الرئيسية / نصوص / الآن وطني فتاة

الآن وطني فتاة


شيركو بيكه س/ ترجمة: هيوا عثمان**

أقف على شارع صهولكة***

عمري تسع عشرة شمعة
من هذه التسع عشرة
ترك الوطن بضعَ شموع
من أجل بريق الضحكة والابتسامة
تسعة عشر طائراً من أحلام شبابي
أبقت شظايا الوطن على بضعة منها
من أجل التغريد والتحليق
**************
“تسعة عشر تنهداً لحجر قارعة الطريق
تسع عشرة فقاعة لإسفلت طريق صيفي
تسع عشرة أسطوانة لرصاصات الحرب الداخلية
تسع عشرة لقمة عالقة في البلعوم
تسعة عشر جورباً مثقوباً
تسع عشرة شكوى ضائعة
تسع عشرة حبة ڤاليوم لتسع عشرة ليلة
تسع عشرة سنة في مغلف خالٍ”
***************
أقف على شارع صَهولكة
فتياً كشجرة رصيف منسية
علا رأسَها وكتفيها التراب
جديداً كآخر خيبة أمل
جديداً كآخر لون للوحدة
فتياً ككيس ملون مرمي
***************
الريح تحركنا معاً
تسمع حفيفنا معاً
الشجرة تعلق بالعلب المعدنية الفارغة
وأغصان الأشجار وأرجل السيارات والكراسي
ومن هناك،
أنا ألتف على عقارب ساعة البطالة النائمة
وألتف على أرجل الوطن
***************
كلانا يصدر الحفيف
وكلانا ومن خوف الوحدة
تحت ظلال زاوية
نتأفف ونتذمر
***************
ظهيرة سعيدة!
أنا اسمي سلحفاة
منذ سنين
وأنا هنا حمال
هذه الحفرة بيتي
البارحة أتت بضع أرجل للوطن غاضبة
ركلتني إلى الأسفل وقالت لي:
لمصلحة المياه والجبال
ومصلحة الصقور والنسور
وكل هذه الرموز الجبلية
عليك أن ترحلي
لأن الرفيق سليل النسور ينوي أن يحول المكان بعد نوروز
من هنا إلى الأعالي
إلى حقل جميل لورد الخشخاش!
***************
“أسمع الآن آهات وصرخات الأرض على ما سرقوه منها
جسدها الفيدرالي مثقب من أقصاه إلى أقصاه”
***************
نهارك سعيد
اسمي (العدالة)
أنا عين الله على الأرض ويده
أتيت إلى هذا الوطن
لا يعرفني أحد
لا يراني أحد
الذي لا اسم له هنا هو أنا
أنا وحيدة هنا
***************
في كل ليلة
يربطني أحدهم بالسرير
ويضع شريطا لاصقا على فمي
هذا الوطن يكرهني
إلى درجة أنه يذبحني كلما سنحت الفرصة
***************
أنا لا أُُسرق بسهولة
ولكن هنا وإن لم أكن حذرا
سأُسرق وسأُخطف
سيلبسون قناعي
ويحملون ميزاني
ويخرجون للناس
بوقاحة وقاحة ويقولون:
نحن وليس العدالة
نحن إله جديد لهذا البلد!
***************
“دون أن تدري يد بالأخرى، سُرقت الأصابع
دون أن تدري رجل بالأخرى، سُرقَ الطريق
العين لم تدرِ بأختها، سُرقت الرؤية
الجناح لم يدرِ بالآخر، سُرق التحليق!”
***************
عَفنٌ عَفن
تأريخ سلطة هذه الأرض
ورائحة فم أكاذيب هذا الزمان
***************
أقف على شارع صهولكة
وقلبي على حفنة ريح
تنزل ببطء من گويژة****
وتحمل رماد امرأة
إلى أنف الوطن
تنفخ الريح الرماد وتقول:
ذكرى لأمجادك!
***************
ما أزال واقفا وروحي
تعلق نفسها بخيط مطر
يشبه خيوط جدائل أمي وشقيقاتي
خيط مطر من نسل خيوط خريف شعر أرملة في حيّنا
واقف هنا وعيني في الوعاء أمام قدم متسولة
وكلما صعد الرنين من الوعاء
قفزت معه عيني فزعا!
***************
مساء الخير!
اسمي فستان نسائي
أنا ما يخجل الوطن من ارتدائه
هذا التأريخ الذَكَر
وطن الشارب هذا
لم يسمح ولو لمرة
لشمس أو جدول ماء أو زجاجة
أن يرتدوني.
هؤلاء لبسوني:
المكنسة والقدر وسلة القمامة
الذين ارتدوني هم قامة الغربة الطويلة
قامة الوحدة والآلام
***************
الذين أهداني الوطن إليهم كانوا
الصمت والقفل
العصا وارتعادة السوط
ولباس المرضى
***************
اسمي فستان نسائي
التي لا تعرف عني شيئا
ولا تسمع صرخاتي
هي أذن الوطن الثقيلة
***************
أنا أنثى!
جسدي مليء من أعلاه إلى أدناه
بالخطايا والأسئلة الحرام العارية!
منذ ولادتي
وحجارة الرجم مربوطة بقماطي
والوطن يبصق عليّ
***************
أقف على شارع صهولكة
وفجأة جاء الوطن
بقبعة العلم
ودعاية اللحية والشارب
ولافتة العرف الذكرية
وأوسمة الوعيد على صدره
وسيف (أي رقيب)*****
بريشه المنفوش وغرور الطاووس
عدد من المسلحين المحملقين
مفتولي عضلات الصدر خلفه
يصافحني بإصبعين
ويبدأ بعرض أرشيف جيبه الفاخر
ويعطينا قرص نشيد جديد لهذا الزمن
وبعدها تعتليه ابتسامة صفراء مصطنعة ويقول لي:
“أنا الوطن الوحيد في هذه الدنيا”
ويتركني ويرحل
***************
أوقاتك سعيدة!
أنا مهر عاطل عن العمل من كركوك
أنا ابن النفط والغاز وهذه الأنابيب والآبار
ما لا أراه حتى بالصدفة هو هؤلاء الآباء
ولأنني دائم التجوال، أرى الوطن أكثر من الآخرين
ولكن، وا أسفاه، كل صهيلي وصولاتي ذهبت مع الريح
كل الفرسان تهشموا
وهذا الوطن المقدس لم يسمعني!
ولم أكن وحيدا
الريح العاتية قالت: برغم كل هذا الهزيز لم يسمع!
المبرد قال: كل هذه الشرارات والنيران والاستقطاع ولم يسمع
الحديقة قالت
الشارع قال
السوق قال
القلم والدفتر
الحقل و أطرافه
الطيور والحيوانات
كل هذه الأعشاب والأوراق
النمل والطائر الأسود
الأرنب اليتيم والكلمات الحزينة
بصوت التأوه والعويل صاحوا
ولكن هذا الوطن المقدس لم يسمع!
الصياح نفسه قال:
منذ طفولتي وحتى الآن
وأنا أضع فمي على الأذن العريضة
لهذا الوطن الكبير الرأس
***************
منذ سنين وكل هذه الأوراق
كل هذه الأصابع، كل هذه الإشارات
أرسلها الواحدة تلو الأخرى
إلى أذنيه
كلها ذهبت ولم يعد منها أحد
لا أعرف ما مصيرها
ماذا يجري في تلك الأذان؟
من الذي تراه؟ وإلى أين تصل؟
لا أعرف
لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*نُشرت القصيدة الطويلة (فتاة الآن وطني) باللغة الكردية في مجموعة مستقلة، تحمل العنوان نفسه، صدرت في السليمانية سنة 2011
** خبير إعلامي
*** الصهولكة: شارع شهير في السليمانية يلتقي فيه الشباب.
**** گويژة: أحد الجبال المحيطة بالسليمانية.
***** أي رقيب: النشيد الوطني الكردي.
________
*عن (العالم)

شاهد أيضاً

مطر الروح

خاص- ثقافات محيي الدين كانون* 1 مطرُ الروحِ يا سُنْبُلتي….. لا يحْفِل ُ لا بالربيع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *