الرئيسية / نصوص / مـع الأطفـــال – قصة قصيرة

مـع الأطفـــال – قصة قصيرة


حفيظة قاره بيبان (بنت البحر) *

( ثقافات )


أخيرا، وصلت البيت..!

فتحت الباب وأغلقته بعنف على رياح الخارج المصقعة. نزعت حذاءها الغارق في الوحل، وألقت مطريتها المكسرة ومعطفها المبتل على أول كرسي. وأسلمت جسدها المنهك للفراش تدعو بعض الدفء.
ما زال صوت الريح يعصف في الخارج، والقرار الذي اتخذته يهدر داخلها.
سينتهي اليوم كل شيء!.. سينتهي كل شيء! يكفي ما كان!.. يكفي ما يكون! يكفيها صبرا وانخذالا وتعذيبا لجسد يذوي يوما بعد يوم.

ضجت الأمطار فوق سطح البيت الريفي الواطئ.. نهضت ووحشة الليل الماطر القادم تتسلل إلى الغرفة. أضاءت المصباح النفطي أشعلت الموقد وأعدت قهوة حارة مركزة. جلست تترشفها تدعو بعض الدفء قابلتها كراسات وردية متراكمة. هربت بنظرها وأسرعت تأخذ أوراقا بيضاء وقلم حبر وعادت تغرق وجهها في بخار القهوة الحار.
بدأ الدفء، يتسرب إلى كيانها من جديد، وشيء من حرارة الحياة التي تكاد تفقدها يعود. فقط، في الليل يعود.
أما النهار، في الخارج، فيمر ككل أيام الصقيع في هذا الشتاء. تتحول ورقة خريف تعبث بها الرياح، والسماء تشرّع سحبها الثقيلة القاتمة في وجهها. تهرع – بعد كيلومترين في وحل الطريق – بتلاميذها إلى القسم، تقف أمام السبورة السوداء، تكتب، تقرأ، تجول بين الصفوف، تفتح الخزانة في الزاوية البعيدة، تغلقها، تصلح، تفسر، تحاور… ولا مهرب! فالريح تصفعها من كل مكان! تهجم الطبيعة المتجهمة تحتل الفضاء والأماكن، ويسخر الهواء البارد من الجميع. يتدفق من النوافذ الباقية بلا مصاريع واخزا ساما. ويظلم القسم والجدران التي لم تكلس بعد يزداد إسمنتها قتامة مع ارتحال الشمس.

اليوم، تململ الصغار في أماكنهم رغم الكتب المفتوحة أمامهم، فبرد أواخر ديسمبر يتسلل إلى أجسامهم. سعل بعضهم. جذب البعض الآخر مناديل يمسحون أنوفهم. لاحظت غياب عدد منهم، فأمراض الشتاء، ترتع الآن بينهم.

رفعت ياقة معطفها وهي تطرف ببصرها نحو الغيوم الكثيفة القادمة من الأفق. «الريح والبرد، والعمل في إسطبل مفتوح! كيف تستمر في هذه المهزلة؟ كيف تواصل دورها المضحك المبكي فيها؟».
– سيدتي، إن الريح تطير صفحات كتابي.
– أمسك الأوراق بمسطرة.
رفعت طفلة هزيلة إصبعها بتردد.
– سيدتي، الريح القادمة باردة.
– ألبسي معطفك، وتأملي كتابك.
أخفت الطفلة وجهها بذل في الكتاب، وألهبت وجنتيها حمرة الخجل. بدت كأنها ستجهش بالبكاء.. همس طفل من المقعد الأمامي: 
– سيدتي، ليس لها معطف!
أحست البرد يلف جسدها في كفن من ثلج، وهي تتجمد أمام السبورة، سمعت صوتا. لعله صوتها يقول:
– ابحثوا عن ورق مقوى! من يجده يأت به. سنسدّ النوافذ!

كانت دوما ضد الاستسلام إلى هذا الواقع: ضد اللجوء إلى نصف حلّ، علّهم يتحركون، وينفذّون ما يخطّ على الورق! ولكنها الآن، مع الأطفال، في العاصفة. حتى لو أخذتهم، فلا أحد سيأتي إلى ريفهم النائي ليعيدهم إلى الحياة.

تحركت باتجاه الباب. الساحة المسيبة قفر، تلعب برملها وحصاها الرياح، والطريق الموحل غالبا الممتد حتى أسفل الهضبة يزيدها بؤسا، بينما اكتظ القسمان القديمان ببقية تلاميذ المدرسة مع أثاث المعلمين المقيمين.
ولا أحد يمر وينظر. ولا أحد يعرف. «لا يمكن إتمام البناء إلا بجمع الإعانات من الأهالي، البلدية.. الشعبة..» هكذا قيل. ولم ينتظر الشتاء جمع الإعانات، وتحقيق الكلام. هجم فجأة. حشر الأربعون في القاعة أضحكت الأطفال النكتة في الأول وألهتهم. قاعة جديدة مازال الإسمنت باديا على جدرانها، خالية من النوافذ وبلا باب! وحين طالت النكتة ملّوها. ظلمة الإسمنت وتجهم السماء، وصفع الريح الدائم يلغي حرارة كل النكات.

عادت تجول بين الصفوف، تتناسى ألم البرد الذي بدأ يثقب صدرها، تراقب، تتحرك، تفرك يديها، تنصت إلى قراءاتهم بانتباه مكسور. علّ الحركة تبعث الدفء في القاعة المثلجة.
– لننهض! لننشد أنشودة أخرى!
سنطرد البرد.
يهب الأطفال واقفين. توقظ الحركة الحياة في أجسادهم المتجمدة على المقاعد. تنطلق أصواتهم.. ترتفع..
سقف بيتي حديــد ركن بيتي حجــر
فاعصفي يا رياح وانتحب يا مطـر
تنفعل القلوب الصغيرة، تحلم بالدفء.. ترتفع الأصوات أكثر.. تتحدى البرد.. تلغي الجدران الإسمنتية والنوافذ العارية وغضب السماء..
تدخل بيت الحجر الدافئ.. ويتسرب الدفء إلى الأجسام ويعود النشاط، وتنير ابتسامة عذبة الوجوه الغضة الصغيرة.

أحست رذاذا على خدّها. استدارت ناحية النافذة العارية.. إنه المطر. تتابعتت خيوطه دقيقة تدفعها الريح من ناحية النوافذ. تكاثرت الخيوط، تكاثفت.. وانهمر المطر غزيرا تدفعه الريح داخل القاعة. توقف الأطفال عن النشيد. خرجوا من مقاعدهم. تدافع بعضهم. أبعدت أوراقها عن غضب المطر، قبل أن تأمر الأطفال بالجلوس متلاصقين في مقاعد الصف البعيد.
أخذت دفتر المناداة تسجل عدد الغائبين. تكاثرت العلامات. ولكنها توالت عديدة أمام أحمد الطفل الخجول الصغير.
– أين أحمد؟
– أحمد في المستشفى.
– ما به؟
– أصابه التهاب رئوي!
عاد إليها وجهه بشعره الأسود المنسدل على جبينه، ونظرته الذكية المتألقة.. التهاب رئوي! أحست بالاختناق وبالوجع يشق صدرها.

كان الليل قادما. خرج الأطفال يركضون إلى المنازل القريبة والبعيدة.

فتحت مطريتها وهي خارجة من القسم بأطرافها المصقعة تدعو البيت. البيت والدفء، والكتاب والقهوة الساخنة تخفف بؤس يومها.
المطر يرش مطريتها وذيل معطفها، والوحل يغرق حذاءها.. صدرها يؤلمها.. يشتد الوجع كلما طالت الطريق.. وأنفها بدأ يرشح.. الألم يثقب الصدر ويستقر في أعماق القلب.. وأحمد ذو العشر سنين يعاني الالتهاب الرئوي.

كيف رضيت؟ كيف خضعت؟ وواصلت دور المنهزم البائس؟! كيف أسلمت نفسها مع الأطفال الأربعين لمجرى الهواء البارد، تلطخ أصابعها بالطباشير وغباره يتناثر على معطفها الذي لم تقدر على التخلي عنه، والغبار الطائر يتسلل إلى رئتيها، والريح تلعب حرّة ساخرة بالأوراق والكتب والـصّدور. كيف رضيت الرجوع إلى إسطبل حيوانات مفتوح؟ بعد أن أرغمها المرض على لزوم الفراش أسابيع، مهددا رئتيها؟ وها هو يهدد الصغار الأبرياء، وهي تشارك ارتجال القرار واللامبالاة بالرضا والتنفيذ، وتعود تتحدى مجاري الهواء بالحركة والنشاط الدائب وخرافة حب الأطفال.

الريح تعوي.. تدفعها.. تكسر مطريتها.. المطر يغسلها.. والطريق طويل.. طويل.
بعض أطفال يركضون.. يقبلون نحوها. الأعين مفتوحة مندهشة والمعاطف مبللة والأصوات راعشة..
– سيدتي! لقد عادوا بأحمد! عادوا بأحمد!
– هل شفي؟
– لا! إنه مات! أحمد مات!
وجه أحمد الصغير، دقيق الملامح، مضيء العينين، مبتسما يقبل نحوها.. ثم يتراجع.. يقطعه الفزع.. يصرخ.. يسقط.. يجرفه السيل إلى أعماق الوادي الهادر السحيق.

عادت تركض.. تركض.. هاربة من العاصفة القادمة.. من السيل الجارف.. من وجه أحمد.. تركض..
لا بد أن تنهي اليوم كل شيء! ستنهي كل شيء! لن تكون أداة الموت. غدا، لن تعود! لن تعود!

ما زال فنجان القهوة بين يديها والورقة أمامها، وفتيلة المصباح ترتعش نارها في الزجاجة.. أخذت القلم بين أصابعها. جرت الريشة تخط كلمات قليلة سوداء.
قبل أن تنام، كان مطلب الاستقالة مطويا في ظرف داخل حقيبة يدها.

لم تنتظر طلوع النهار وتحسن الطقس. بكرت بالخروج. تثبتت من وجود مطلب الاستقالة في حقيبتها. ارتدت معطفها وأضافت شالا صوفيا على رأسها. لن تعود إلى هناك! لن تواصل دورها في إسطبل حيوانات! بل الإسطبل أكثر دفء وإنسانية. لن تعود! لن تذنب أكثر في حق الأطفال! حتى الظرف، سترميه في صندوق البريد. وتهرع إلى البيت، تعد قهوة ساخنة، تفتح كتبها المهملة وتلتف في غطاء ساخن، وتبحث لها عن آفاق أرحب وأكرم.

أسرعت خطاها.. هدأ الطقس عن الليلة الماضية.. ولكنها لن تعود!
مرّ قربها أطفال يقفزون ويتضاحكون.. أسرعت خطاها. حولت عنهم بصرها. حاذاها أحد تلاميذها.
– صباح الخير سيدتي.
ثم واصل سيره. سينتظرها هناك في ساحة المدرسة مع أترابه. سيطول الانتظار. ستلعب بشعورهم وثيابهم الريح أمام قاعة الدرس ولن تأتي.. وأحمد أيضا لن يعود! أحست بالأسى. أطردته قبل أن يغمر ذاتها المتعبة.
طريقها اليوم غير طريقه. ابتلعت دمعة كادت تفيض على خدها، وتابعت سيرها. أسرعت خطاها. هاربة.. هاربة.

البارحة، حين وقفوا للإنشاد، تألقت بسرعة مدهشة وجوههم، أضاءتها الفرحة. وانطلقوا منشدين مترنمين ناسين البرد الذي كان يخز أجسامهم.
ولكنها لن تعود إليهم.. لتعلن رفضها يوما بطريقة ما! جسدها يذوي يوما بعد يوم. وقريبا تحملها الرياح.. أحمد رحل! والبقية يصارعون مجاري الهواء المثلج. والكل منشغل عنها وعنهم.

اجتازها طفلان يحملان الورق المقوى.
– صباح الخير سيدتي!
ابتسمت وجوههم البريئة.. احمرت خدودهم. ساروا أمامها مهرولين، وابتعدوا منشدين. بدوا صاعدين مع الطريق عصافير، ترفرف، تزقزق رغم وحل الطريق.
عاد أحمد يرفع إصبعه الصغير وصوته يهمس من بعيد:
– سيدتي! العصافير لا ترحل كلها!
هناك من يقاوم البرد ويبقى حتى في أصعب الفصول! 
آه أحمد! لما رحلت إذن ولم تقاوم؟!
وكنت تستشهد بقوّة احتمال عصافير السطوح!

كانت تسير.. والوجوه التي عرفتها وأحبتها تتوالى غضة صغيرة باسمة:
– صباح الخير سيدتي!
– أحمل محفظتك سيدتي؟
– ماذا نحضر لغد؟
– … أحبك كثيرا سيدتي…

الريح تحمل لها أصوات الأيام الماضية، وصدى أغنية الأطفال يأتيها من بعيد.
ومع ذلك، لن تعود. مطلب الاستقالة مازال في حقيبتها ينتظر الوصول.
كانت تسير.. أصوات الأطفال المترنمة تقترب والوجوه الصغيرة الماضية تفتح نوافذ الذكرى، تتدافع، تحيط بها، ووجه أحمد، مضيء العينين، يومض..
«- سيدتي! العصافير لا ترحل كلها!».
وينطفئ!

كانت تسير، في الطريق الموحل، كما اعتادت كل يوم – دون أن تدري – لتجد نفسها أمام الساحة المسيبة.. مع الأطفال، والشمس ترسل إليها من بين الغيوم شعاع تحدّ جديد.
* أديبة من تونس

شاهد أيضاً

تحت شجرة العنب

خاص- ثقافات *سيومي خليل ظلت الفتاة التي كبرت بين أشجار الكرم الشوكي وصوت قوقأة الدجاج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *