى بأكثر الكتّاب بعداً عن الشهرة، حتى إذا ما أعَدَّ أو قَدَّم فقرة عن أحدهم، يفعل ذلك عن دراية. وقد عَلَّقْت على مسألة المئتي رواية تلك، بأن ذلك يعني أنني كتبت روايات السودان كلها، وزحفت شمالاً إلى مصر. لا أحد يكتب مئتي رواية حتى لو عاش عمرين أو ثلاثة أعمار. حتى المبتدئون في المعرفة يستطيعون استنتاج ذلك.
في النهاية أعود إلى رأيي الذي أصبح من آرائي المفضلة التي أردِّدها مع نفسي: أفضل ألف مرة للكاتب أن ينشغل بإبداعه، يحاور نصوصه، يفرح معها، ويكتئب معها، من أن ينشغل بترديد الكلام نفسه، في كل مرة، ويأتي يوم يسأم فيه حتى متصفِّحو الصحف، وسيّاح الصفحات الإلكترونية، من وجهه وحديثه.
_____
*مجلة الدوحة

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *